العشاء الأخير مع أم محمود

شارك القصة

حين كنت أسمع صوتها، أو ضجيج دراجتها ثلاثية العجلات، كانت جملتي العصبية تستنفر: لا بد أن مسناً لم يتبرز منذ عشرين يوماً، أو مسنّة انتفخ بطنها وتوذّمت ساقاها من احتباس السوائل، أو ثالثاً وثالثة ظهرت عندهما مضاعفات الداء السكري…

وقد انتقت “أم محمود” عينة مرضاها ببراعة جامعٍ للطوابع النادرة: فصغيرهم تجاوز السبعين من عمره، ومحظوظهم يعيش غالباً وحده بعد أن هجره أو تشتت أبناؤه في أصقاع المعمورة والمخروبة، وسليمهم يعاني ثلاثة أمراض مزمنة على الأقل. تزورهم ــ قبل الشحّادة وبنتها ــ تطمئن عليهم، تعطيهم دواءهم، ترفض قهوتهم، تتأكد من تزود منازلهم بالماء، تسحب عينات دمهم لتحليلها، بل وتصطحب معها شابين أو ثلاثة ــ ممن لا ذنب لهم إلا أنها تعرفهم ــ لينظفوا منازل مُسنّيها.

يرى بعضهم الحياة على هذه الأرض رحلة مؤقتة على الدرب نحو القيامة، يراها بعضهم الجُلجُلة نفسها، يراها آخرون فسحةً من الوجود ميكروسكوبيةَ الأمد بين عدَمَيْن… في مخيم اليرموك كانت الحياة مستنقعا من مياه الصرف الصحي. وفي مستنقع كهذا، من الخَبَل أن تتخيل البعوضَ فراشاتٍ وعصافيرَ زرقاء، ورائحةَ كبريت الهيدروجين مادةً أولية لصناعة المسك. “أم محمود” كان عندها هذا الخبل، ولعله هو ما كان يعينها على العمل مثل نملة دؤوب، نملةٍ هي نفسها بحاجة إلى طاقم طبي متخصص يعالجها من أمراضها.

لم يكن السواد خيّم على اليرموك بعد، كان نهارا أبيض حين نادت علي “أم محمود” لأول مرة كي نزور مريضا. الطقس بارد جدا، والثلج ينهمر بغزارة، والأرض سجادة وثيرة سميكة من كوكائين هش مقرمش بارد. مجنونان فقط أو عاشقان من يخرجان في مثل هذه الساعة، لكن أم محمود تعرف كيف تبتزني: “المريض مُقعد ويصعب جدا أن يغادر منزله”. وكان المريض هو “أبو علي”، الذي سيحتل لاحقا مكانه الخاص من ذاكرتي.

كنت بحاجة إلى بضع وعشرين يدا كي أستطيع العمل في تلك الظروف، وكانت “أم محمود” عددا من هذه الأيدي. وكنت بحاجة إلى من يظل يقنعني بجدوى المسير والتحمل، وكانت أم محمود واحدة من ثلة ضئيلة تكفّلتْ بهذه المهمة. وكنت بحاجة إلى مشعوذة خبيرة بالأدوية المفردة والمركبة وطرق الحصول عليها، وكانت “أم محمود” هذه المشعوذة. بل كانت عينان إضافيتان لي ــ إن استثنينا عدستَيْ نظّارتِي ــ حين تأتيني بدفترها الصغير الذي سجلتْ عليه أعراض مرضاها، وعلاماتهم الحيوية، و”ملاحظاتها” السريرية:

  • إذن ضعي للمريضة قثطرة بولية، وخذي عينة من بولها للتحليل.
  • وأبو عبده؟
  • بكرة بمر عليه وأنا في طريقي للمجمع.
  • وسميرة؟
  • مراقبة الضغط وسكّر الدم مرتين يوميا، الله يعينك.

يُذكّرني أخي: “لا تنس أنها كانت الوحيدة التي تزورك حين يعتريك واحد من آلامك الكثيرة”. لم أنْسَ، ولا أنسى أيضا كيف أمطرتْ علي مرة نصف كيلو من السكر (في وقت كان فيه هذا المسحوق نادر ندرة اليورانيوم في مفاعلات اليرموك النووية). تذرعتْ حينها أنها لا تشرب الشاي ولن تستخدم هذا السم الأبيض الفائض عن حاجة مطبخها. ولا داعي للقول أنها لم تواجه أدنى صعوبة في إقناعي بقبول عطائها الثمين حلو المذاق.

واستمرأت “أم محمود” على ما يبدو فعلنا ذاك، وصارت عادتها اليومية أن تمر علي يوميا لنقوم بجولات الاستنارة تلك. ومع أن الرب لم يقل لهما بصيغة الجمع: “اشفوا مرضى، طهروا بُرصاً، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين” إذ لم يكن في حقيبتيهما من الأدوية ولا في أيديهما من المعجزات شيء جدير بهذا العبء، لكنه قال: “مجانا أَخذتم، مجانا أَعطوا” وذكَّرَهم بشيء بديهي جدا، بديهي إلى درجة أن الجميع ينسونه أو يتناسونه: “ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب، بل المرضى”. ومَضَيا، كانت تحفظ عناوين بيوتهم وشجرات أنسابهم مثلما كنت أحفظ مطلع ألفية ابن مالك.

أنهك العمل مفاصلها، ركبتها اليمنى لم تعد ــ من الناحية التقنية ــ مفصلا: صارت التحاما حميما مؤلما لعظمتين تئنان تحت وطأة الجسد والحصار. وكأنه لم يكن ينقصني إلا أن ينضاف مريض إلى قائمة المرضى الذين يداويهم طبيب هو نفسه يجمع كل أحرف العلة. وأي مريضة! تريد أن تشفى دون أن تلتزم بنصائح معلمها: كان أن أطلب منها أن ترتاح قليلا في بيتها ــ إن لم يكن من أجلها فمن أجلي ــ شيئا شبيها بأن تأمر ورقة خضراء بالكفِّ عن التركيب الضوئي. وما من دواء أعطيتها إياه إلا ظهرتْ عليها كل تأثيراته الجانبية. كانت مريضا من النوع الذي يتعوذ منه أي طبيب، وكنت بدوري أتعوذ منها، وأعوذ بها حين أمرض.

ولعلها ضاقت ذرعا بي وأنا أقلد ــ بمناسبة أو دون مناسبة ــ مشيتها العرجاء، فكان أن استعانت بادئ الأمر بطرف ثالث تسميه المعجمات عكازا. ولما صار هذا العكاز بحاجة إلى عكاز، انبثقت من الصخر دراجتها الشهيرة: “موتور أم محمود” الذي تجمعني به صورة نادرة في المكان الذي كان حارتي، قرب الجدار الخلفي لما كان “فرن دير ياسين”، وعلى رأسي الطاقية التي تخفي تحتها شعري الطويل الأشعث الذي كان يغيظها أيما غيظ.

في الخامس من أيار 2018، وكنا حينها في بلدة يلدا وعملية تطهير اليرموك من رجسنا حققتْ أهدافها، جمعَنا العشاءُ الأخير مع “أم محمود”. كان ذلك في الليلة التي ستسبق توغل القافلة الخضراء بنا صوب الشمال: “خضرٌ مرابعُنا، وأفقي قاحل”. كان العشاء من إعداد أخي مأمون، ودعونا إليه “أم محمود” وبعض المعارف. لا! لم يبلغ عددنا ثلاثة عشر، لم يُخلّده ليوناردو دافنشي في لوحة مليئة بالألغاز، لم يكتسب سحرا ورمزية وقداسة، لم تسكب فيه “أم محمود” عطر الناردين الثمين على رأسي أو تجفف قدميَّ بشعرها، لم أتنبأ فيه بمجيء ملكوت السماء بل الباصات الخضر. والوثيقة الوحيدة التي تؤكد حدوثه -عدا ذاكراتنا- هي فيديو صوّرتْه أختها. وحين طلبتُ من أخي منذ أيام أن يُرينيهِ كي أستعين به في كتابة هذا النص، نظرتُ مليّا في وجه “أم محمود” وكان شاعر أجهله يقول:

ما أنْسَ لا أنْسَ منها إذ تُودِّعُنا … والحزن منها ــ وإن لم تُبْدهِ ــ بادي

كان زيّها الفلسطيني التقليدي وهي تمتطي صهوة ناقتها ثلاثية القوائم، علامةَ حياةٍ فارقةً في مخيم يأكل الموت أوصاله.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

أطفال اللعنة في بؤس اليرموك

سجلتُ اسمي في قائمة المرضى المنتظرين لأتمكن من مقابلة الطبيب “معاوية محمد”، وكنت أراهن على سعة صدره بأن تغفر لي حيلتي:  ــ لماذا بقيتَ في المخيم ولم تغادر مع من غادروا؟  ــ لأنني ببساطة كنت نائما ساعة النزوح الكبير.  ــ أسألك جاداً!  ــ وأنا أجيبك نصف جاد نصف مازح. من طبعي أنني أكره النوم حين أكون يقظا، وأكره الاستيقاظ حين […]

اعرض المزيد

ريسبيريدين

دخلت أمل، ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً، عيادتي في المجمع الطبي الخيري، بعد أمها. ولم أكن أحسبها تشكو شيئا. الأم هي من بدت منهكة مريضة، لم تنم لأيام، وهي من باشرت حديثاً أو شكوى شعرتُ أنهما لن يفضيا إلى شيء. وكنت كعادتي، كما أمارسها مع سائر المرضى، سأمنحها دقيقتين من “التداعي الحر” قبل أن أبدأ تدخلي […]

اعرض المزيد

جناح السرطان

تفشى الطاعون في وهران، فأُغلِقت المدينة على سكانها وطبيبهم برنار ريو والجرذان. ولو أنك سألت ألبير كامي عن تعريفه للطاعون لأجابك: ” إنه الحياة، هذا كل ما في الأمر”. والحياة، عند فيلسوف له فكر كامي: وباء، سجن، حَجْر صحي. وما نحن الأحياء -إن جاز الوصف- إلا مرضى، سجناء محكوم عليهم بانتظار الموت. “إذا ما تأملتَ […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories