رعب متكرر

شارك القصة

لا28.09.2017
تقرر في عائلتنا بعد أن أرهقها طول الغربة أنه علينا جميعا العودة إلى سوريا، لملمنا بسرعة ما خف من متاعنا وتوجهنا إلى المطار،وبعد برهة وجيزة أعلن الطيار وصولنا بالسلامة إلى مطار دمشق الدولي قائلا:
أهلا بكم في دمشق في هذه اللحظة توقفت عجلة دماغي عن الدوران أو بالتحديد القسم المسؤول عن المشاعر والأحاسيس فيه، وبشكل مخالف لتوقعاتي بقيت جامدا في مكاني كمن ينتظر حكما ما.
وبالفعل حين وصلنا إلى أرض الشام لم يكن هناك شيء قد تغير، كل شيء مثلما كنت قد تركته قبل ثلاث سنوات تقريبا، استقلينا سيارة وذهبنا إلى منزل ما في منطقة ما من أحياء دمشق لم أحددها تماما
دخلت المنزل، تفحصت أركانه بناظري و كأني أراه لأول مرة
في الحقيقة إنها بالفعل أول مرة، لم اكن أعرف هذا المنزل قبلا، ربما كان لأحد أقاربنا وأنا نسيته أو أنه منزل مستأجر حديثا
كان منزلا عاديا جدا جدرانه بيضاء مائلة إلى الصفرة، خزائن كثيرة منتشرة في صالته وجميعها مليئة بالزجاج والخزف التي تهوى نساء دمشق جمعه، تتوسطه طاولة زجاجية سوداء وضع فوقها قصدا شمعدان أسود كبير
النوافذ والأبواب كانت جميعها موصدة، لونها كمثل لون الجدران
فجأة أظلم المكان، أدركت حينها أن التيار الكهربائي قد قطع وتلك عادة كنا قد ألفناها في دمشق ونسيناها في بلاد اللجوء
البيت الأن معتم إلا في بعض البقع التي تحاول الشمس التسرب إليها من بعض ثقوب النافذة والباب، سيطرت علي فجأة فكرة أن الأمن قد يقومون بجولة تفتيشية على منازل الحي المغلقة منها والمسكونة، أظن أن الأغلبية مغلقة (قلت في نفسي)
بالكاد أستطيع تمييز الصوت في الخارج، ذهبت إلى الغرفة الداخلية حيث كان أبي لكي أخبره عن ما يجول بخاطري أو ربما لأحذره لأن حدسي في هذه الأمور غالبا لا يخطأ
دخلت، فوجدته نائما متوسدا ذراعه وإلى جانبه أخي الأوسط، لم أرد أن أقلق راحته فأقفلت خارجا مغلقا ورائي الباب على مهل ماشيا باتجاه الباب الخارجي، و قبل وصولي إلى مقابل الباب سمعت صوت همهمة في الحارة أتبعه صوت طرقة قوية انفتح الباب على إثرها وكان أول الداخلين شعاع الشمس الذي افترش بسرعة صدر الحائط المقابل للباب وثاني الداخلين كان عقب سيجارة مشتعل سرعان ما خمد على بلاط الصالة
وصلت إلى قبالة الباب وإذ بمجموعة من الفتيات بلباس موحد هو زي العمال وقصة شعر عسكرية موحدة لاتكاد تميز الواحدة منهم عن الأخرى تتوسطهم فتاة طويلة بعض الشيء لم أستطع في البداية تمييز ملامحها بسبب الشعاع الشمسي
اقتربت مني بسرعة وقدا بدا عليها الاستغراب من وجودي هنا وقربت وجهها من وجهي كانت مختلفة عن الأخريات كان شعرها أشقر مموجا وقد ارتدت زي مضيفات الطيران مع وشاح أحمر أما وجهها كان نحيلا كأنما نحت نحتا مع أنف صغير وعينين زرقاوين غائرتين قليلا في محاجرهما
قالت لي لاتخف يا حبيبي كل شيء على مايرام و أمسكت يدي بيدها الصغيرتين التي كانتا باردتين جدا وتابعت كلامها:
(لم نكن نعلم أن المنزل قد سكن لو كنا نعلم لما كسرنا الباب، دلني من فضلك على باقي غرف المنزل)
أخذتها مباشرة إلى الغرفة التي ينام فيها أبي وأخي، أيقظَتهم
طلبَت منا جميعا أوراق الهوية والهواتف النقالة، تفحصت الهويات بتمعن وقالت:
جيد، لا نحتاج أي شيء آخر منكم، الهويات ستكون كافية ثم تكلمت قليلا مع أخي بكلام لم أسمعه وطلبت منا الذهاب بعد قليل إلى الساحة المقابلة للبيت لاستلام الهويات والهواتف، انتظرنا قليلا بعد خروجهم ثم ذهبنا إلى حيث الساحة وهناك وجدنا جمع غفير من الناس نساء ورجال شبان شيوخ وأطفال أيضا يتوسطهم رجل طويل كث الشارب حليق الذقن مشوي الوجه من فرط الشمس، يرتدي زيا عسكريا بيده ميكروفون ينادي به على الأسماء مرفقة بأرقام، سمعته ينادي على أحدهم، ثم قال له:
خمس سبعون من خمسة وسبعون، مبروك
عرفت بعد ذلك أنه ينادي على الاسم ويعطيه درجة ولاءه للقائد الرمز، بعد قليل نظر إلي وأبي وأخي وقال لنا أنتم علامتكم  خمسون وأعطاني هاتفي.
أردت أن أسأله لماذا علامتنا من خمسين، فسبقني إلى ذلك نداء الاستراحة
انفض الناس من الساحة فبانت هناك أبنية سوداء وقد رسم على جدرانها أعلام الجيش والحزب وصورة القائد ثم تعالت من خلف تلك الجدران أصوات صراخ ونحيب من فرط التعذيب، في هذه اللحظة بدأ قلبي يخفق بشدة وتراءت لي صور أصدقائي المعتقلين، حاولت فتح الهاتف علّي أحذف بعض الصور أو المحادثات لكن عبثا أحاول، كل شيء في هاتفي يرفض الحذف
بدأ الخوف ينتشر في بدني انتشار النار في الهشيم وبدأت أحس أن أقدامي لا تقوى على حملي، جلست مستندا إلى جدار أقلب طرفي في السماء علّي أجد مخرجا وقلت:
يارب لا أريد أن أموت هنا، أريد ميتة هادئة على فراش وثير بلا ألم وبلا دماء، ليتني لم أعد إلى هذا الجحيم ليتني بقيت في منفاي
فجأة تلاشت السماء من ناظري وتراءى لي سقف غرفتي الألمانية، عدلت جلستي تحسست جسدي، نظرت حولي
مسحت العرق أو الدمع المتسرب على وجهي
إنها فعلا غرفتي وأنا ما زلت على سريري
حمدت الله أنه مجرد كابوس و نهضت من فراشي من جديد


شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

وداعاً يا صديقي

صحيح أنّ لي عينين بنيتين، وشعراً لم يشب إلى هذه الساعة، صحيح أنني أملك ثلاثين سنة في حقيبتي، وصحيح أيضاً أن في يدي مدخلاً لعالم واسع من الفن، لكن الأهم من ذلك كلّه أنّ ثلث ذاكرتي هي عن الحرب. أتجوّل كإنسان عادي في المنفى، لا أحد يعلم عني وعن خارطة بلدي. يتيم الهويّة، بائس، لم […]

اعرض المزيد

يارا عيسى
يسردها يارا عيسى

نوافذ شوق

حمامةٌ وغرابٌ وبضعة عصافير… تقف كل يومٍ على نافذة غرفتي المطلّة على الحديقة، لتلتهم ما أنثره كل يوم خارج الشباك، فأسألها: هل من مزيد؟ الطيور الأليفة هنا تنقل ذاكرتي إلى الجامع الأمويّ في “دمشق”، هناك حيث كان يجول الحمام بين الأقدام وعلى الأكتاف، ويلتقط الحبّ من أكفّ الصغار والكبار الممدودة إليه.. هل يا تُرى ما […]

اعرض المزيد

ماجد مرشد
يسردها ماجد مرشد

عندما احتفلوا بمصيبتنا..

لم تغب عن مخيّلتي تلك الضحكات وملامح الفرح والبهجة، إنه يوم عيدهم، يوم انتصر حقدهم علينا، و على الضفة الأخرى من ذلك المشهد، بكاء وفراق، رجال يودّعون أطفالهم وعائلاتهم، وآخرون يودّعون أرضهم ببضع سجدات، إنها صلاة الوداع، حين تلامسها جباههم لآخر مرة. في ساعات فجر ذلك اليوم، قبل عام كامل، لم تكن كغيرها من الساعات، […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories