ذاكرة حدث

وهم

دكتووووووور …… دكتووووووور….

دكتووووووووور ..

كان الصوت أعلى من صوت الرصاص الذي سبقه بأجزاءٍ من الثانية، عشرات المرات سمعت أحدهم ينادي شخصاً ما بلقب دكتور، لكن لم أشعر يوماً  بأنّ لهذا اللقب علاقة أو أدنى صلة بالموت، مع علمي المسبق بأنّ أغلب الناس تموت أمام أعين الأطباء.

لا أستطيع تمييز الأصوات المختلفة حولي، صوت واحد فقط كان واضح في رأسي

“عبد مات…..قتلوه…”
ولكن!!

من هو المقصود!

من هو عبد الذي مات ومن هم الذين قتلوه؟

أنا لم أشعر بأي شيء قد اخترق جسدي ومع ذلك أظن، أنّ هناك شخص ما قد ذكر اسمي

هل يعقل أن أموت وأنا أرتدي ملابس بالية! و بهذا الشكل، وعلى باب منزلي و دون أيّ تحضير مسبق!

أذكر أننا اتفقنا أنا وهو بأن يكون لقائنا في الطابق الخامس في غرفة نومي على سريري الواسع، فلماذا غير مكان الموعد بهذا الطريقة الدنيئة!

والغريب أيضاً أن يأتي ليلا وقد أخبرته مسبقاً أني أخشى العتمة حد البكاء…

لماذا يحاول إذلالي بموتي باكياً، أ لهذا الحد يكون الموت غادراً وبلا عهود أم أنّ هناك خطأ ما قد حدث؟

لم أستمر كثير بالتفكير -أنا الميت-  صوتٌ ما قطع سلسلة أفكاري، حاولت جاهداً التركيز على مصدر الصوت، كان أحدهم يصرخ:

“خدوه علمستشفى بسرعة لك عم ينشف دمو، لا توقفوا بسرعه حملوه”

السؤال الذي راودني في تلك اللحظة، ما قيمة المشفى والدم وكل هذا الكلام؟!

وما لزومه!
الميت لا يحتاج إلى كل هذا، الميت يحتاج فقط إلى تابوت وقبر! هنالك خطأ في مكانٍ ما  لا أستطيع اكتشافه، و لماذا كل الذين يحيطون بي لا يسمعون كلامي، هل صوتي خافت أم أن الصمم قد أصابهم، وربما أنني لم أتكلم أصلا!

“حشو”

لمحض الصدفة، كان هناك طبيبان يسهران في منزلي لحظة إطلاق النار، وبسبب هذا كان الصوت يصرخ منادياً أحدهما أو كلاهما، ولكن هل كان هذا جزء من ركاكة السيناريو أم أنه محض مصادفة ؟

أربع رصاصات؟

لا، تلاتة، تنتين بالايد وواحدة بالصدر.

لا أربعة….

كان من المستحيل عليّ التعرف على المتحدثين، كان رأسي ملتصقاً الى الخلف بطريقة غريبة، ولكنني متاكد أنّ هذا الحوار دار بالقرب مني و ربما كان فقط يدور في رأسي.

“عندما كنت حياً، أذكر أنّي سمعت صوت أربع أو خمس رصاصات، لكن الآن..صدقاً أنا لا أذكر الرقم”

“حشو” 

سمعت أحدهم ذات يوم يقول: الموت لا يوجع الموتى، هو يوجع الأحياء فقط، و للحقيقة كنت أشك بكلامه، الآن أنا على قناعة تامة بصدق هذا الكلام
فها أنا قد متّ ولم أشعر بأيّ ألمٍ،على العكس أشعر بروحي خفيفة جداً

 ولكن!!

هل صليت صلاة العشاء؟

لا أذكر ولا أعتقد أن ذلك كان مهماً، لأسباب يعلمها الله وحده، ما يفقدني صوابي الآن هو إدراكي لأغلب ما يدور حولي، كيف أشعر بوجودهم وأنا ميت!

إذاً فالكلام الذي يقال أن الميت لحظة موته يشعر بكل ما يحيط به كان حقيقي، لقد متت إذن، أمرٌ مضحكٌ جداً أن أموت قبل أن أكتب وصية، و المضحك أكثر أنني متّ على باب منزلي وغدراً ..  ما هذا ..؟؟؟
كان لديّ الكثير لأقوله، على الأقل كنت سأكتب لو علمت بموتي القادم قصيدةً أرثو بها نفسي، لأوفر عبء هذا الرثاء المجاني عن الغرباء

ولكن…
لحظةً من فضلكم!!

كأنّي لم أمت بعد، هل يحتاج الميت كلّ هذا الكم من الإبر؟

لعلهم يحاولون عبثاً إنعاشي… لا يهم، كل هذا الآن، لا يهم
سماءُ بيضاء مع بعض الدخان، وسرابُ لا شكل له، لا روائح تذكر ولا أشخاص

ذكريات تزدحم في المكان، أستطيع بدقة تمييز نبرة صوت فراس، ضحكة أحمد، جلجلة إياس

يا إلهي ..سأراهم قريباً..

أيها الطبيب ماذا تفعل؟ لماذا تدخل مبضع في قلب ميت، لا تشوه جثتي أرجوك، ادفنوني كما أنا، لا قيمة  للتشريح لتعرف هيئة القاتل، فهم كثر في واحد ولم يبق من أهميةٍ للتفريق بينهم.
نوم عميق يخترقه صوت أمي:

“الله يحميك”

خالتي.. خالي.. عشرات الناس يحيطون بي في سريري:

“ما على قلبك شر” قالوا كلهم بتناوبٍ غريب، ليلتبس عليّ الأمر..

ما زلت حيّاً إذاً

“حشو”

ستحيا ميتةً أخرى، فعدّل في وصيتك أخيرة

قد تأجل موعد الإعدام ثانيةً

سألت: إلى متى؟

قال: انتظر لتموت أكثر

“درويش”

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × أربعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى