الخوف من الماء

شارك القصة

الكلاب تلتهم القطط، القطط تلتهم الجرذان، الجرذان تلتهم الجثث المتفسخة للبشر الذين قُتلوا تجويعا، البشر يلتهمون عشبة تعافها الأنعام اسمها رجل العصفور أو رجل العصفورة (إذ إني أجهل الفارق التشريحي ــ إن وجد ــ بين رِجل ذكر هذا الطائر البديع ورِجل أنثاه). كانت سلسلة غذائية طبيعية ومميزة في آن. ولنبدأ بأول هذه السلسلة، الكلاب، وتحديدا الكلاب الضالة منها.

والكلب الضال ــ في قاموس أشباه الأحياء القاطنين وراء الحاجزــ هو من لا يجد والدين يعترفان به، ويقران بأنهما جاءا به إلى هذا العالم. وشبه الحي هو مرتبة مستقلة من مراتب الوجود، لا هو بالميت فيرتاح، ولا بالحي فيتصرف مثل كائن حر مختار مسؤول، ولا بالزومبي.

ولأنه كلب ضال، يتحكم بخبزه كل هوام الأرض.
لأنه كلب ضال، ينبح ولا أحد يستجيب لنباحه.
لأنه كلب ضال، لا يزن مصيره عند أصحاب القرار ذرة من خراء.
لأنه كلب ضال، تأكله البراغيث.
لأنه كلب ضال، لا تسأل عنه سلطة، ولا منظمة، ولا فصيل، ولا هيئة، ولا مؤسسة، ولا جمعية رفق بحيوان.
لأنه كلب ضال، تهرب منه الحياة كما تهرب من جمل أجرب.
لأنه كلب ضال، يتدلى لسانه مثل جورب عتيق.

لكنني لن أتحدث عن البشر الكلاب، بل عن الكلاب الكلاب، الكلاب الضالة التي ازدهرت في مخيم اليرموك إبان حصاره، الكلاب ذوات الأطراف الأربعة والذيل الواحد، الكلاب التي تسبب الكَلَب. استأنس الإنسان الكلب (الذي هو في أصله ذئب) قبل عشرة آلاف سنة، وهناك دراسة حديثة مفاجئة أظهرت أن هذا قد يكون تم قبل أربعين ألف سنة. تخوض هذه الدراسة في تفصيلات عديدة وشائقة وتطرح تنبؤات مثيرة، لكنها للأسف لا تبين للقارئ متي سيتمكن الإنسان من استئناس الإنسان.

والكَلَب مرض قاتل بشكل حتمي. وتشبه المعركة معه المعركة مع الطاعون كما وصفها ألبير كامي: “كل ما يستطيع الإنسان أن يربحه في معركة الطاعون والحياة هو المعرفة والتذكر!” والوسيلة الأجدى والأقل تكلفة للوقاية منه ــ وفق منظمة الصحة العالمية التي يخيل لك أحيانا أنها تقطن كوكبا آخر ــ هي تلقيح الكلاب. لكن أن نطلب مثل هذا ــ في مكان كنا نقيم الدنيا فيه ولا نقعدها أجل إدخال لقاحات الوِلدان والأطفال، دعوا عنكم الأدوية ــ سيبدو بذخا لا يليق بأبناء عاصمتنا في الشتات، وتحميلا للعالم فوق طاقته (يكفيه ما فيه).

الكلَب إذن، هذا المرض القاتل، مصدره الكلاب المصابة، تنقله بعضاتها. “أطفئ لظى القلب بشهد الرُضاب” لكن رضاب (لعاب) هذه الكلاب غني بفيروسات الكلَب لا بالشهد، وهذه لا تُطفئ لظى أو عود كبريت، بل تسبب ارتفاع حرارة شديدا وألما مكان العضة قبل أن تنتقل إلى الدماغ والنخاع الشوكي. ثم تعود الأمور طبيعية، فترة هجوع زائف، هدنة ماكرة. يحب كثير من الكائنات المجهرية جهازنا العصبي المركزي، وهي تعرف آلية عمله وكيف تستثمره أفضل منا بكثير. حين يصل الفيروس إلى الجهاز العصبي المركزي، يتكاثر هناك، ويسبب التهابا في الدماغ والنخاع الشوكي.

اللعنة! رهاب الماء، الخوف المرضي منه. هذا لا علاقة له في هذا السياق بخشيتك السباحة أو الغرق، ولا بكره القطط للاستحمام. لقد خرّب الفيروس خلايا نضال العصبية، وبدأت عضلاته تصاب بالشلل.

ارتاحت الولايات المتحدة الأمريكية من مشكلة الكلاب، وصارت الخفافيش عندها هي الناقل الرئيس للمرض. في اليرموك، كان عندنا أسراب من الخفافيش، لكنها خفافيش من طراز آخر. سوداء كقطع الليل، تقتات على الدماء واستعلائها الأجوف، لا تعيش في الكهوف والمغاور، بل إنها تتجول في وضح النهار فارضة أحكامها وعمى أبصارها وبصائرها على الجميع. المشكلة أنه ما من وسائل تشخيصية تكشف المرض قبل ظهور الأعراض، وحين تظهر الأعراض يكون الوقت قد فات.

لما استدعتني ممرضة قسم الإسعاف من عيادتي في المجمع الطبي الخيري، وجدت طفلا اسمه نضال (لا يزال الفلسطينيون يسمون جهاد ونضال وكفاح و … تنسيق). كان مهتاجا بشدة، عدائيا، لا يريد أحدا أن يقترب منه. خيل لي أني أعرفه، ربما كان واحدا من طلاب اليرموك الذين أقمنا لهم حفل تكريم بمناسبة انتهاء العام الدراسي 2014- 2015، كان يرتدي قميص ميسي، والرقم 10 بالتأكيد. إيش مشكلته؟ سألت أمه.

  • إلو يومين هيك حكيم، ما عم نسترجي نحكي معه أو نقرب عليه.
  • وليش في ضماد على إيده؟
  • عضه كلب من فترة، وأخد إبرة كزاز ومشي الحال.
  • إبرة كزاز؟
  • المشكلة حكيم إنه ما عاد أكل، وما عاد شرب مي نهائيا، ولا حتى عم يطيق يشوفها.

اللعنة! رهاب الماء، الخوف المرضي منه. هذا لا علاقة له في هذا السياق بخشيتك السباحة أو الغرق، ولا بكره القطط للاستحمام. لقد خرّب الفيروس خلايا نضال العصبية، وبدأت عضلاته تصاب بالشلل. قد يبدأ الأمر بعضلات البلعوم والمريء فتحدث صعوبة شديدة في البلع تجعل المريض يخاف الماء وشربه. لكن الشلل سيصيب العضلات كلها في بضعة أيام ويتوقف القلب والتنفس.

“الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر بداية الشفاء”. ما عندي أدنى شك في مبلغ قامة ابن سينا من الطب والفلسفة:

“لما عظمتُ فليس مصرٌ واسعي …… لما غلا ثمني عدمتُ المشتري”

 لكن وصفته الطبية هذه لن تفيدني شيئا في علاج نضال، لا هي ولا كل أدوية هذا الكوكب الأزرق الجميل. ثم ماذا أقول لأمه؟ أصارحها بالحقيقة؟ أم أشبثها بأمل زائف؟ أم أنعي لها ولدها قبل رحيله؟ مشيت وأنا أفكر بمعضلة ألبير كامي حين كتب: “أعليَّ أن أقتل نفسي أم أحتسي فنجانا من القهوة؟” معضلة! ومعضلات الوجود كثيرة. والطب نصفه صحيح ونصفه غلط. لكن المشكلة أننا نجهل أي النصفين هو هذا، وأيهما ذاك. ليست هذه أول مرة أتعرض فيها لموقف مثل هذا، هذا خبز الأطباء وقهوتهم اليوميان. لكن الأمر كان مختلفا كثيرا هذه المرة. ربما لأني كنت مرهقا إلى درجة القرف، مصابا بكلَب من نوع مختلف. وربما لأني كنت مشغول الفكر بالمسؤول الحقيقي: أهو من أعطى نضال حقنة كزاز واكتفى بهذا؟ أم من لم يغسل العضة جيدا بالماء والصابون والبوفيدون (وكان هذا كفيلا بالحيلولة دون الإصابة)؟ أم “الرب” الذي حاصر المخيم ودمره وجوّعه وتسبب بظاهرة الكلاب الضالة المسعورة؟ أم آلاف الأطباء والصيادلة والممرضين الذين غادروا المخيم إثر ضربة الميج في 16 كانون الأول 2012؟ ليست المسألة بحاجة إلى كبير تعمُّقٍ في الفلسفة. الجواب بسيط: الكلْب هو المسؤول. الكلْب الذي استأنسناه منذ عشرة آلاف سنة (وربما أربعين ألفا) وهو ذا يخونك من أجل عضة لا تسمن، ولا تغني من جوع.

مات نضال في السادس من تشرين الثاني عام 2015 وفي ختام التقرير الطبي الخاص بوفاته، كتب أبو بكر الرازي: “فالإنسان ليس يناله من الموت شيء من الأذى بتّة، إذ الأذى حس، والحس ليس إلا للحي وهو في حالة حياته. فإذا قيل: ليس في الموت لذائذ الحياة، قلنا: ليس بالميت حاجة إليها، ولا له إليها نزوع”.

.

.

.

*اسم اللوحة: “أسوأ أسبوع على الإطلاق”  للفنان Cole Ryan وهي تمثل مريضا مصابا بالكلَب.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

معطفٌ من نار

سُئل الكاتب والفنان الفرنسي “جان كوكتو” مرة: لو أن حريقاً شب في منزلك، فماذا سيكون أول شيء تخرجه منه؟ فأجاب من فوره: النار! عدا عن كونه ذكياً، فقد كان “كوكتو” محظوظاً. على الأقل كان هناك نار في بيته. نار يطهو بها طعامه، نار يستضيء بها في ليل كهفه، نار يستدفئ بها في الأشتية اللعينة، نار […]

اعرض المزيد

جُليفر في مخيم اليرموك

حدثنا “جوناثان سويفت” قال: لقي الجرّاح والقبطان البحري “د.ليموِل جُليفر” جارية تبكي فقال لها: ما لك؟ قالت: نريد أن نعتفد. و(اعتفد الرجل) وفق أبي عمرو بن العلاء: أغلق بابه على نفسه لا يسأل أحدا حتى يموت جوعا. ثم أنشد أبو عمرو: وقائلةٍ: ذا زمان اعتفادٍ ….. ومن ذاك يبقى على الاعتفادْ؟ وكان د.جليفر لكثرة ما […]

اعرض المزيد

ليس بالخبز وحده يموت الانسان

أحد الكاتبَين أهداه عمٌّ له تلسكوبا في عيد ميلاده السادس، والآخر ضل طريقه في غابة ما عندما كان في السن ذاتها ولم يجد غير تأمل سماء مرصعة بالنجوم ليؤنس وحدته ووحشته، وكان هذان الحدثان السبب المباشر في جعلهما عالمَيْ فلك مرموقين. في تشرين الثاني من عام 2004، نظر هذان العالِمان إلى الكون بوصفه حاسوبا هائلا. […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories