MON DIEU

شارك القصة

كلُّ لصوص العالم يجتمعون في سويسرا ..
و كلُّ بنادق الغرب و بلطاتُ العربان و سيوف سلالات قريش تجتمع فوق رأس القبيلة التي رمت العباءة.
كلُّ آلهة الإغريق تجتمع في الأولمب, و أنا طُرِدت منه حين وطأت قدم جد جدي الأولِ عربةَ نقل المنفيين من جبالِ الأمازيغ، نحو تسلسلِ مدنٍ لفظتني كلقمةٍ مرّة، أرددُ وطيفُ درويش حولي: ” كلّما مرّت خطاي على طريق
فرّت الطرقُ البعيدةُ و القريبة
كلّما آخيتُ عاصمة رمتني بالحقيبة. ”
أشعلُ موسيقى؛ صوتُ إيديث بياف يتراقصُ كفراشاتِ الليلِ قافزاً بين جدرانيَّ المتسخة كسمعةِ ثوراتٍ لم يحالفها الحظ وتُبَرعِم نصراً.
لو لم يأتِ الفرنسي ويحرقَ تفاحَ الأمازيغ والعرب على حد سواء – هل كنت سأعيش كحواء قبل الفضيحة!
عزيزتي؛
أنا لا أفهم الفرنسية مثلك، ولا أود أن أستمع لأغنية بلغة أفهمها ربما كنتِ تغنين لشيء لا يعجبني، ولا أوافق عليه حتى.
لكن الإنسان المتعب يعيش في الأوهامِ ليس لأنه أخرقٌ أو حالمٌ جداً، فالأوهام وحدها تجعل آلامَ الحياة الواقعية محتملة، إذ أنني أتخيلكِ الآن تغنين للبعيدين جداً
أولئك الذين ارتدوا عباءات زورو، وماعادوا يراقصون ابتساماتنا، كمن ابتلعه الظل في ديكور مسرحية رديئة الإخراج، تغنين لشموسنا كي تبقى.
أؤمن أن اللحن يوحي بمعنى الكلمات التي تُغنى، فهما كالورد في باقة نسقها بستانيٌّ بارع.
**
لكن الأوهام نوعان؛
أحلاهما مرّ.
هذا ما دونتُه على قصاصةٍ علقتها في موضعٍ آراه كل صباح.
الوهم هو الذي يوقظنا من ارتطامنا بالقاع تحت صلبان حياتنا العابثة بكل جميل.
عزيزتي، كان من الممكن أن نكون أكثر حياةً لو أن سايكس وبيكو بذلا جهداً أكبر وحددوا لنا الوطن حوارٍ وأزقة، لا تعلو لدغة الراء في غنائكِ على لدغات عقاربٍ تُركت لنا تحت بيوتٍ أسقفها هشة.
أفكر برحلتي نحو منفى جديد، مدركةً بازدياد رصيدي في الرفض.
فالمدن كالبشر أحياناً، لا تقبل أيّ واطئ، خاصةً إن كان مثلي، بندوب كثيرة، كأحدب نوتردام.
فأرسم وهماً بزخرفاتٍ أحبها، مثلاً سأزور إشبيلية الجميلة وأرقصُ على نغم لحن أندلسيّ، وأنطلق نحو باريس أشرب كأس كونياك في مطعم كانت ترتاده بريت الفاتنة في رواية لهمنغواي، ثم أذهب لهامبورغ وأحتضن صديقةً ترك لي زوجها قلبَها الحاني كيّ أزرعهُ بابونجَ وريحان ريثما ينجلي عنه عتمُ الأقبية.
***
عزيزتي بياف:
لا ذنبَ لكِ في ذلك، كما لا ذنب لي في سنونوات تطير فوقي بائسةً كأنني ضريح، فكلُّ لصوص العالم يجتمعون في سويسرا ..
و كلُّ بنادق الغرب و بلطاتُ العربان و سيوف سلالات قريش تجتمع فوق رأس القبيلة التي رمت العباءة.
وكلُّ آلهة الإغريق تجتمع في الأولمب, و أنا طُرِدت منه حين وطأت قدم جد جدي الأولِ عربةَ نقل المنفيين من جبالِ الأمازيغ، نحو تسلسلِ مدنٍ لفظتني كلقمةٍ مرّة؛ مثلكِ تماماً.
دعينا نغني:
mon dieu! mon dieu! mon dieu!
laissez-le-moi
encore un peu
mon amoureux
six mois, trois mois, deux mois…
laissez-le-moi
pour seulement
un mois…

 

الصورة للفنان: غطفان غنوم .



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

ثلج

كان نهارا أبيض مضيئا، ومن قال إن الشمس وحدها تضيء أيامنا، وكنت مرهقا قليلا رغم جمال البياض وارتياحه.. تعاملت كما لو أن الكساء العرائسي ذاك لا يرى إلا مرة واحدة في حياة المرء، مسقطا في عجالة سوريتي على المشهد الأوروبي الهادئ. داعبت ذرات الماء الطرية فوحدتها على شكل كرات ورميتها مع كثير من الذكريات على […]

اعرض المزيد

حاشية على متن ثدييك

  حين تلقيتُ تلسكوبي الأول – والأخير- كهدية، صوّبته نحو الأرض. فتسلل قطيع من الديناصورات إلى علبة السكر في المطبخ، وكان تأمل ثدييك أكثر إثارة من قراءة مجلد كامل لفتجنشتاين، وأصعب. حين يراهما، يمزق الرسام لوحاته: لو عرفتُهما من قبل ما رسمتُ غيرهما. حين يراهما، يعثر الأركيولوجي على طريقه وسط أحقابه الجيولوجية. حين يراهما، يلمس […]

اعرض المزيد

سكة

علي ألا أعتاد الأماكن ولا الشوارع ، لأني خلقت وبفمي ملعقة من لجوء، ملعقة صدئة اختارت لي مخيمي الأول وكتبت علي أن أكون بنت بطوطة بقية العمر.. الشوارع لعنة رافقتني منذ شارع لوبية حتى ساحات برلين، لئيم هذا الأسفلت الذي يبني علاقة مع أقدام روحي في كلّ مرة أمشيه غريباً ، العلاقة التي تبنى مع […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories