تضاريس من جغرافيا الأمعاء

شارك القصة

كُتب هذا النص في السادس من شباط 2014 بعد استلام الكاتب لسلته الغذائية من أول دفعة إغاثية تدخل مخيم اليرموك، بعد مجاعة قتلت في آخر المطاف 188 شخصاً وَفق أكثر التقديرات اعتدالاً. 

قيل للمأمون عليه السلام: ما أمتع الأشياء؟ فقال: التنزه في عقول الناس. وكمن تذكر الطعن وكان ناسيه، دعا راحلته. فتعلقت بُوران بثيابه. هي تعرفه في مثل هذه الحالات، إذ سرعان ما ينتحل الحطيئة ويقول لها:  

عُدّي السنين إذا ذهبتُ لرحلتي …………..وَدَعي الشهور فإنهن قصار  

قالت له: قد علمتَ يا أميري أن رجلاً غريب الدار حل ببغداد منذ بعض الوقت، يقال إنه أنحى من سيبويه، وأقرأ من الكسائي، وأعلم بغريب العرب من الأصمعي، وأظرف من أبي عثمان الجاحظ . وقد طوّف بأرض الله الواسعة، وزار بلداناً لم يُسمع بها، وأنه يقصّ على الناس أخباراً تجعل المألوف غريباٌ، والغريب مألوفاً. وإنك إن دعوته إلى مجلسك سمعتَ منه ما قد يُسرّي عنك، ويصلح اختلال أخلاطك، واعتلال طباعك، ويُذهِب ملانخوليتك التي أعيت الأُساة والرقاة.  

قال الشيخ متجاهلاً ازورار أمير المؤمنين عنه: في رحلاتي البحرية الكثيرة، وأنا على سريري أمخر المحيطات، نزلت بأقوام شتى. رأيتُ من تحدث عنهم “بلينيوس” في تاريخه الطبيعي: أناساً لا أفواه لهم يغتذون على أريج الفواكه والورود، وآخرين يستعملون أقدامهم التي لها شكل مظلة لتقيهم من أشعة الشمس. رأيت ما ذكره ابن الوردي في “خَريدة العجائب”: أشجاراً تثمر نساءً حسنات الوجوه، طيبات الرائحة، معلّقاتٍ من شعورهن. فإذا نضجن سقطن وعِشن يوماً أو بعض يوم يعاشرن فيه الرجال. نزلتُ بجُزُر يطهو سكانها الطعام على الموسيقا بدل النار، ويصورون أحلامهم لعرضها على أصدقائهم في جَلَساتهم المسائية. شاهدت أقواماً لا لغةَ منطوقةً لديهم فهم يتفاهمون بالعطور وتبادل القبل. التقيتُ قرّاءً يجففون الضفادع بدل الورود بين صفحات الكتب، ويمتنعون عن كتابة كلمة ماء كيلا تَسيل فتُسيل الحبر. رأيت قوماً يستقبلون قِبلتهم خمس مرات في اليوم يشتمون فيها الله، فسألت رجلاً منهم تعرف في وجهه الوقار، ويبدو أنه معلم طريقتهم، فقال: سبُّكَ الشيء إقرارٌ بوجوده، ونحن نشتم الله إقراراً منا بوجود واجبِ الوجود، وهذه هي الصلاة في شرعنا. تنزهتُ في بساتينَ تسقط ثمارها إلى أعلى، وعرفت رجلاً استيقظ صباحاً ليجد كوكبه الأزرق الجميل يدور حول الشِعرى اليمانيّة. وآخرَ يربّي في منزله قطة حيّة وميْتة في الوقت نفسه، وثالثاً رجع في الزمان ليقتل أمّه قبل لقائها أباه.  

استوى المأمون في جِلسته، وتورد خداه، واستنفرت جوارحه. ما كان يريد معرفة صدق الرجل من كذبه. قال ترتعش شفتاه: قد والله أذهلتنا عما كنا فيه، وما إخالني أسأم حديثك أو ألتفت إلى طعام أو شراب ولو حدثتني الدهر كله، وما أود لو أنّ لي عرشَ الرشيد بما رأيتَ. ولو أن أخبارك صارت رجالاً ونساءً وأتت قاضينا يحيى بن أكثم تختصم إليه أيُها أعجب لملأتْ فمه حصى، على ما نعرف عنه من فضل علم وذكاء قلّما جُمعا لأحد، والله ذو الفضل يؤتيه من يشاء. ولكن قل لنا أنتَ: ما أَعجبُ ما رأيت؟ (كانت بُوران لحظتها في المطبخ تعد المهلبية للضيف الشهي).  

قال الشيخ متجاهلاً إقبال أمير المؤمنين إليه: وجدتُ نفسي مرة حيث لا أدري، ناسياً أين كنت، وجاهلاُ إلى أين أسير. كأني لم أكن من قبل، أو كنت لكن دون عقل. لا أذكر حتى أني وضعت هذه الثياب عليّ. وكان معي صحبٌ هم ثلاثة رجال أجهلهم، قد أضر الجهد بنا، وسَدَّ علينا الجوعُ بسيط الأرض التي ضاقت بما رحبت. ولو أن أحدنا أسقط ذراعه أو ساقه وراءه ما التفت إليها. فأمسينا ورُكبنا قد استرخت، وعيوننا قد غارت، والبرد يبرُد عظامنا، وأحدنا لا يحدّث صاحبه كرباً وغما. حتى لمحنا ناراً من بعيد تجمّع قومٌ حولها، وكان غالبُ ظنِنا أننا لا ندرك نصل إليها.  


وجدتُ علبة مما يسميها أصحاب الهندسة من أولاد موسى بن شاكر: متوازي مستطيلات. ولما كانت تعتريني نوب ربو فقد مسحتها بطرف كمّي، ففُتحت وحدها. ولم يخرج منها مارد أو جنية بحر أو ذبابة. دنوت أنظر فيها فرأيت خبزاً وعدساً ورزاً وتمراً وزيتاً وحليباً ومربى. كدت أُصرع، لكني تمالكت نفسي، واكتفيت أقفز وأضرب على رأسي، وأضحك، وأبكي، وأعلك نعلي، وأصيح بأصحابي: الوحى الوحى! حتى بُح صوتي

قرب دفء الحطب، لم نُلقِ السلام. مثلما لم نسأل: كم سيدوم هذا الليل؟ جلوساً وجدنا أنفسنا حول النار بجوار صليب معدني يئن عليه رجل من حين لآخر: إلهي! لماذا تخليتَ عني؟ وفي الفاصل بين أناته كان صوت أمعائنا يقطع سكون الصحراء المرعب. قال زيدُ مَناةَ بثقة محاولاً تفسير ألمنا: “في البطن حية إذا جاعت عضت الشرسوف”. ثم انزوى خجلاً من نظرات القوم. حاول أمنحوتب ــ الذي سيتسمى من الآن عبد شمس ــ تلخيص الموقف: “نسِينا الإلهَ في رخاء الصيف، فنسِيَنا في شدة الشتاء، وأسلمَنا إلى (زمهرير) وقطعانه”. كان ذِكر (زمهرير) كفيلاً بجعلنا نتبرز في ثيابنا. قطيعه يعدُّ آلافاً من حيوانات شبيهة بالنعام. لكل نعامة رأسان: ذئبٌ ينهش اللحم والشحم، وخُلدٌ يحفِر العظم. يمتطي كلَ واحدةٍ منها شيطانٌ يحمل سوطاً ذا ثلاث شُعَب، أسماها القوم: البرد والظلام والوحشة. بمجرد أن تخمد النار سينقض علينا. دنا أبيقور ــ الذي كانت حصاة في إحدى كليته تفسد عليه حياته ــ من النار أكثر، وقال بهدوء: “مهما بلغ ألم الجسد فإنه بإمكان العقل أن يلطفه. المسألة لا تتعلق باللذة الحاضرة فحسب، فالنفس تلذّ بذكرى لذة ماضية، أو برجاء لذة مستقبلية”. فسأله واحدٌ محتداً: “هل يستطيع تساميك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟” بدا الحوار واعداً، لكني بدأت أفكر بالخوان كمصدر جيد للنار بدل السطو المتكرر على غابة الحور البعيدة الموحشة. ويبدو أني شردت طويلاً، إذ فاتتني حُجة ابن رشد الذي جعل من النار مثالاً لتوضيح نظريته في أصل الشر. وكان حفيد برومثيوس يستعيد بفخر ذكرى جدّه الذي خطف النار من السماء ليهبها البشر. تحدث النَظّام عن كمون النار في الخشب، ولم ينس تسفيه “هيوم” الذي أنكر أن تكون النار سبب احتراق القرطاس الذي دون عليه “الخليل” الفرق اللغوي بين الحصب والحطب. أخذ الجميع يتكلم. كان صوتهم يعلو ويعلو. بالكاد كنت أميز كلمة من أختها. فكرت في قتلهم جميعاً كي أستطيع الخلود إلى النوم، فسكتوا معاً كأنهم عرفوا ما أفكر فيه. ولم يرغب أحد منا في كسر الصمت الذي عاد من جديد وَرَان على الجميع، فلم نسأل: كم سيدوم هذا الليل؟  

انزويت إلى غار قريب كان رَكْبي الذين بدؤوا الرحلة معي سبقوني إليه. سمعت أولهم يقول: “اللهم إليك أشكو ما نزل بي منك، فقد وحقِك شددتَ الوثاق، وضيقتَ الخناق، وأقمتَ الحرب بيني وبينك”. وقال الثاني: “اللهم إنّا لا نخاف حقدك، ولا نخشى جورك”. وقال الثالث: “أُوحّدك بلغاتٍ وألسنة، وأدعو إليك بحجج وأدلة، وأنصر دينك بكل شاهد وبينة، ثم أمشي هكذا عارياً جائعاً ظامئاً ومِثلُ هذا المُسمى: المأمون، يتقلب في الخز والوشي، والخدم والحشم، والحاشية والغاشية”. ولم أعجب من اجترائه على أمير المؤمنين، وقد اجترؤوا قبلُ على خالقهم. وقلت: لعله الجوع قد ذهب منهم بما ذهب. فاستغفرت الله لي ولهم، ونمت باكياً.  

صباحاً، كانوا يشخرون بعمق فتعذر علي إيقاظهم. اجتزت الوصيد، فلم أجد أثراً للقوم الذي كانوا يخيمون حول النار أمس: إما أنهم كانوا جنّاً من أحد وديانهم القريبة، أو أن قطيع (زمهرير) أتى عليهم عن آخرهم. قرب أثافيّهم، وجدتُ علبة مما يسميها أصحاب الهندسة من أولاد موسى بن شاكر: متوازي مستطيلات. ولما كانت تعتريني نوب ربو فقد مسحتها بطرف كمّي، ففُتحت وحدها. ولم يخرج منها مارد أو جنية بحر أو ذبابة. دنوت أنظر فيها فرأيت خبزاً وعدساً ورزاً وتمراً وزيتاً وحليباً ومربى. كدت أُصرع، لكني تمالكت نفسي، واكتفيت أقفز وأضرب على رأسي، وأضحك، وأبكي، وأعلك نعلي، وأصيح بأصحابي: الوحى الوحى! حتى بُح صوتي. ولما طال صمتهم دخلت عليهم الغار، فوجدتهم عظاماً ناخرة، والتبسمُ بادٍ على وجوههم. فزدت عجباً إلى عجب. وصليت عليهم، واحتملت الصندوق حامداً المولى، حريصاً على تذكر مكان الغار، حتى حللت بدار السلام، وهأنذا بين يدي أمير المؤمنين. قال المأمون: أَعِدْ لي ما قالوه في آخر كلامهم. فأعدتُه لم أنقص حرفاً أو أزد. قال: “هذا كلام لا يقوله إلا من عرف الله معرفة تزول منها الجبال. يُجعل كلامهم في قراطيس”. قال الذين غَلبوا على أمرهم: لنتخذن عليهم مسجدا. 

الصورة: مقطع في جدار الأمعاء الدقيقة كما تظهر تحت عدسة المجهر (عمل تشكيلي)



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

لوحات طرقية ذات بُعد سياسي

يخبرني  صديقي، ضمن رسالة صوتيّة عبر تطبيق واتس أب، أنّ عليّ اتباع الخريطة التي سيخبرني بها، لئلا أضيع في القرية التي سكن بها هو وعائلته منذ عدة أيام: تدخل القرية من مدخلها الرئيسي، لتجد خزان وقود كبيراً جداً، عليه صورة لـ”أردوغان” واضعاً يده على صدره، ثمّة صورة أخرى، لكن صورة “أردوغان” هذه يضع يده على […]

اعرض المزيد

حلم صالح

“فاطمة” وأنا نشأنا معاً… منذ المرحلة الابتدائية، حين كان مقعد الدراسة يجمعنا، كانت تُسرّ لي بحبها لابن عمها “صالح”، وتحكي لي عن كل ما يدور بينهما من لعب، وعن بعض الخناقات التي تبدأ بالشتائم ولا تقف عند شدّ الشعر. كانت تسترسل وهي تحكي لي عن يوم العطلة، حين يلعبان معاً تحت أشجار الكرم الملاصق لبيتهم، […]

اعرض المزيد

ليس بالخبز وحده يموت الانسان

أحد الكاتبَين أهداه عمٌّ له تلسكوبا في عيد ميلاده السادس، والآخر ضل طريقه في غابة ما عندما كان في السن ذاتها ولم يجد غير تأمل سماء مرصعة بالنجوم ليؤنس وحدته ووحشته، وكان هذان الحدثان السبب المباشر في جعلهما عالمَيْ فلك مرموقين. في تشرين الثاني من عام 2004، نظر هذان العالِمان إلى الكون بوصفه حاسوبا هائلا. […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories