…… اليرموك: وجهةُ نظرٍ فيزيائية……..

شارك القصة

كُتب هذا النص في شباط 2014 وقد نجا بأعجوبة تكنولوجية من المصير النهائي الذي آل إليه مخيم اليرموك.

…… اليرموك: وجهةُ نظرٍ فيزيائية……..

عشية الميلاد، أنهى العمل على رائعته. نظر إليها بفخر، وقد أنفق عليها مدخراته المالية، ووقتاً كان يمكن أن يتعلم فيه الكنعانية مثلا، وجهداً لو ادخره لنظرية الكَمِّ لأصاره ـ ربماـ أكثر فهما لطبيعة العالم، أو معناه. ومع أن قلبه أخبره عن ربّه أن ميلاداً ثانياً سيمر دون أن يرى فيه صاحبته ويحتفي معها، وهذا ما حدث بالفعل، لكنه لم يقنط. ملامحها وهي تنظر إلى هذه الهدية البديعة كانت حافزه للعمل بجَلَدِ قطيعٍ من الحمير. الفكرة كانت غاية في البساطة، أما تنفيذها فأمر آخر تماماً. بسيطة بما يكفي كي تهب له نفسها في حلم، أو أثناء إحدى تجاربه الذهنية.

مما كتبه لها في أوراق مرفقة تصلح لأن تكون كتيب إرشادات:

هذا نموذج مصغر مصنّع من مواد صديقة للبيئة لمخيم اليرموك، الذي سبق وجئتِه مراراً أيام كان أكبر سوق استهلاكية في هذا البلد الآمن. آمل ألا تجدي صعوبة في التعرف إليه، أو في وضعه في الصالون بعد إخراج الفترينة إلى غرفة أخرى. كان بوسعي طبعا جعله أصغر، لكن هذا سيضيع كثيرا من التفاصيل، كما سيؤثر سلبا في المتعة البصرية. تستطيعين رؤية المحلات المغلقة، والمخابز المتوقفة، والأسواق الخاوية، والمباني التي كُشِطت واجهاتها لتشفَّ عن محتواها. وحين تضغطين زر التشغيل، سترين من يخرجون للتظاهر مرة بعد مرة بعد مرة مدفوعين بفعل قهري منشؤه أمعاؤهم، فينهمر عليهم الرصاص والقذائف. سيتيح لك النموذج متابعة التطورات في زمنها الحقيقي ــ طبعا بعد إهمال التأخير البسيط جدا الناجم من كون سرعة الضوء ليست لا نهائية ــ بحيث يغنيكِ عن متابعة نشرات الأخبار. بجانب زر التشغيل زرٌّ للإيقاف المؤقت، يسميه بعضنا “هدنة”، حتى إذا فرغتِ من جارتك التي قاطعتكِ طالبةً طنجرة ضغط، أمكنك استئناف الفرجة دون أن يفوتك مشهد. وهناك زر يمكّنك من كتم أصوات الانفجارات، وعويل الأولاد، وغليان البطون، والخطب السريالية عن الصبر والأشعريين إذا أرملوا وحِلّـيّة لحم القطط وجواز اقتحام البيوت غير المسكونة… بدلاً من ذلك كله، زودتُ النموذج بمقطوعات موسيقية هادئة، كفيلة على ما أرجو بتحييد المشهدية بحيث لا تخافين على ولديك من قسوتها، كما أني أدرك أن الذوق المعاصر لا يحبذ أن يثير عمل فني ــ ناهيك بهدية للميلاد المجيد ــ مشاعر مزعجة. من يريد إفساد سهرة خميسه، أو ثلاثائه؟


تستطيعين رؤية المحلات المغلقة، والمخابز المتوقفة، والأسواق الخاوية، والمباني التي كُشِطت واجهاتها لتشفَّ عن محتواها. وحين تضغطين زر التشغيل، سترين من يخرجون للتظاهر مرة بعد مرة بعد مرة مدفوعين بفعل قهري منشؤه أمعاؤهم، فينهمر عليهم الرصاص والقذائف

كتب أيضا:

لن أمتدح صنيعي، ستقدّرين الجهد المبذول والعلوم المطبقة كلما تفحصتِه أكثر. كان يجب فرض بعض القواعد الفلسفية تعسفاً منعاً لحدوث مشكلات منطقية نحن بغنى عنها في الوقت الراهن. فمثلا لا يستطيع النموذج الذي يمثلني، أناي المصغر، صنع نموذج عن مخيمه، وذلك للحيلولة دون الارتداد اللانهائي. بالمناسبة، وتحسباً لأي همزات شياطين قد تَحضُركِ، فالمنظومة مغلقة سببيا. لا شيء بوسعك عمله. شاهدي فحسب. وكأي نظام مغلق، ستزداد الإنتروبيا* حتى تبلغ حدها الأعظم، وينتهي المخيم إلى موت حراري. أيفزعك هذا المآل؟ لا بأس عليك. يظن معظم الفيزيائيين أن هذا هو مصير الكون بأسره. ما مخيم اليرموك أمام العالم الأكبر؟ ما حفنة لاجئين أمام قضية الوطن الكبرى؟ .

حاشية:
*الانتروبيا entropy: مصطلح فيزيائي يمكن فهمه بأنه تعبير عن درجة الفوضى والعشوائية في منظومة ما. وعندما تبلغ حدها الأعظم ستنحل مادة الكون وطاقته إلى كلٍ متماثلٍ خامل.

لوحة: “الانتروبيا تحرر الجمال”، للفنان hugh Marwood



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

للحكايات بقيّة

أراجيح العيد تلوح بفرح العصافير المبكّرة، وتفوح بهرج ومرج الأطفال المتزنرين بالفرح منذ تفتّح النور. في الساحة الكبيرة الممتدة وسط المدينة، نداءات باعة الحلوى والمفرقعات وغزل البنات وألعاب العيد وألوانه، تجذب انتباه المتفرجين على الألعاب المتنوعة، السيارات الكهربائية، القلابة، الكراسي الدائرة، الفراشة الطائرة، لعبة السفينة المتأرجحة هناك على أنغام أغنية “يا حاج محمد.. يو يو…” […]

اعرض المزيد

ماجد مرشد
يسردها ماجد مرشد

تضاريس من جغرافيا الأمعاء

كُتب هذا النص في السادس من شباط 2014 بعد استلام الكاتب لسلته الغذائية من أول دفعة إغاثية تدخل مخيم اليرموك، بعد مجاعة قتلت في آخر المطاف 188 شخصاً وَفق أكثر التقديرات اعتدالاً.  قيل للمأمون عليه السلام: ما أمتع الأشياء؟ فقال: التنزه في عقول الناس. وكمن تذكر الطعن وكان ناسيه، دعا راحلته. فتعلقت بُوران بثيابه. هي […]

اعرض المزيد

حين قرّرتُ أن أبيعَ الفلافل في دمشق

اتصالاته المتكررة، والرسائل التي أراد إيصالها بتلميح مبطّن، لم تكن كافيةً ليحصل منّي على قرار حاسمٍ بترك العمل الصحفي في دمشق، والالتفات مؤقتاً لمهنة أخرى، أتمكّن من خلال عائدها المادي من تأمين مصروفي الجامعي.. ختم حديثه باستدعاء رسمي: “أنتظركَ غداً في الضّيعة”.. وأغلق سمّاعة الهاتف. كان أبي يعرف مثل الكثيرين بأنّ البلاد تتّجه إلى فوضى […]

اعرض المزيد

رزق العبي
يسردها رزق العبي

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories