جولة على دراجة مأمون العُذافرة

شارك القصة

في شهر آذار 2014، في مخيم اليرموك والمجاعة في إحدى ذُراها، وبحثاً عمّا يسد الرمق، طافت بي  دراجة أخي التي لها صفات ناقةِ طَرَفةَ بن العبد، فكانت هذه المشاهدات والتأملات.

ـ1ـ

ـ شعبك نصفان: لص أو متسول.

ـ إلا ما رحم ربي، وسعت رحمته كل شيء.

ـ لكن قلوب العباد ضاقت بها.

ـ2ـ

دع عنك لومي. طز في قضيتنا المركزية، المركز الوحيد الذي يدور حوله فكري هو جهازي الهضمي، وخصر جاريتي. لو أعانقه مرة واحدة على مقدمة “ليلة حب”! بعدها سأتزنر حزاما من بالونات الهليوم، وأفجر نفسي عند أقرب بائع رز. المرأة السوداء من الفحم تتسول نفثة من سيجارة. النفثة لن تسكت جوعها، ولن يكون لها مفعول الكوكائين على مايلز ديفيز: “أود لو أدفن رأسي في جبل من الكوكائين”، لكنها أفضل من هواء مسموم بالأكسجين. بم التعلل؟ اعتلِ ناقتك، وانطلق على غير هدى، سيحدث حتما أن تصادف الوجود، حينها أولج رمحك في استه. لا ناقة عندك؟ تعرَّ، وليشاهد العالم أجمع جسدك المهزول، فكسونا العظام جلدا. سر أمام الكَمِرات مزهوا بشعر عانتك. من روّجوا للمحرقة ليسوا بلا شرف، من احترقوا في أفران الغاز ليسوا لا أخلاق لهم. ما الجديد في أن تموت مجددا وأنت تموت اثنتي عشرة مرة في اليوم؟ كم سعر علبة السردين؟ أعطني باقة فجل إذن. تريد ثقبا دوديا؟ دونك الحاجز! سيوصلك أبعد من تخوم كَون Hubble. كل ما يحدث يحدث لسبب ما، يؤكد ليبنتز. أ”سبب ما” هنا تعني “غاية ما”؟ لا أعرف. يطيب له في جهنم أن يفكر بالجنة، تُعينه هذه الأبيقورية. سأدفن رأسي وأحلم: أخرج من زيارة مصنع مياه غازية معطل، تقفز إلي وتحتضنني طويلا غير عابئة بالمارة، أو مكترثة لدهشتي: أنت من حلمت به طيلة حياتي! إيحاء، اسمي إيحاء. خلدون، اسمي خلدون. أعرف ذلك، تضحك من قلبها. المشوار الذي يستغرق في العالم الواقعي خمس دقائق، دام ست سنين، واكتفيت منها برقم هاتفها. ما أشد هوانك على الناس! مجرد رقم آخر، مجرد سيرة ذاتية سبق وحُفظت في مكتبة بابل.


لا شيء بعد. ننتظر. الحياة بأسْرها فعل انتظار. والانتظار فعل رضوخ.

ـ3ـ

ذهول. الناس سكرى وما هُم. راهب في دير اليرموك. لا شيء يثير الانتصاب. وماذا لو وُجد؟ ليس في جسمك حريرات تكفي لتمويل هذه الفيزيولوجيا الباهظة. التطور أذكى منك: قانون “أورجل” الثاني. ثم لديك نفقات أهم: وجبة فاخرة من سكر العنب تستهلكها عصبوناتك كي تتمكن من استهلاكك يوما آخر. طبيب الأمراض التناسلية: أمورك بخير، لا داعي للقلق، يزعجك أنك راهب؟ لا عليك، شهرا إضافيا وتصبح بطريركا لسائر المشرق، اصبر فحسب. الصبر مر، وهو أمَرُّ إن كان على معدة فارغة. الطبيعة تكره الفراغ، تباً لأرسطو حين يتفوه بالهراء. كل ما هنا فارغ: العيون من الأمل، الوجوه من مكياج ابتسامة، المستقيم من البراز، الكأس من الإيتانول، القراءة من اللذة، الأجسام الكهفية من الدم، كلور الصوديوم من الملوحة… فراغ كامل الأوصاف من حولك. الدرويش الدائخ من حلقات الذكر: خبز يا رسول الله! من ذكر الخبز؟ مقدِّمة أخبار الطقس في شام إف إم تتمنى لكم عطلة نهاية أسبوع كلها حب ودفء. هذا كل ما في الأمر. ويحك يا جارية! وهل يطيب نَيك إلا بهذين؟ افتح يا حاجز! تعويذتك فاشلة، جرب كلمة سر غيرها، لا تقنط، أمامك الدهر. افتح يا زنيم! معذرة إليك، حظا أوفر في المرة القادمة.

ـ4ـ

 ـ مسك؟

ـ الطِيب أنتِ إذا أردتُ تطيبا.

بعيداً عنك، علي الاكتفاء بالعطور الصناعية عديمة الرائحة، وتغيير نكهة فمي بقهوة مكررة للمرة الرابعة. من أن يأتي كل هذا البول؟ الماء يشكل تسعين بالمئة من وجبة طعامك، أتحدّث فقط عن شكله الحر لا المرتبط. حذاؤك ضيق؟ كان. الآن ألبس زوجين من الجوارب وينزلق من قدمي. يتخلى ديكارت أخيرا عن مراقبة ذبابته الهندسية الأثيرة، ويكتب في “تأملات في فيزيولوجيا الهضم وفلسفته”: أول مراتب الحاجة إلى الطعام الجوع، ثم السغب، ثم الغرث، ثم الطوى، ثم الصرم، ثم السعار. في أي مرحلة أنت؟ أبو عَمْرة، كنية الجوع. وسئل أعرابي: أتعرف أبا عمرة؟ فقال: كيف لا أعرفه وهو متربع في كبدي؟ الوعي تجربة فردية/ ذاتية. قد يتعاطفون معك, بس وحدك الجائع. لن يشعروا بجوعك. كلٌ يشعر بجوعه الخاص. قد أراك ضجرا، واهنا، ترمح في الشوارع تمريرا للوقت، رابطا حجاب أمك على بطنك، صوت أمعائك يملأ الأجواء، غدتاك النكفيتان مكتظتان بلعاب تائق لأن يسيل… أستنتج أنك جائع. أشفق عليك. لكني لن أشعر بجوعك، معدتي ملأى. لم أكن دوما كذلك، حدث مرة أن قال زميل سكني المتنبي:

كفى بجسمي نحولا أنني رجل………….. لولا مخاطبتي إياك لم ترني

دحرج يا سيزيف صخرتك اللعينة، وحين تصل إلى القمة، بُل على العالم السفلي بكل ما أوتيت من مثانة، ألم تقل لي إنها ممتلئة؟ .


الواقع الوحيد هو الحاجز. الحياة مجاز

ـ5ـ

افتح فمك قليلا من فضلك، أسنانك تالفة من أكل الخراء. الأشيب الملتحي الذي تقوده عصاه تاهَ وجهه بين الوجوه، من تستجدي يا رجل؟ جميعنا شحاذ. أيرك بالحياة، أعرف ذلك. لكن فكر قليلا: أليست هذه ذكورية مقيتة؟ الحياة أنثى، وأنت ترى فعلك الجنسي معها فعلَ استعلاء، اغتصاب. أيري بالوجود، أحسن؟ لا تقل لي هذه مثليّة. طَيِّب, ما رأيك بشيء آخر؟: اهزأ بالوجود، ألبسه ثيابا سخيفة وأطلقه في الشوارع، أضف إلى طعامه سلفات المغنزيوم، انشر هراء باسمه وأضحك عليه الناس، امسح أرض مطبخك القذرة به، ضعه في صندوق مغلق مع ظربان، أو تمخط فيه ثم ألقه في مدفأة الحطب وأنت ترفع في وجهه أصبعك الوسطى. معقول جدا. لاعبا الشطرنج اللذان يحركان قطعهما الزجاجية لم يلعبا اليوم. من بقي في دماغه عصبونات لا تعتمد الكيتون؟ الأشيب الملتحي الذي تقوده عصاه يتأمل بائع التبغ. تفتقد النيكوتين؟ أفتقد الغمامة البيضاء الشفيفة تطفو فوق قشرتيَ المحدَثة فأطفو معها بتؤدة، طفلاً صغيراً ترميه يدا أمه في الهواء ثم تلتقطانه مجددا. أنادمٌ أنك عشت إلى هذا العمر؟ نادمٌ أني لم أتشبث بطفولتي بأسناني ومخالبي.

ـ6ـ

الناس كفرت. إيلي! إيلي! لم شبقتني؟ لا، ليس لذلك. لا أحد هنا يعاني صراعا ميتافيزيائيا. مشكلتهم مع العصافير التي تخلت عنهم، بعد أن هجرت أعشاشها مع أولى تباشير الشتاء، الشتاء الذي ما كان ليكون بهذه القسوة لو بقوا. مالَكَ ولزقزقة العصافير المقرفة؟ اسمع الجاز، كلاسيكيا، أو هادئا، أو سلسا، أو حامضا، أو لاتينيا، أو مذابا.

تقول سليمى: ما لجسمك شاحبا؟……………… كأنك يحميك الطعامَ طبيبُ

عزيزتَه سليمى! عرفتُ مؤخرا أن شحوب الجسم هو تغيره من هزال أو جوع. لكن تأويلك غلط للأسف، فالطبيب، بخلاف ظنك، يأمر صاحبك بتناول الطعام، والإكثار منه، حتى يختفي التورم الذي يشمل نصفه السفلي، وتنتفخ وجناته، ويصبح قادرا على الوقوف، وعلى إسعادك في الفراش. الحياة وهم، يجزم بوذا، والواقع الوحيد هو الحاجز. الحياة مجاز، والحاجز حقيقة: الصمد الذي يُقصد عند الحوائج، الغني الذي يرجو العبيد أن تُفتح أبواب رحمته، المهيمن على بطون الخلق وأعصابهم، المنزّه عن كل ثغرة، المحيي إن شاء، المميت في معظم الأحيان.

لديك سلاحان: صوتك، وهذا القلم الموشك حبره على النفاد. لا تسقط قبل أن تقول كل شيء.

ـ7ـ

 بائع فجل، بائع فجل ثان، بائع ثالث للفجل. بائعان آخران، ماذا يبيعان؟ فجلا. الإقبال جيد رغم ارتفاع الأسعار المطّرد. بورصة الفجل وقوانين العرض والطلب إياها. هذا الشارع أفضل كتاب لتعلُّم الاقتصاد. لا أقسم بهذا البلد. صديق: لعنوا دِين هذا البلد. وأنت حِلٌ بهذا البلد. ارتحل يا أخي وأرحنا من نصوصك الباعثة على الغم. لقد خلقنا الإنسان في كبَد. أيكون الشقاء هو الشرط الإنساني إذن؟ هذه الطفلة الباكية، والشيخ المهزول، والكلب اللاهث، والنبتة الذاوية، ولاعبا الشطرنج ذاتهما اللذان تقع أعينهما على الرقعة بالصدفة… يختبرون الشرط الإنساني بأقسى تجلياته. يقول أهلكت مالا لُبَدا. أُهلِك المال كله وكانت النتيجة فجلا. أيحسب أن لم يره أحد؟ يراه الجميع، لكنهم يفضلون تأمل حوض لأسماك الزينة. .

ـ8ـ

 أَقفرَ مِن أهله ملحوب. ….

مهترئة، هات غيرها.

عرسٌ وطني. الإسلاميون والعلمانيون والملحدون واللاأدريّون (الأكثرية)… وحَّدهم الجوع. كلهم أمام شموخ الأمعاء أذلّة. أغانٍ عن ثورة حجرية في وجه الميركافا والإف16، وترقب للأفق المكتنز البعيد ثلاثمئة متر. الواحدة إلا خمس دقائق بعد الظهر، لا شيء بعد. ننتظر. الحياة بأسْرها فعل انتظار. والانتظار فعل رضوخ. والتمرد حين يقول العبد لسيده: لا. هي حرفان. ألهذا الحد تكون العربية مستعصية على اللسان أحيانا؟ قلها بالإسبرانتو إن أحببت. قلها ولك كيلو رز. جرّبْ معي: ل ل ل ل لللللل لا. صعبة؟ يتمرد ألبير كامي: “في عصر غير عصرنا، عندما كان الطاغية يدمر المدن ويكتسحها اكتساحا، ويضيف إلى مجده أمجادا؛ عندما كان المنتصر يربط العبد إلى السلاسل ويجرّه منتشيا؛ عندما كان الناس يلقون بأعدائهم إلى الحيوانات المفترسة؛ في تلك العصور كانت الجريمة شيئا يتم بلا تزييف، كانت الجريمة عادية، والضميرُ مستريحا، والعقلُ ناضجَ الإدراك”.

مهترئة، هات غيرها.

اللوحة للفنان الأوكراني، فاليري فرانتشوك بعنوان “حصاد المجاعة”



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

معبر بستان القصر

وأنا أنتظر دوري في المشفى، كان نظري يتجول في كل زاوية نحو الموظفين، أراقبهم كيف يعملون بكل دأب. مرّ رجل وامرأة بالقرب مني، كانا يشتمان باللغة العربية؛ ظهر أن تأففهما كان بسبب الانتظار ومن سوء معاملة موظفة الاستقبال. قلت في سرّي “يبدو أنهما لم يجرّبا معبر الموت، للذهاب إلى طبيب أو إلى مشفى، أو حتى […]

اعرض المزيد

…… اليرموك: وجهةُ نظرٍ فيزيائية……..

كُتب هذا النص في شباط 2014 وقد نجا بأعجوبة تكنولوجية من المصير النهائي الذي آل إليه مخيم اليرموك. …… اليرموك: وجهةُ نظرٍ فيزيائية…….. عشية الميلاد، أنهى العمل على رائعته. نظر إليها بفخر، وقد أنفق عليها مدخراته المالية، ووقتاً كان يمكن أن يتعلم فيه الكنعانية مثلا، وجهداً لو ادخره لنظرية الكَمِّ لأصاره ـ ربماـ أكثر فهما […]

اعرض المزيد

مذكرات شاهقة من مدينة الفنتازيا الواقعية “حصار حلب”

اقتحم الجيش السوريّ الحرّ في تموز من عام 2012 أحياء حلب الشرقية، كان حينها فصيلاً واحداً (لواء التوحيد) يقوده عبد القادر الصالح (حجي مارع). وفي مدة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أيام سيطر لواء التوحيد على أحياء حلب الشرقية، أي على ما يقارب الستين في المائة من مساحة المدينة. طيلة عام كامل، كان الفتور قد نال […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories