جناح السرطان

شارك القصة


تفشى الطاعون في وهران، فأُغلِقت المدينة على سكانها وطبيبهم برنار ريو والجرذان. ولو أنك سألت ألبير كامي عن تعريفه للطاعون لأجابك: ” إنه الحياة، هذا كل ما في الأمر”. والحياة، عند فيلسوف له فكر كامي: وباء، سجن، حَجْر صحي. وما نحن الأحياء -إن جاز الوصف- إلا مرضى، سجناء محكوم عليهم بانتظار الموت.

“إذا ما تأملتَ الزمان وصرفه ….. تيقنتَ أن الموت ضرْب من القتل”

كان واضحا لدي، منذ اللقاء الأول، أن “أبو رائد”، السبعيني ذا التاريخ النضالي على الصعيد الفلسطيني، قد توصل إلى هذه القناعة منذ أمد، وسكنتْ إليها نفسه. جاءني أول مرة لأن مثانته عاجزة عن إفراغ ما فيها من البول. هكذا قال، إلا أنها لم تكن الحقيقة. كانت مثانته تعمل بشكل أفضل بكثير من منظمة التحرير الفلسطينية مثلا. لكنه مصاب منذ فترة بسرطان في غدة البروستات. في كل مرجع طبي يُعنى قليلا بالتاريخ، تجد قصة مختلفة تروي لك سبب تسمية السرطان باسم ذلك الكائن القشري الذي يشكل مع البطلينوس والقريدس والمحار والكركند مائدة شهية من ثمار البحر. الأمراض قصص نحن رواتها وأبطالها. في حالة “أبو رائد”، كان السبب هو أن هذا الحيوان أنشب مخالبه جيدا بحيث بات عصيا على الاستئصال الجراحي التام. ليس هذا فحسب، بل أنجب فراخا عششتْ في رئتي “أبو رائد” وعظامه. فراخا تسمى في الرطانة الطبية: نقائل سرطانية. لكن ماذا يهم الاسم؟ ما يهم هو أن “أبو رائد” يخضع لعلاج كيميائي للتخلص من هذه الفراخ، وأنه منقطع عنه منذ فترة بسبب الحصار. والفراخ تكبر، ويشتد عودها، وتسمك قشرتها، وتقوى مخالبها. و”أبو رائد” يهزل هزالا سريعا (لم تكن المجاعة قد ضربت أطنابها بعد هي الأخرى، لكنه السرطان). و”أبو رائد” يعاني آلاما مبرحة كنت عاجزا تمام العجز عن تخمين كيفية تحمله إياها. لعلها فلسفة كامي السابقة كانت تعينه.

توثقت علاقتي به أكثر. كان يعيش بعيدا عن عائلته التي تقيم في الأردن. زرته مرارا في بيته الذي كان حريصا على إبقائه مرتبا نظيفا، مثلما كان حريصا على العناية بنباتات الشرفة. كان عنده الكثير من مواصفات ربة منزل مثالية. زارني أيضا في بيتي. أحضر لي مرة طبقا من إعداده أسماه رزّاً بالزعفران، في صحنِ سيراميكٍ مزخرف بأوراق العنب ومغلف بالنايلون. كان الرز شهيا، وضروريا لطبيب بدأ يهزل هو الآخر، حتى إني احتفظت بالصحن في مطبخي ولم أُعِدْه له.

بعد أشهر من العلاج العرَضي التلطيفي، ومحاولة دعمه نفسيا (وفي كثير أحيانٍ كنت أنا من يستمد القوة والدعم النفسي منه) استطعنا أخيرا تأمين سبيل لإخراج “أبو رائد” من المخيم، ثم إلى الأردن، ليتوفى في أحد مشافي عمّان بعد خمسة أيام من دخوله إياه.

 لم يكن “أبو رائد” وحده ضحية هذا الحيوان القشري. كانت لدينا طبيبة أربعينية ماتت من سرطان الرحم. ومريض آخر، أبو هادي، جاءني يبول دما: كان للورم في مثانته ــ كما بدا لي عبر الإيكو ــ  منظر الشعاب المرجانية. أهذا الوصف الشعري مناسب هنا أو جائز أخلاقيا؟ لا أعرف. أعرف أن المريض قرر أن يعالج نفسه بالزنجبيل. أبناؤه كانوا ضمن “قائمة الإرهاب السوداء”، وموضوع مغادرة المخيم بغرض العلاج كان يندرج عنده تحت بند “غير المفَكَّر فيه” فالحواجز لن تدرك أنه عجوز مدني مريض. وكان الورم يكبر في كل مرة كان يراجعني فيها للمتابعة. وكما في حالة “أبو رائد”، كنت عاجزا مرتين: مرة بصفتي طبيبا، ومرة لكون هذا المرض في صلب تخصصي. “وأما العلل مستحيلة البرء” يقول أبو بكر الرازي في رسالته (أخلاق الطبيب): “فمثل السرطان والجذام والبرص”. ليس السرطان الآن من العلل مستحيلة البرء. لكنك في مخيم اليرموك، حيث تكثر الأشياء المستحيلة والأسئلة الفلسفية والمعضلات الأخلاقية ومحاولات فهم النفس: أصيب “ألكسندر سولجينتسِن” بالسرطان، ومن وحي تجربة إقامته في شعبة/جناح مرضى الأورام في أحد مشافي طشقند ــ كان ذلك بعد موت جوزيف ستالين بسنتين ــ كتب روايته “جناح السرطان”. المرضى كلهم طبعا مصابون بالسرطان، وكلهم مواطنون في الاتحاد السوفييتي العظيم. سوى ذلك، فلكل واحد منهم قصته. يصر “سولجينتسن” أن روايته هي عن السرطان، فيما يصر النقاد أنها تشريح للنظام السوفييتي القمعي البوليسي السرطاني، وتحليل نفسي للإنسان في مواجهة الموت ومعنى الحياة وفكرة المسؤولية الأخلاقية. يحسد أحد المرضى زميله المريض لأنه كان سجينا سياسيا سابقا: “على الأقل لم تكن مضطرا للكذب” يقول له: “أما نحن الأعداد الهائلة من الروسيين فكنا نصفق للمسؤول عن اعتقال ونفي ملايين من الأبرياء”.

لم تكن عائشة إحدى شخصيات “جناح السرطان”، كانت امرأة من مخيم اليرموك ينهش الورم ثديها الأيمن. والنهش هنا وصف دقيق، فقد كان سرطانا من النوع التقرحي الذي أخذ يلتهم ثديها شيئا فشيئا. وكانت لامبالاة عائشة بمرضها خرافية. وحتى لو كان العلاج متوفرا، ما كانت عائشة لتخضع له. لم؟ ربما لأنها سألت نفسها: وماذا سأفعل بعد أن أتلقى العلاج أو أشفى من المرض؟ وربما وجدَتِ الإجابة غير مشجعة على اتخاذ مزيد من الإجراءات. صمد الصحن الذي أحضر لي فيه “أبو رائد” رزّه الزعفراني ثلاث سنوات بعد رحيله، ثم انكسر

.

.

.

لوحة cancer ward للفنان Kevin Weaver



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

العشاء الأخير مع أم محمود

حين كنت أسمع صوتها، أو ضجيج دراجتها ثلاثية العجلات، كانت جملتي العصبية تستنفر: لا بد أن مسناً لم يتبرز منذ عشرين يوماً، أو مسنّة انتفخ بطنها وتوذّمت ساقاها من احتباس السوائل، أو ثالثاً وثالثة ظهرت عندهما مضاعفات الداء السكري… وقد انتقت “أم محمود” عينة مرضاها ببراعة جامعٍ للطوابع النادرة: فصغيرهم تجاوز السبعين من عمره، ومحظوظهم […]

اعرض المزيد

أطفال اللعنة في بؤس اليرموك

سجلتُ اسمي في قائمة المرضى المنتظرين لأتمكن من مقابلة الطبيب “معاوية محمد”، وكنت أراهن على سعة صدره بأن تغفر لي حيلتي:  ــ لماذا بقيتَ في المخيم ولم تغادر مع من غادروا؟  ــ لأنني ببساطة كنت نائما ساعة النزوح الكبير.  ــ أسألك جاداً!  ــ وأنا أجيبك نصف جاد نصف مازح. من طبعي أنني أكره النوم حين أكون يقظا، وأكره الاستيقاظ حين […]

اعرض المزيد

ريسبيريدين

دخلت أمل، ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً، عيادتي في المجمع الطبي الخيري، بعد أمها. ولم أكن أحسبها تشكو شيئا. الأم هي من بدت منهكة مريضة، لم تنم لأيام، وهي من باشرت حديثاً أو شكوى شعرتُ أنهما لن يفضيا إلى شيء. وكنت كعادتي، كما أمارسها مع سائر المرضى، سأمنحها دقيقتين من “التداعي الحر” قبل أن أبدأ تدخلي […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories