آخر قصائد عصام

شارك القصة

المعلومة “الطبية” الوحيدة التي حصلت عليها من “أم محمود” في ذلك الصباح المثلج أن مريضنا الذي سنزوره، واسمه عصام العم علي، أو “أبو علي”، يحفظ الشعر ويكتبه.

– من شاعرك المفضل؟ سألتُه فور دخولي غرفته.

– المتنبي!

قالها بصوته ذي القرار العريض بثقة كما لو كانت بديهة من بدائه إقليدس، أو أن المتنبي هو حرفيا الشاعر الوحيد الذي أنجبته العربية. لكنه كان معجبا أيما إعجاب بقول عنترة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل … مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها … لمعت كبارق ثغرك المتبسم

ينشدهما كما لو أنه قائلهما الذي ينتظر بفارغ الصبر أن يعود إلى عبلته مضرجا بالدماء ليُسمعها أصدق غزل وأجمله. وهو ــ بخلاف عنترة ــ ضابط سابق في جيش التحرير الفلسطيني، مصاب بالداء السكري، ويعاني ارتفاعا في الضغط الشرياني ونقص تروية قلبيا.

من “القصة السريرية” ــ التي في الطب تقابل “الاستجواب” كما تمارسه المخابرات في أقبيتها حفاظا على أمن البلد من المخربين أمثالنا ــ تبيّن أن الداء السكري الذي رافقه سنين قبل الحصار فعل فعلته التي يطلق عليها الأطباء اسما طويلا رنانا، يعنينا منه أنه أَقعدَ “أبو علي” بشلل سفلي تام، وأنه يتسبب له بألم حارق شديد في أسفل ظهره وفخذيه يكاد لا يزوره إلا في الليل، مثله مثل حمى المتنبي التي “كأن بها حياءً”.

وملّنيَ الفِراش وكان جنبي … يملّ لقاءه في كل عام

عليلُ الجسم ممتنعُ القيام … شديدُ السُكْر من غير المُدام

في زيارتي الأولى تلك، كانت مرّت عليه أسابيع وهو يأكل الفجل و”رجل العصفور” وشوربة البهار. هذه “الحِمية” الغرائبية أغنتْه على ما يبدو، هو وكل مرضى الداء السكري آنذاك، عن تناول الدواء.

دخلتْ أولى السلال الغذائية التي قدمتها الأونروا مع بداية عام 2014. لم تُوفَّق زوجة عصام في استلام الكرتونة في أول يوم. لذا فإن جارتها التي كانت أكثر حظا، أخذتْها معها إلى البيت، ولَفّتْ لها “حلاوة” في رغيف خبز: “هاد إلك خيتا، كليه هلأ عبين ما أجهز رغيف لأبو علي”. كان نشاط “أبو علي”، الملازمِ لسريره دوما بحكم المرض، يقتصر على التدخين وإنشاد أبيات حبيبه المتنبي. لكنه حين عادت زوجته يومها كان نائما. وضعت “أم علي” سندويشة الحلاوة عند فمه. أحست شفتاه، تحرك لسانه، لعق قليلا، ذاب الطعام الحلو الدهني الذي افتقده طويلا طويلا في لعابه. تنبهت حليماته الذوقية. “أبو علي” لا يزال نائما، لكنه الآن يبتسم. يمص أكثر. يبتسم أكثر، ثم يتمتم: “يا الله ما أحلى هالحلم!”

– “لك قوم يا زلمة! هاد مش حلم! جِبتلّك خبز وحلاوة”.

في زيارتي الأولى تلك، كانت مرّت عليه أسابيع وهو يأكل الفجل و”رجل العصفور” وشوربة البهار. هذه “الحِمية” الغرائبية أغنتْه على ما يبدو، هو وكل مرضى الداء السكري آنذاك، عن تناول الدواء.

حين أخبراني القصة، كانت عينا زوجته تدمعان، وأبو علي يبتسم: “صحيح دكتور إني فقت، وأكلت السندويشة، بس بعدني لهلأ متاكد إني كنت عم أحلم”.

ستكون تجربة ذهنية مذهلة ومثرية، تفوق امتطاء “آينشتاين” شعاعا من الضوء أو قطة “شرودنجر” الحية والميتة في الوقت عينه، أن تتخيل نفسك ــ ولو لبضع دقائق ــ مُقعدا، جائعا، تشكو آلاما مبرحة، في غرفة فقيرة الأثاث، لا شيء من وسائل الترفيه فيها، وعزاؤك الوحيد بعضُ ذكريات من أيام جميلة أو شبه جميلة ولّت ولن تعود، وبضعةُ أبيات قالها المتنبي بنرجسيته المعهودة وحكمته السمائية:

فإن أمرضْ فما مَرِض اصطباري … وإن أُحمَمْ فما حُمَّ اعتزامي

وإن أَسلمْ فما أبقى ولكن … سلمتُ من الحِمام إلى الحِمام

ولعل هذه “العزيمة” أو التعويذة، كانت تعين “أبو علي” كثيرا، أو هذا على الأقل ما أفترضه من معرفتي بالرجل.

كنت أزوره في بعض الأحيان طبيبا يطمئن على صحته ويتابع درجة استجابته للعلاج، وفي بعض الأحيان صديقا يتبادل معه السجائر وأقداح الشاي (أعترف بأني لم أجرؤ على مجرد التفكير في نصحه بالإقلاع عن التدخين أو التقليل منه). في إحدى المرات، أسرّتْ لي زوجته وهي تُشيّعني لدى الباب: “يوم الجمعة الجاي عيد ميلاد أبو علي”.

– كم؟

– واحد وستين سنة.

بدا لي أنه أمضى طويلا على هذا الكوكب الذي يسميه “كارل ساجان” في كتاب بالعنوان ذاته: نقطة زرقاء باهتة. لم أكن يومها أتجاوز نصف عمره بأكثر من سنتين، وبالرغم من ذلك فقد كنت أشعر أني عشت سبع عشرة حياة. كيف هو شعوره إذن؟ من الضروري في ذلك الحيز من الزمَكان (الزمان ــ المكان) المسمى مخيم اليرموك ألا تُمعن في الفلسفة الوجودية، في مغزى الحياة، في وطأة الشرط الإنساني، في قول ميخائيل بولجاكوف في روايته “المعلم ومارجريتا”: كل شيء حولك ميت وكئيب يغريك بشنق نفسك على الحورة قرب الجسر.

إذن فلنحتفل ــ ولا تخبريه ــ الأسبوع القادم بعيد ميلاده، وليكن مَثلنا الأعلى موسيقيٌّ تعزف أصابعه على البيانو كأنما لا وجود هناك لشيء اسمه الغد. سيكون “أبو علي” حليق الذقن، يرتدي كنزة حمراء. وستستعصي علي الكلمات فأسطو على ديوان شاعره المفضل أبي الطيب المتنبي وسأسرق بيتا، في الحقيقة شطر بيت:

هنيئا لك العيد الذي أنت عيده…

سيُسرّ “أبو علي” إلى حد الاندهاش، ربما لم يحتفل بذكرى ميلاده من قبل، لكن الأكيد أنه لم يستيقظ يوما صباح الكريسماس ليرى بابا نويل، أو صباح الأضحى ليرى هيئة خيرية قد تركا له كرسيا متحركا يعمل ببطارية، أو ترياقا يشفيه من كل علله.

تعرفتُ على الرجل أكثر فأكثر. سهرنا معه. قصّ علينا ذكرياته. دخلْنا في مبارزات شعرية. وفي مكان موبوء يعاني من شح الدواء وغياب الوسائل الاستقصائية، كان طبيعيا أن يتدهور وضعه الصحي، وأن نسعى حثيثا ــ بجهود أشخاص أُجلِّهم عن ذكر أسمائهم ــ لإخراجه للاستشفاء في العاصمة. وحين جاءت الموافقة أخيرا، كان الأوان قد فات.

ينقل محمود درويش في قصيدته “خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام سيد البِيض” اقتباسا من الزعيم “سياتل”:

هل قلت موتى؟ لا موت هناك، هناك فقط تبديل عوالم.

ولعل “أبو علي” الآن في واحد من تلك العوالم، عالم لا وجود فيه للأونروا، عالم لا وجود فيه لمدير الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق، عالم يفهم فيه “أبو علي” جيدا، وأفضل منا جميعا، قول المتنبي:

فإن لِثالِث الحالَين معنى … سوى معنى انتباهك والمنام



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

اضمد والله يشفي

أتى زمن كانت الخطيئة فيه سببا للمرض. وكان من المعتاد أن يسأل الطبيب مريضه بغية الوصول إلى تشخيص: هل غششت في الميزان؟ هل اغتصبت منزل جارك؟ هل قلت نعم بدل لا؟ وكان من خطايا بعض اليرموكيين خروجهم على الحاكم وبقاؤهم في بيوتهم وقولهم لا بدل نعم. لذا فقد سكنت أجسادَهم الأرواحُ الشريرة. أسلافنا في العصر […]

اعرض المزيد

العشاء الأخير مع أم محمود

حين كنت أسمع صوتها، أو ضجيج دراجتها ثلاثية العجلات، كانت جملتي العصبية تستنفر: لا بد أن مسناً لم يتبرز منذ عشرين يوماً، أو مسنّة انتفخ بطنها وتوذّمت ساقاها من احتباس السوائل، أو ثالثاً وثالثة ظهرت عندهما مضاعفات الداء السكري… وقد انتقت “أم محمود” عينة مرضاها ببراعة جامعٍ للطوابع النادرة: فصغيرهم تجاوز السبعين من عمره، ومحظوظهم […]

اعرض المزيد

أطفال اللعنة في بؤس اليرموك

سجلتُ اسمي في قائمة المرضى المنتظرين لأتمكن من مقابلة الطبيب “معاوية محمد”، وكنت أراهن على سعة صدره بأن تغفر لي حيلتي:  ــ لماذا بقيتَ في المخيم ولم تغادر مع من غادروا؟  ــ لأنني ببساطة كنت نائما ساعة النزوح الكبير.  ــ أسألك جاداً!  ــ وأنا أجيبك نصف جاد نصف مازح. من طبعي أنني أكره النوم حين أكون يقظا، وأكره الاستيقاظ حين […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories