ذاكرة حدث

طلقتان في الخاصرة

لا يدري لماذا أتى بالبندقية الروسية الصنع إلى أمه العجوز، ودرّبها على استخدامها قبل مغادرته مع زوجته. العجوز التي كانت تستنجد بابن الجيران ليذبح الديك أو الدجاجة لتقري ضيوفها، كانت تخاف منظر الدم، وترتجف وهي ترى الديك المذبوح يفرفر متخبّطاً بدمائه.

– أمي، وصيَّتُكِ الصغار.. سنتغيّب ليلتين فقط.. البارودة نظيفة ومزوّدة بالمخزن المملوء، وملقّمة، ما عليك إلا رفع الأمان هكذا، والضغط على الزناد لتنطلق الرصاصة.. وإذا فرغ المخزن ننزعه من هنا، من هذا الظفر.. ونضع المخزن الآخر هكذا.. ونلقّم هكذا.. ونضغط على الزناد من جديد..

كان قلبه يحدّثه بخطر ما، يتوقعه في قريته الشبكي، المتاخمة للحماد الشرقيّ الشماليّ لمحافظة السويداء.. ولولا ضرورة سفره لألغى الموضوع وبقي معهم.. كان الهمّ مسرحاً لأفكاره.. «الشبكي مفتوحة على الحماد الشرقي- مستوطنة الدواعش الذين جمّعهم النظام من الحجر الأسود ومخيم اليرموك… وجيش النظام الذي كان يفصل بيننا وبينهم، انسحب باتجاه درعا… الله يجيب العواقب سليمة…» كان يحدّث نفسه.

أطفال أربعة، سيتركهم بعهدة أمه السبعينية، التي ما تزال تحافظ على بعض نشاطها وحيويتها. هم متعلّقون بها ويحبّونها، خاصة الرضيع ذا الأشهر الثمانية، وأخته ذات السنتين. أما البنت الكبرى ذات الأعوام الخمسة وأخوها ذو الأعوام السبعة، فشقاوتهما تطغى على محبتهما لها، ويشكاسانها أكثر الأحيان.

دخلت غرفة الأطفال، واطمأنّت على تغطيتهم، رغم الجوّ الصيفي الحار. نسائم الليل باردة حتى في الصيف:

– برد الصيف أحدّ من السيف.. كانت تتمتم بينها وبين نفسها.

الساعة قبيل العاشرة، والنعاس يداعب أجفانها، والكهرباء تنقطع بعد دقائق، لأربعة ساعات كاملة حسب التقنين، علّقت الفانوس الألمانيّ الخافت في الممر: «حتى لو استيقظ أحد الأطفال يريد دخول الحمام؟».

قرأت تمتماتها الدينية وآيات قرآنية، وحوّطت الأطفال بالدعاء، وهي تتوسّد وسادتها في الغرفة المجاورة لمدخل البيت، وتحلم بالصباح الصيفيّ المشرق.

عتمة الدغوش شديدة، والفانوس يبدو أن زيته انتهى: «لكن لماذا لم تعد الكهرباء بعد؟ لعلها عادت لساعتين وانقطعت مجدداً وأنا نائمة دون أن أشعر بها- تخاطب نفسها- ما الذي أيقظني في غسق الفجر؟».. لا تدري. تلمّست القدّاحة تحت وسادتها، أخذتها بيدها ودخلت غرفة الأولاد، أشعلتها، واطمأنت، كانوا يغطون في نومٍ هانئ، كلٌّ في سريره.

عادت أدراجها إلى غرفتها لمعاودة النوم. القمر النصفيّ بضوئه الباهت، جذبها إلى نافذة غرفتها المطلّة على مدخل الدار. سرحت ببصرها في حديقة البيت الكبيرة، التي تفصله عن الطريق، وتثاءبت.. خطف بصرها فجأةً شبحٌ لشخصين ملتحيين على الطريق، على بعد ثلاثين متراً، انعطفا يساراً ودخلا من مدخل الكرم باتجاه منزلها، إذاً هما يقصدان بيتها في هذا الليل.

«بالتأكيد لهما حاجة.. أو مقطوعان من الطعام والماء، حتى قصدا بيتنا المتطرّف عن بيوت الضيعة..» كانت تحدّث نفسها، ويغلب على تفكيرها أن مضافة زوجها الذي توفّاه الله منذ سنوات، ظلّت على مدار ثلاثين عاماً، منذ بنائها، مفتوحة الباب بوجه كل قاصدٍ أو عابر سبيل، ولا تذكر عدد المرات التي استيقظوا فيها باكراً ووجدوا ضيفاً نائماً فيها، حيث وصل وهم نيام، فدخل وشرب القهوة، وتناول غطاء من تحت طاولة المضافة، ونام.

لكن بعد سبع سنوات من الحرب والخراب في البلاد، لم يعد هناك شيء آمن، «إنهما مسلحان»، انتبهت فجأةً إلى بارودتيهما، فتذكّرت بارودة ابنها المعلّقة بجوارها على الجدار، وتحذير ابنها: «الحرامية كثيرون هذه الأيام.. وبيتنا بطرف الضيعة.. إنها للأمان يا أمي».

بيد مرتجفة تناولت البندقية من على الجدار، الشبحان يقتربان، «ماذا لو دخلا عنوةً وقتلا الصغار؟ أمي، وصيَّتُكِ الصغار..»، تذكّرت تحذير ابنها: «لن يمسّهم أحد بسوء إلا على جثّتي».

الملتحيان يصعدان الدرجات الخمسة، بيد أحدهما سكينٌ، لمع نصلها الفضيّ بضوء القمر. اندفعت إلى البهو باتجاه الباب الخارجي. رفعت أمان البارودة، مع نداء أحدهما: «أبو فيصل.. وين راحوا المعازيب؟».

– تفضّلوا يا خيّي… وهي تقترب من البوابة.

– نحن رعيان مقطوعين من الماء والحليب للصغار.. وقاصدين الله وقاصدينكم.

– يا حيالله ومرحبا فيكم.

اقتربت من البوابة وإصبعها على الزناد، رفعت الرتاج وتراجعت للخلف. لم تصلها طعنة السكين الموجهة إلى صدرها، لقد كانت رصاصة بندقيتها أسرع. تكوّم الملتحي على الباب، وانطلقت الرصاصة الثانية على رفيقه الذي قفز من فوقه إلى الداخل وأطلق النار.. استقرّت رصاصته في بطنها وسقطت للخلف.

لحظةً، تمالكت نفسها، وانتبهت لزعيق الأطفال حولها، كان الملتحي الثاني مكوّماً فوق زميله في العتبة. انتفضت من مكانها وصاحت بالأولاد «لا تخافوا يا تيتا.. تيتا “جمال” بتحميكم.. فوتوا على غرفتكم، وناموا تحت التخت».

كانت الهمهمات في الخارج تقترب. زحفت إلى نافذة غرفتها، رأت شبحين آخرين يقتربان من الدرج مسرعين. كسرت زجاج النافذة برأس البندقية وأطلقت باتجاههما، بادلاها إطلاق النار، وتساقط زجاج النافذة.. لم تتوقف عن الإطلاق. فرغ المخزن، تلمّست لسانه ونزعته، وركّبت المخزن الثاني. لقّمت وعاودت الإطلاق. ولمّا لم تسمع رصاصهم، نظرت للخارج، كان أحدهما يحمل الآخر ويهرب به عند بوابة الطريق، لا بدّ أنها أصابته.

أسرعت إلى غرفة الأطفال، كانوا تحت التخت، حتى الرضيعة سحبوها معهم، وصوت بكائها يعلو على أصوات الخارج. نظرت من نافذتهم إلى الجهة الخلفية، فرأت أشباحاً من بعيد تتجه نحوها، أطلقت النار باتجاههم، رصاصة، رصاصتين، ثلاثة.. هربوا باتجاه الضيعة.

عادت إلى نافذة المدخل، ترابط أمامها. الباب الرئيسي المفتوح، لا تستطيع أن تقفله، بسبب الجثتين المكومتين أمامه، وعجزها عن تحريكهما.

لحظات سكونٍ، أحست بسائل حارّ يسيل على فخذيها. تلمست بطنها، فتحنّت يدها بالدم، ضغطت على جرحها، واتّكئت على حافة النافذة تراقب الطريق، بانتظار عودة الوحوش، ويدها على الزناد. في البعيد، يغشى بصرها تحرّك أشباحٍ كثيرة، وأصوات تختلط ببكاء الرضيعة.

فتحت عيونها، ونظرت حولها.. «هل أنا في المنام، أحلم حلماً ثقيلاً؟ لكن هذه ليست غرفتي، ما هذه الأجهزة المعلقة فوق رأسي؟ ولماذا لا أستطيع تحريك يدي؟».. ابتسامة الممرضة الواقفة إلى جانبها استثارتها. حاولت النهوض فلم تستطع. كانت آلام بطنها وجسمها شديدة. صاحت بالممرضة بصوتٍ واهنٍ: أين الأولاد؟

– إنهم هنا لا تخافي يا جدتي.

فتحت الممرضة الباب، ودخل الصغار يصيحون: تيتة جمال.. تيتة جمال. أغمضت عينيها بهدوء وأغفت، وابتسامة سلام تحيط وجهها المتعب، دون أن تلمح ابنها يحمل الرضيعة ويدخل خلف الأولاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + 9 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى