خاطرة

السجّان يسقطُ أخيراً


أنحدرُ من سلاسةٍ بشريّةٍ تحترف السقوط، فجدّي الأول _إن صح القول_ كان قد سقطَ عن كرسيه منذُ خمسينَ عاماً، بينما كان يقرأ في الجريدة (الوطنية)، وعندما جسّه الطبيب قال إنه صمتَ للأبد بفعلِ سكتةٍ قلبية، ثمّ أنّ والدي قد سقط في اللحظة التي خرجَ فيها من رحمِ أمه، كانت صرخته الأولى في وجهِ العالم، ليفتح الأخيرُ فاه ويبتلعَ جسدَ أبي، أما أختي الصغرى، فقد سقطت هي الأخرى من الشباك عندما صوّب الكاهنُ بندقيتهُ جيداً جهةَ قلبها الذي كانَ يعشقُ ابنَ الجيران ذا اللحيةِ الرمادية والصوتِ الأجش.

تاريخنا في السقوط، ليس قديماً نسبياً إذا ما قسناه بتاريخ السقوطِ العربي، أو الأممي أو القارّي حتى، فسقوطنا كانَ محض صدفة، أما سقوط من أنف ذكرهم فكان سقوطاً طبيعياً أو لنقل تراكمياً ربما يكمن في جينات الأنظمة الحاكمة.

أتحدث الآنَ عن السقوط وأنا مرميٌّ في بئرٍ عميقةٍ تتسعُ لطاغية ومقبرةٍ جماعية، كنتُ حينها في العشرينَ من عمري عندما تهاويتُ كريشةِ طائرٍ في هذهِ البئر، لم يحصل لي _آنذاك _ شيء يُذكر، إلا أنني ما زلتُ أحملُ في لحمي بعض الندوب التي نالته بها جدران البئر المبثورة، وألسن السياط الطليقة.

 كنتُ في العشرينَ حينها، أمّا الآنْ فأنا لا أذكر عمري الحقيقي، عمري الذي فقدته في العتمةِ، ومذّاكَ فقدت نقمةَ العد، حتى انمحتْ أصابعي.

 حاولتُ مراراً أن أجد سبيلاً للخروجِ من محنةِ السقوط، إلا أنني وكلما حاولت كنتُ أفشلُ، وكأنني تهاويتُ من فراغٍ إلى فراغ، فلم أجد أحلاماً أو أدراجاً أصعدها، لم أجد من حولي سوى حجارة خضراء رطبة وجسدي المسجّى على أرضٍ موحلة.
حاولتُ بكل الطرق أن أتخلص مما أنا فيه، وكنتُ كلما صعدتُ مستخدماً ما أملكُ من حيلةِ الوحيد، أسقطُ مجدداً، فأنا قصير القامة والبئر التي سقطت فيها كما أخبرتكم عميقة جداً.

فكرت في الانتحار مراتٍ عدة، إلا أنني حِدت عنه لأني أخاف الموت مذ رأيته، بمعطفه الأسود وأنيابه التي يسيلُ منها اللعابُ، غير متّزنٍ، وبعد تفكيرٍ طويل، قررت أن أستسلمَ فالاستسلامُ صفةُ الشُّجاعِ إذا ما أصابه نَبلُ اليأسِ في قلبه.

 ومن هنا بدأت محاولاتي في الاعتيادِ على الوحدة، لكنني أيضاً ـ فشلت، وكي لا أنسى حرفةَ الحياة، استأنستُ بصفةٍ من صفاتِ الكلام، ألا وهي (الخلق)، فرُحتُ بدايةً أحدث نفسي مُحدثاً شخوصاً تتحدث وتتحرك، إذ خلقتُ كثيراً من الأشياء، كنتُ أذهب في تفاصيلها أيما بُعد، فمرةً خلقتُ لصاً سرق لي كتاباً، فأمضيتُ أياماً طوالاً أنصبُ له الفخاخَ أمام وكْره، وهكذا استطعت استعادةَ كتابيَ المُتخيّل. واستطعتُ أيضاً المغفرة، إذ وهبتُ اللصَ، غيرَ مفرّطٍ بالكتاب، جريدةً (وطنية) فصمتَ أبداً إثرَ سكتةٍ قلبيّة:

“حتى اللصوص الذينَ التقيتهم، كانوا شعراءَ صغاراً، يموتون كلّ يومٍ بسكتاتٍ قلبية، أو تقطيعاً بمقصلةِ الكلام”.

 ومرةً، ضربت رجلاً مسناً لأنه كان يشرب الخمر وينظر بلا استحياء إلى فخذي حبيبتي الشهيين، وليلتها _ أقصد الليلة التي ضربت فيها الرجل _ لم أنم تحتَ وابلٍ من سياطِ تأنيبِ الضمير، وفي صباحِ اليومِ التالي، بدأت آكل السرخس الذي يصعد عل الحجارة كنوعٍ من أنواعِ الندم!


أوّل الحريةِ مظاهرة تنطلقُ من حيّ فقيرٍ شعبي، في زاويةٍ لا يدركها أحد ثم تصبحُ قِبلةً للشعراء

يقولون إنّ الندمَ عادةٌ عربيّةٌ يقترفونها كلما ضاقت بهم السُبل إلى التوبةِ.

أما عن حبيبتي، فقد كانت معجزة الكلام؛ بشعرها الأسود القاتم وعينيها البدويتين، وفرحها الذي لا يكفّ عن ابتسامةٍ تضمد جروحي وجروح أصدقائي المتخيلين وجدران البئر. أجل خلقت كل شيء بالكلام وحده… الأعداء والأصدقاء والحبيبة، الخوفَ والعزلة والرهانات الخاسرة أمام مرآةِ جسدي الذي أخذ بالذبولِ منذُ سقوطهِ الأول،

بدايةً كان اللص، ثم الرجلُ المسن، ثم حبيبتي، لا أدري ما نفع الترتيب عندما يكون كل شيءٍ مُتخيّلاً!

الأسبوع الفائت عزمتُ على الكثيرينَ ممن رسمتهم بلونِ خياليَ، أو بالأصح خيال الكلام، ليأتوا إلى وليمة متخيلة، كانوا ثوّارَ ووطنيينَ وقادةَ أحزابٍ شيوعيين وبعثيين، كما عزمتُ على الشعراء والكهنة كذلك، كان الليلُ قد هبط، حينَ خرجنا من المشهدِ برأسٍ مقطوعٍ وشعاراتٍ جارحة كالسكّين، وثلاث جنائزَ تتبعها ثلاث مراثٍ.

 في صباحِ اليومِ التالي كانت الحريّةُ شاسعة كبحر، وزرقاء كبحر، ورطبة كبحر، إذ قررتُ الصمت مستجدياً ألا يزورني أحد، إلا أنّ الصمتَ كان سقوطاً آخرَ، فما إن بدأتُ أكلَ الأشنياتِ والضفادع الصغيرة، حتى دوى انفجارٌ هزّ أركانَ البئر، كانَ انتحاريّاً قد فجرّ جسدهُ في سوقٍ للخضار، وكانت الأشلاءُ تدخلُ أيضاً في السقوطِ الحلوِ في غفوتها الأخيرة، الانتحاريّ الذي أخذ صكّ براءته من الحاكمِ (ابن الكاهنِ الأول). ومنذها، قررتُ أن أصنع من صفةِ الكلامِ حاكماً، أعيشُ أنا وهو في زنزانةٍ واحدة، أحدثه ويحدثني، وإذ لا بدّ من الحديث كانَ لا بد أيضاًّ من أن يكون الحاكمُ عربياً بلسانٍ عربي، ولأنه عربي، لابدَ أن يكونَ طاغية، ولأنه طاغية، لا بدّ أن أصنع ثورةً، لمَ لا؟ وأقودها وحدي وأنتصرُ فيها وحدي، أو…؟، أو أني أكون قد وضعتُ عنقي بين فكي المقصلة. لا بدّ إذاً من كتابةِ المناشير وتوزيعها على من استنبتهم خيالي في خصبه.

أوّل الحريةِ مظاهرة تنطلقُ من حيّ فقيرٍ شعبي، في زاويةٍ لا يدركها أحد ثم تصبحُ قِبلةً للشعراء

لذا كان عليّ أن أنظمهم جيداً في أنساقٍ ملتوية وأخرج في مقدمتهم، بيمنا تصورني الكاميرات وأنا أفوه بالشعارات والشتائم، وتكتبُ عني الصحف أني بطلٌ عظيمٌ وقائد ثورة… ويخلدني الشعراء الرديؤون. وسأقولُ في التحقيق أنني أمضيتُ سنواتٍ طوالاً في معتقلاِتِ التعذيب، تحت رحمةِ الأحذية وسياط الأناشيد الوطنية…

أجل: في بئرٍ قديمٍة، عمرها عشرة آلافِ عام، خلقتُ ما يشبهُ الوطن.

لكنني .. وعندما استيقظتْ، وأنا مصلوبٌ على جُدُرٍ صفراء، ويداي مقيدتان من رسغي إلى حلقاتٍ دائرية في الجدار، أنظرُ حولي ببطء، أستعيدُ البئرَ التي سقطت بدورها من رئتيّ، ودمي على السلاسل يفوهُ بشتائمَ حمراء.

غرفةٌ يحملها فراغٌ شاسع، صامتٌ كالأبد، ـ لولا اللص سارق الكتاب، والكاهن قاطع الرأس، والشعراء والمتظاهرون وصوري الثورية على الجرائد والجثث المرصوفة في الصفحة الأولى لإعلانات حقوق الإنسان وقادة الأحزاب ومشيختها، وأنفاسهم التي تثيرُ حيطانَ الزنزانةِ صخباً ـ لكان الهدوءُ قاتلاً كنصل، كنصل السجّانِ الذي يقف _ تماماً _ أمامنا

وهو _ أخيراً _ يسقطُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى