أولاد الكلب

شارك القصة

أولاد الكلب

كان خائفاً عندما دخل إليَّ في عيادتي البيطرية, هي لم تكن عيادةً بكل ما تعنيه الكلمة , كانت  غرفةُ متوارية بين الأنقاض, أو إن صح التعبير كانت مسنودةً بالأنقاض التي لم تعد صالحة للقصف, حاولتُ أن أجعل من هذه الغرفة عيادةً  بيطرية لمساعدة الحيوانات المتضررة من القصف الذي اشتد في أواخر عام 2017 من قبل قوات سورية الديمقراطية وقوات النظام وقوى التحالف الدولي على قرية السوسة في ريف دير الزور.

دخل “أبو البراء” مذعوراً وهو يحمل هرةً تحتضر بين يديه, شعرت بالخوف لحظتها, فقد كان يرتدي زيَّ تنظيم داعش حاملاً سلاحه الآلي , كان أول ما قفز إلى رأسي أنه سيتلو عليَّ فتوى تحريم الاعتناء بالحيوانات, لكنه كان خائفاً مثل طفلٍ صغير وهو يخبرني بأن هرته تحتضر, لم أستطع أن أميز القلق إلا في صوته, فقد كان وجهه مختبئاً خلف لثامه الأسود, استغرقتُ برهةً حتى استوعبت الموقف, لم أنبس ببنت شفة, لكنني عجلت في أخذ الهرة من يده وأنا أبدي اهتماماً مبالغاً بطلبه بسبب خوفي من التنظيم بطبيعة الحال.                   

                           بدأت أتفحص الهرة فوجدت علامات  الاسهال عليها وأنها لا تستجيب لإشارات يدي وتصفيقاتي

من الواضح أنها متسممة , قلت له

أنزَلَ اللثام عن وجهه , كان شاباً صغيراً في السابعة عشرة من العمر, ووجهه أبيضاً محمّراً من وهج الشمس, عيناه خضراوتان كبيرتان بجاذبيةٍ واضحة ولديه شفتان مكتنزتان كشفاه الصبايا الصغيرات, مطلقاً لحية شقراء خفيفة لمّا تكتمل بعد, كان جميلاً وساحراً كحالةِ إنعاشٍ ضمن كل هذا الخراب , جلس على الكرسي وكأنه سيبكي

لن تنجو ؟!  سألني بقلق

أومأتُ بأسف وأخبرته عن النقص في العلاجات المناسبة للحيوانات وأنني سأحاول إعطاءها جرعةً من المضادات البشرية الحيوية علها تنفع .. نهض عن الكرسي وأعاد اللثام وهز برأسه يائساً

  • علي أن أذهب الآن, سأعود في الغد .. قال لي وسار بضع خطواتٍ نحو الباب وأنا لا زلت حائراً ومرتاحاً في آن .. التفتَ إلي قبل خروجه ثم أردف
  • من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً .. أرجوك افعل ما تستطيع

أغلق الباب وقد خلفني وراءه مرتبكاً ومستغرباً  وكأنني في حلم يقظة, كيف له أن يقول وأن يفعل ما فعل ومنذ ثلاثة أيامٍ فقط قام التنظيم بذبح ثلاثةٍ من الأكراد المنتمين لقوات سوريا الديمقراطية واثنين من جنود النظام بكلِ دمٍ بارد, كيف اجتمعت كل هذه الرحمة والقلق على حيوانٍ صغير بينما استحالت حقداً وعماءً اتجاه من هم من أبناء جنسنا, ما هذه القوة السحرية التي تمتلكها الأيديولوجيات لكي تُظهر قطيع الوحوش المتربص في أعماقنا وكأنها نابعةُ من ضميرنا الحق والصرف. في اليوم التالي ترددت وأنا أسأله عن سبب انضمامه للتنظيم , كانت الهرة قد استعادت بعضاً من حيويتها مما جعله أكثر انشراحاً في الحديث وراح يخبرني عن دولة الخلافة ومنهج النبوة الذي يجب أن يعود لكي تسود كلمة الله على العالمين وأنه جنديٌ من جنود الخلافة وهنيئاً لمن أنار قلبه وجسده فداءً لشريعة الله في أرضه, بقيت متردداً في خوض هذا الحديث معه فمن الممكن لأي زلة لسان أن تُلصِق بي تهمة الردة وأصبح ممن يريدون أن يطفئوا نور الله فينطفئ نوري أمام الساحة العامة ورأسي مقلوباً تحت السكين وهو يراقب  جموعاً تتحلق حوله قبل الذبح, لذلك اكتفيت بجملة “بارك الله بك” .

***

ليس بعيداً عن قرية السوسة, كانت الميليشيات التابعة لقوات النظام قد سيطرت على قلعة الرحبة في مدينة الميادين وأنشأت العديد من المتاريس والثكنات لمواجهة الهجمات المتوالية لتنظيم داعش عليها, كان ذلك في أواخر شهر كانون الأول عندما قدم رواد” وهو شاب في مقتبل العشرينات إلى أحد هذه الثكنات وهو من الجنود المتخلفين عن الخدمة والذين تم سوقهم من مدينة دمشق ومن ثم فرزهم إلى جبهات القتال في دير الزور, وقف بين يدي الضابط الأربعينِّي قلقاً وخائفاً, راح الضابط يتأمله بعينين حادتين وهو يدخن و يطلب منه بحسب الجملة العسكرية المتواترة وبلكنة ساحلية قاسية

  • اعتز بنفسك يا حيوان

حاولَ رواد لملمة نفسه شاداً جسده هو يقوم بضرب التحية بينما الضابط راح يسأله عن مواليده مستغرباً أنه في الخامسة والعشرين, فقد كان رواد نحيف البنية متوسط الطول وأجرد الذقن وطفولي الملامح كأنه هاربٌ من أحدى المدارس الإعدادية , وقد جعل منه الضابط سخريته وهو يسب على المسؤولين الذين لا يرسلون إليه إلا “الكساس” بحسب نعته لرواد الذي راح يتوسل الضابط بأن لا يرسله إلى جبهة القتال ضد داعش ويخبره عن إمكانية بقاءه كمراسل له في المكتب مقابل مبلغ مالي محترم يستطيع والده أن يدفعه شهرياً وهو ما أعجَب الضابط الذي لم يرفض طلبه .

قبل أن يساق رواد إلى الجيش بيومين , كانت حبيبته تنتظره أمام باب جامعة دمشق وهي تحمل معها بشرى نجاحه في امتحان الماجستير الذي سيمنحه فرصةً أخرى لتأجيل الخدمة العسكرية لمدة سنتين على الأقل ولكن سوء طالعه في ذلك اليوم جعله يقع في مصيدة الحواجز “الطيارة” التي تظهر كالقضاء والقدر في شوارع دمشق فكان أن تم تفييش هويته وسوقه إلى أحد الأفرع الأمنية التي أرسلته بدورها إلى إحدى قطع الجيش حيث أقام دورة مكثفة لمدة شهرين متدرباً على كافة أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة , ومن ثم تم إرساله إلى جبهة دير الزور كجنديٍّ قادرٍ على الموت فداءً لقائد المسيرة والمصائر .

****

كان المساء قد حل …! هدوءٌ بين ساعات القصف يضفي على المكان سكينة ما بعد الخراب , ولا يخلو الأمرُ من أصوات طلقاتٍ متفرقة من جهات الأرض الأربع, كنت منكباً على تضميد جرح  إحدى العنزات من ضحايا هذا الجنون الذي لا يريد أن ينتهي , كثيرةُ هي الأسباب التي جعلتني لا أهجر قرية السوسة التي هجرها كل سكانها وأهمها أنني قد وصلت إلى الستين من العمر وليس لدي زوجة ولا أولاد لأخاف عليهم, ولم يعد لدي ما أحلم في تحقيقه بعد الآن, وإن كان للموت أن يأتي فيمحو أثري من دون حتى أن تدوَّن لي شاهدة قبر فليكن , ما أجمل أن تموت بلا ذكرٍ في تاريخٍ متعفن تعيشه الآن هذه البلاد القاسية, وما الفائدة في أن يُكتب على شاهدة قبري أنه مات في سنة كذا إثر لغمٍ أو صاروخٍ أو برميل لا فرق, المهم عندي أن لا أذبح كالشاة التي تجلس الآن أمامي, هذا ماكنت أشرد به دائماً ولكن في داخلي كان لا زال هنالك أملٌ بأنني سوف أخرج من هنا يوماً ما

يضحك البيطري مع نفسه بعد الخاطر الأخير وينظر إلى عنزته ويصدر صوت ثغاء

  • أخرج من هنا ؟! ماااااع

صوت ضرباتٍ قوية على الباب تجعله يقفز من مكانه مرتبكاً, يسرع نحو الباب, إنه أبو البراء متلثماً كعادته وهو يحمل بارودته لكنه يبدو منحني القامة مكسوراً, استغرب البيطري من تواجد أبو البراء في هذا الوقت وقد بدا عليه قلقاً واضحاً وهو يسأله

  • خير ؟

يرفع أبو البراء لثامه بينما تبدو عيناه الجميلتان مغرورقتان بالدموع وعلى وجهه ملامحَ طفل خائفٍ يستنجد بأي شيء, ارتمى أبو البراء على صدر البيطري وراح يبكي بحرقةٍ وصوتٍ لا يعرف الكتمان .

قبل ساعات من قدومِ أبو البراء إلى البيطري دخل إلى غرفته أحد أمراء داعش وثلاثةُ من الشيوخ المدججين بالسلاح, الجميع كانوا وكأنهم قادمون من عصرٍ سحيق ومظلم لا يشبه أياً من العصور, بثيابهم الباكستانية وذقونهم المتدلية كربلة الخروف وملامحهم القاسية , ابتسم أبو البراء محيياً الأمير الذي فاجأه مطالباً إياه بخلع ملابسه , ولكن أبو البراء لم يفهم مغزى الطلب, والأمير لم يتردد وهو يقول له بصريح العبارة

  • إننا في حالة حرب مع أعداء الله, ونكاحنا لك حق .. وهو واجبٌ شرعي منك ستثاب عليه بإذن الله

وعندما طال جدال أبو البراء بأنه لا يمكن له أن يقوم بفعل ذلك, وأنه حين يطأ الرجل رجلاً آخر فهي من أكبر الكبائر عند الله, راحوا يخبرونه عن الصحابة الذين مارسوا هذا اللواط في الحروب, وهي أشبه بالتيمم إن بطل الماء, فصار يصيح بهم أن هذا الكلام لا يليق بالصحابة وهو عارٍ عن الصحة .. نظر الأمير والشيوخ الثلاثة إلى بعضهم نظرة من أعياهم عناده ثم انقضوا على أبو البراء الذي صار يصيح ويدافعهم بقوة, إلا أنهم انهالوا عليه ضرباً حتى سقط أرضاً بين صاحٍ وغائب عن الوعي, ثم  بدأوا بشق ثيابه حتى بانت ملامح جسده الجميل, كان جسده أبيضاً محمراً يزيد من رغبتهم وهم يطلقون النكات فوقه بأنه أجمل من النساء, ثم ما لبثوا أن ثبتوه من يديه وقدميه وهو يحاول أن يقاوم بما تبقى له من جهد, قام الأمير بتقبيل مؤخرته وعضها بشهوانية ثم ما لبث أن ارتمى بجثته الكبيرة فوق جسده طالباً من الجميع أن يفلتوه, بينما أبو البراء خائر القوى غير قادر على التنفس إلى أن شعر بمؤخرته وقد اخترقها قضيب الأمير الذي كان قد تناول حبوب الفياجرا, مما جعله قاسياً وشهوانياً محاولاً تقبيل وجه الشاب الصغير الذي لم يتوقف عن رجاءهم وتذكيرهم بعاقبة الأمر ولكن بعد مرور نصف ساعة صار أبو البراء غير قادرٍ على تحريك يده أو النطق بكلمة واحدة, لقد تحول إلى جثةٍ صامتة مفتوحة العينين, يسمع صوت الهمهمات الشبقة فوق جسده وهو مستسلماً بلا حراك إلى أن انتهى الجميع من اغتصابه بينما الدماء تنساب منه تاركةً أثراً متخثراً على مؤخرته وفخذيه.

 تُرك وحيداً يئن متألماً بأصواتِ جميع النساء العذراواتِ اللواتي اغتصبن على مر التاريخ , ثم بكى كطفل.

****

تفاجأ “رواد” بعد أسبوعٍ من وصوله للثكنة العسكرية بأمر نقله إلى جبهة قتالية مع تنظيم الدولة عند أطراف قرية “كباجب” وهي الخط الأساسي الذي تقوم من خلاله داعش بتنفيذ أغلب عملياتها ضد ميليشيات النظام المتوزعة هناك, وعندما أخبر “رواد” الملازم بأنه يعمل مراسل ضمن مكتب العقيد وأن المهام القتالية ليست ضمن اختصاصه, أخبره الملازم أن نقله جاء بتقرير خطي من العقيد نفسه, صمت رواد” برهةً وهو يكتم غضبه فقد بات يعلم أن العقيد يريد أن يتخلص منه بأسهل الطرق, مع أنه أقسم للعقيد بأن الأمر الذي وقع بينهما لن يتجاوزهم وأنه سيكتم السر, حاول يائساً أن يتواصل مع العقيد ليؤكد له أن ما حصل سوف يبقى طي الكتمان لكن العقيد رفض مقابلته, فقبلَ يومين من قرار النقل كان “رواد” مستمتعاً وهو يأخذ حماماً ساخناً في مكتب العقيد الذي اقتحمَ عليه حمامه فجأة , فارتبك “رواد” وهو يخبئ عانته بيديه والماء قد بلل جسده النحيف, بينما ضحك العقيد وهو يخطو نحوه ساخراً

  • خايفة على حالك يا بطة ؟

كان “رواد” يرتجف من البرد والقلق وبدأ يخبر العقيد أنه لم يكن يعلم بتواجده في المكتب وأنه سيخرج حالاً, لكن العقيد راح يتأمله بابتسامة باردة وهو يأمره بأن يبعد يديه عن عانته, وأمام تردد رواد في أن يبعد يديه صاح به العقيد بعنف

  • شيل إديك ولا حيوان

أبعد رواد يديه وقد بدا عليه ارتجافاً وخوفاً شديد, بينما عيناه مرخيتان للأسفل بحالة انكسار واضح, ثم راح العقيد يتأمل عضوه وهو يضحك ويطلق عليه تشبيهات ساخرة بسبب صغر حجمه و ما لبث أن طلب منه أن يستدير ليرى مؤخرته, لكن رواد راح يرجوه بأن هذه الأمور تصيبه بالخجل فما كان من العقيد إلا أن صفعه بشدة مما جعل رواد يستدير بقلق بينما العقيد يقوم بمراقبة مؤخرته التي امتزج بها عرق الخوف مع الماء

  • علي الطلاق إنك بتاكلو يا ولد … ليش هيك ناتفا متل النسوان يا حيوان ؟

التفت رواد بضحكة متوترة وخائفة وهو يخبر العقيد بأنه أجرد وأن الشعر لا ينمو على جسده وأن هذا أمرٌ وراثي في العائلة, ولكن العقيد راح يرمي عليه كل السباب والشتائم التي  ستبرر له  ما سيفعله لاحقاً, وهو يؤكد ل “رواد” أن مؤخرته تشي به وأنه يعلم أن هناك عساكراً قد ضاجعوه في المهاجع وأن هذه الأسرار لا يمكن لها أن تبقى مختبئة, ولم تنفع كل أنواع القسم التي مارسها رواد” في أن ترد هذه التهم المفتعلة عنه, فقد كان لا بد للعقيد من تجريمه كي يبرر اغتصابه وهذا ما لم يتأخر عنه عندما أخرج عضوه وطلب من رواد أن يلعقه تحت تهديد السلاح, بينما صار رواد أكثر تذللاً وهو يرجوه بأن لا يفعل فما كان من العقيد إلا أن لقم مسدسه وصاح به

  • حقك عندي رصاصة وحدة ولا كلب

ثم أشار إليه بعينين متنمرتين بأن يفعل ما أُمر به

كان الخوف قد سيطر على رواد وهو ينحني مواجهاً قضيب العقيد وعيناه تدمعان بغزارة على غير استدراك, ثم ما لبث أن اقترب وراح يلعق القضيب وهو يغص بين الفينة والأخرى ثم انتابه شعورٌ بفقدان الاحساس وراح يلعق القضيب بحالة من المبالغة الشديدة وكأن الأمر كان برغبة خالصة منه بينما دموعه  لم تتوقفان عن الجريان وحتى ساعات الفجر الأولى مارس  العقيد اغتصابه أربعة مرات.

****

كان ياما كان في قديم الزمان وسالف والعصر والأوان, ثم أضعنا البلاد, أفلا تنامين الآن أيتها الهرة.

 كان البيطري يمسِّد على فرو قطة أبو البراء ويكلمها بكل ما ينتابه من رغبةٍ في الكلام فلا أحد هنا غيرها ليسمعه, تموء الهرة بصوتٍ حزين يتأملها البيطري بابتسامةٍ ودودة

  • لن يعود أبو البراء, لن يعود هذا الفتى الجميل ليأخذك معه .. أخبروه اليوم أن يتهيأ لحمام عرسه فهنالك العديد من الحوريات الحسان في انتظاره .. أقول لك .. !  دعيني أقص عليك قصة الحوريات تلك

تموء الهرة بانزعاج  وتقفز عن الطاولة متجهةً نحو البابِ وهي تخربش بأظافرها وتنظر نحو البيطري ليفتح لها , بينما يظهر في صوته غصةً واضحة وهو يكرر

  • لن يعود

*******

 كان رواد يقف بصلابةٍ مرتدياً حزاماً ناسفاً, وعيناه تنظران باتجاه العربة المصفحة التي يقودها أبو البراء والمتقدمة من طريق “كباجب” أحدى قرى الدير التي تفصل قوات داعش عن قوات النظام السوري , بينما ينهال وابلٌ من الرصاص على السيارة المصفحة التي تسير مسرعة والعساكر في حالة إطلاق نارٍ وتراجع مستمر, بينما يصرخ أحد الجنود ب “رواد”

  • لك ارجاع … المصفحة ما بتتوقف 

يلتفت رواد باتجاه الجندي وهو يفتح عن صدره ليريه الحزام الناسف وهو يقول بإصرار واضح

  • امبلا بتتوقف

ثم ما يلبث أن يركض باتجاه المصفحة وهو يصيح بصوتٍ عالٍ وعيناه مليئتان بالدموع

متذكراً صورته وهو يقوم بلعق قضيب الضابط ولحظات الاغتصاب المؤلمة والطويلة وكأنها الشيء الوحيد والأخير الذي استقر في خياله .

كانت المسافة بين “رواد” وأبو البراء” لا تتجاوز العشرين ثانية لكنها بدت أطول مما هي عليه, وأبو البراء الذي يراقب المكان من ثقبٍ صغير في واجهة المصفحة كان يصرخ هو الآخر , وصراخه يرتد ضمن المصفحة المعزولة بشكل جيد, فيذكره ذلك الصراخ بلحظات الاغتصاب القاسية التي لم يملك فيها أن يدفع الأذى عن نفسه, كان شريط تلك اللحظة يتكثف بشكل متسارع وكأنه دورة اسطوانة سينمائية لا تتوقف عن الدوران, بينما يراقب  “رواد” من ثقب المصفحة وهو يتقدم نحوه حتى بدا قريباً له واستوضح معالمه الغاضبة ووجهه المليء بالدموع, فيدعس على المكابح لتتوقف المصفحة بشكل مباغت, بينما يتوقف “رواد” بدوره وهو يلهث بشدة  واضعاً إبهامه على “زر” التفجير ولا زالت الصور تتردد في رأس “رواد” إلى أن ينفجر بصوت غاضب وصراخٍ يشق الفضاء مترافقاً مع صراخٍ مماثل  لأبو البراء

  • يا ولاد الكلب

لحظة من الصمت بينهما وكأنهما أدركا أن الجملة انطلقت منهما سويةً ثم ما يلبثا أن يكرراها وكأنما يفرغان ما بداخلهما , كانت تخرج منهما وهما يشعران براحةٍ غريبة,  ما أبسط هذا التعبير ” يا ولاد الكلب”, كان صوتاً انتقامياً يخرج من أعماقهما فيفجر  غمامةً تمطر على روحيهما فيهدآن

تمر لحظة طويلة من الصمت بينهما  أو هكذا بدت لهم

يلتفت رواد إلى الخلف حيث المعسكر والثكنات, ينظر نحوهما بحقدٍ واصرارٍ واضحين ثم يطلق صيحته “يا ولاد الكلب” ويركض مسرعاً بالاتجاه المعاكس

أبو البراء يدير مصفحته ويسير مسرعاً نحو الاتجاه الآخر.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

المعتقل13

الضوء، ضربٌ  من ضروب الخيال، لا وجود له إلا في ما تبقى من الذاكرة التي انهارت دفعة واحدة عند أول صعقة كهربائية، الهواء  طبيعي المصدر, وحي معد لنبي ولا نبي بيننا   الصوت مصحوبٌ بكلمات محددة منتقاة من القاموس بعناية، أغلبها كلمات تقطر دما أو صوت احتكاك الحديد بالحديد أو طقطقة العظام أو صرخات جنونية […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories