على تخوم اللجاة

شارك القصة


“مرح” اسم على مسمّى، زميلتي الأقرب إليّ في الجامعة من بين جميع الزملاء، والأكثر استغراقاً في مناقشة مختلف موضوعات علم الاجتماع، الفرع الذي ندرسه معاً في جامعة “دمشق”، بفرعها الموجود في محافظة “السويداء”.

حين افترقنا بعد ظهر ذلك اليوم، يوم الخميس، في أواخر خريف العام 2017، كانت تضمّني مودّعةً، تسبقها دموعها كأنها لن تراني بعدها، وتستمطر دموعي. هل لأننا سننقطع عن اللقاء ليومين متتاليين؟ أم هو إحساس الأنثى الذي لا يخطئ، ما أحسّت به، أو أحسستُ به أنا لحظتها، أو إحساسنا كلتانا؟

تركت “مرح” أمام موقف السيارات، لوحت لي بيدها مودّعة وهي تركب السرفيس إلى جانب بعض أبناء قريتها “زهرة اللجاة- حران”، قريتها الواقعة في قلب “اللجاة”، على الأطراف الشمالية الغربية لمحافظة السويداء، المتاخمة لقرى البدو الغربية، التي احتلّتها “جبهة النصرة” بُعيد قيام الثورة على النظام الظالم بسنتين.

لم تمضِ ساعة على افتراقنا حتى أحسست بقلبي يقفز من مكانه، كأن شيئاً خطيراً خطر ببالي، فقد حكت لي مرح مرّات عدة عن خطورة طريق قريتهم خاصة بعد العصر وفي الليل، وكيف تقطع عصابات البدو الطريق وتخطف وتقتل وتسرق. قلّبت مواقع التواصل الاجتماعي، ولم أجد جديداً. كأنني في حلم يقظة.. تخيّلتها وهي تنطلق مع أبناء قريتها الذين رأيتهم في السرفيس الذي أقلّها. الرصاص يزغرد حولهم مرتطماً بصخور الوعر. وحوش “النصرة” بلحاهم الشعثاء تطاردهم، وحجارة الوعر ورجومه تحميهم. ابتعدوا شرقاً خلف الرجوم والصخور الكبيرة، القابعة في منتصف الطريق بين قريتهم وقرية “الدويرة”.

ذاك المساء، كان سرفيس “زهرة اللجاة”، الحافلة الصغيرة، التي تتسع ما بين عشرة وثلاثة عشر راكباً، كان يحمل ثمانية ركّاب بمن فيهم السائق، الذي توقّف من بعيد ما إن رأى الطريق مقطوعاً بالحجارة. ثلاثة من الركاب عمّال في ورشة لصبّ البيتون؛ وثلاثة شبّانٍ و”مرح”، من طلبة الجامعة. جميعهم دون الثلاثين من العمر. تركوا السرفيس وفرّوا شرقاً، يحتمون بصخور الوعر، من الرصاص الغزير المنهمر عليهم من الغرب.

لم أصدق عيوني الغارقة بالدموع، وأنا أسمع الخبر، منذ ساعات قليلة كنا “مرح” وأنا، نتحاور ونتجادل في رأي ابن خلدون «إذا رأيت الناس تُكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أقبع عليهم، وهم قومٌ بهم غفلة واستعباد ومهانة، كمن يُساق للموت وهو مخمور»، وكنا نضحك بأسفٍ لما آلت إليه أحوالنا بعد ستّ سنوات عجاف، قتلت من قتلت، ودمّرت ما دمّرت، وأتت على الأخضر واليابس.

“مرح” كالنسمة الناعمة يسبقها العبير، تحمل البهجة لمن حولها، تدخل شغاف القلب من أول لقاء، تحاكي زقزقة العصافير بضحكتها، وتغار الشمس من شعرها الذهبي، اللطيفة المؤدّبة.. لماذا يتمزّق جسدها الغضّ وأجساد رفاقها على هذه الشاكلة من التوحش؟ لماذا؟ وألف لماذا؟

أصبت بالغثيان وأنا أتابع الفيديوهات التي حملها الفيسبوك.. هنا السرفيس الذي أقلّهم يحترق، على بُعد كيلومترين من القرية، بعد أن وصلته يد البطش.. وهناك خلف الرجوم البازلتية، الصدمة عقدت الألسن، كان المنظر من البشاعة ما يشيب له رأس الوليد. ثمانية جثثٍ مزّقها الرصاص واصطبغت الحجارة والتراب بدمائها؛ ممزقة الثياب، مشوهة الوجوه والأجساد بوحشية مفرطة؛ كأن سرباً من الضباع أو الوحوش الكاسرة مرّ من هنا.

صورٌ لسيارات الإسعاف، وبضع سيارات عسكرية، وصلت قبيل المغيب، بعد انتهاء المعركة، لنقل الجثث وإسعاف المصابين إلى المستشفى.

قرى اللحف الغربي من “السويداء”، منطقة مواجهة مع “جبهة النصرة”، المتمركزة في حضن “اللجاة” الغربي منذ سنوات. “جبهة النصرة” التي سلبت من النظام قواعده العسكرية والصاروخية الستة، بين “درعا” و”السويداء”، والتي كانت أسوأ من النظام في التعامل مع الناس، الثائرين وغير الثائرين. والنظام ترك أهل هذه الخاصرة لمصيرهم، يتصدّون لهجمات قطاع الطرق بشبابهم وفتيانهم وأسلحتهم الفردية القليلة، وهم يواجهون قطاع الطرق و”جبهة النصرة” المسلحين بالرشاشات الثقيلة والصواريخ والقنابل والآليات المختلفة، حيث كانت أقرب وحدة عسكرية للنظام، تقبع على بعد عشرين كيلومتراً شرقاً، وليس معها أمر بالردّ على الاعتداءات المتكررة على أهالي قرى اللجاة، بل تنتظر أوامرها من الجهات العليا.

قرأت على صفحة فيسبوكية، لأحد أبناء “زهرة اللجاة” المشارك في المعركة الأخيرة هذه، يقول: (السائق أخذ بندقيته والمذخّرين المملوءين من تحت كرسيّه، حين رأى الطريق مقطوعاً بالحجارة، وتولّى حماية المجموعة العزلاء التي معه، بالرد على مصادر النار.. طلقةً هنا وطلقتين هناك، وأخذوا ينسحبون شرقاً، محتمين بالصخور والرجوم.. وصل عناصر النصرة (المهاجمون) والبدو الداعمون لهم إلى السرفيس، وأضرموا فيه النار، وتابعوا شرقاً في أعقاب المجموعة الهاربة، يمطرونها بوابل من الرصاص لا ينقطع.

فرقة حراسة “زهرة اللجاة”، المتمركزة في أعلى نقطة من المدخل الجنوبي للقرية، استنفرت وطلبت النجدة عبر مكبر الصوت. اندفع عشرة من الشبان المسلحين المكلّفين بحماية القرية، لإنقاذ الركاب الهاربين شرقاً، فتصدّت لهم مجموعة من البدو و”النصرة”، كامنة في منتصف المسافة، قاطعة عليهم الطريق، فمنعتهم من الوصول إلى السرفيس الذي بدأت النار تلتهمه، ومن نجدة الركاب.

بعد أقل من ساعة، سائق السرفيس يتحدّث بالهاتف مع أخيه المقاتل من جهة القرية: «نفدت ذخيرتي وأصيب اثنان من الشباب معي، إصابة أحدهما خطيرة، لا بد من نقله إلى المشفى، تحرّكوا بسرعة، نحن شرق الرجمة السودا بنصف كيلومتر، والبدو يقتربون…».

اشتدت المعركة مع وصول عشرات المدافعين المسلحين من القرية، واستقتلوا لفتح ثغرة ينجدون من خلالها المحاصرين الثمانية. القرية كلها استنفرت. ومع بدء تساقط قذائف الهاون بالعشرات على البيوت من جهة الغرب، استنفرت القرى المجاورة، وبدأت طلائع نجداتها المسلحة بالوصول، من الجنوب ومن الشمال. بدأت كفّة المدافعين عن القرية ترجح، وكفة البدو والنصرة تضعف، فأخذوا يتراجعون منسحبين صوب الغرب، بعد ثلاث ساعات من التطاحن والاستقتال، أصيب خلالها العشرات من الطرفين. وحين انسحب البدو غرباً، وصل المدافعون إلى مخبأ الركاب الفارين، وكانت الصدمة…..).

الصدمة جعلتني سراباً هائماً لأيام تلت. كوابيس وأحلام مشتّتة. “مرح” زارتني مرات تضحك وتلعب، كانت أرجوحة فرح على غير هدوئها وبهائها الرزين. قالت بصوت يشبه الرعد مرّةً: «هل أصدّق أن الطائرات التي دكّت معظم المدن السورية، ببراميلها المتفجّرة وصواريخها الفوسفورية، وجعلتها ركاماً وخراباً، عاجزة عن حفنة من المرتزقة والبدو، في مساحة لا تزيد عن مساحة أي مدينة استباحتها غارات طائرات النظام وحلفائه؟ لا يقنعني أحد بأن هؤلاء الوحوش يختلفون عن أمن النظام ووحوشه، التي قتلت مئات الألوف وشرّدت الملايين في أربع جهات الأرض، كلاهما وجهان لعملة واحدة….».

“مرح” أيتها الرقيقة المسافرة إلى الكواكب البعيدة، أنت ورفاقك ومئات الآلاف من أبرياء شعبنا، أنت على حقّ فيما تقولين.. وأنت على حقّ في تفسير ابن خلدون تفسيراً عميقاً، لم ترْقَ إليه مخيلتي المحايدة.. حياة الوعر علّمتكِ عبور المسالك الصعبة، وجبلتكِ على قساوة البازلت وحنانه.. أراك كل ليلة تشعين في سمائي نجمة الصباح، وترسمين للآتي أحلام العاشقين… لتهنأ روحك بالسكينة والسلام.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

تجاعيد، على وجه القلب

في صيف عام 2016 كان أغلب السوريين مُقتَلَعين من جذورهم السكنية، أغلبهم مُشرَّدٌ في مُدنٍ غير مدنهم، ينزحون داخل سورية أو يتشردون في كل دول العالم؛ نحن الهاربين من هذه الحرب الشنيعة، أو بفعل الحصار والتهجير القسري. لم يكُن بيد أم محمد ذات الستين سنة، إلَّا أن تنزح مع زوجات أولادها الثلاث وأولادهنَّ نحو محافظة […]

اعرض المزيد

سرداب البول “2”

بتؤدةٍ نترجَّلُ من الباص الأبيض الذي مرّ بشوارع حلب، كنت أتذكّر الفراغ الهائل في الشوارع، من داخل الباص وأنا مقيّد اليدين إلى أيادي أصدقائي البقية، أحاول أن أرى وجهاً في الخارج أتذكّره علّني أناديه كي يساعدني ويخرجني من جحيم هذا المربع المتنقِّل منذ أسابيع، لكنني أفشل، أقول في سرّي: سنواتٌ طويلة أمضيتها في حلب المدينة […]

اعرض المزيد

جوان تتر
يسردها جوان تتر

أرجوحة الكبار

صديقتي الجامعية “هيلانة” تروي، وأنا ادوّن ما ترويه “هيلانة”. أنطلقُ من “ساحة السير” وسط مدينة “السويداء” باتجاه حيّ “الملعب البلدي”، مسافة ميلين، قطعتها على الأقدام رغم الحرّ والشمس الساطعة، لنجلس “هيلانة” وأنا، على شرفة منزلها الشمالية الظليلة، القهوة أمامنا، وأمامنا ساعات لرواية اختفاء ابنة جيرانهم “حسناء”، ابنة “أبو تيسير”. لم تكن “هيلانة” تعلم أنها المرّة […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories