اضمد والله يشفي

أتى زمن كانت الخطيئة فيه سببا للمرض. وكان من المعتاد أن يسأل الطبيب مريضه بغية الوصول إلى تشخيص: هل غششت في الميزان؟ هل اغتصبت منزل جارك؟ هل قلت نعم بدل لا؟

وكان من خطايا بعض اليرموكيين خروجهم على الحاكم وبقاؤهم في بيوتهم وقولهم لا بدل نعم. لذا فقد سكنت أجسادَهم الأرواحُ الشريرة. أسلافنا في العصر الحجري الحديث (النيوليثي) وجدوا علاجا بديعا لهذه الآفةّ، ولنُسمِّ هذا العلاج النَقْب أو التربنة trephination. فإحداث ثقوب دائرية في الجمجمة سيتيح للرؤوس متنفسا وللأرواح منفذا تغادر منه أجسادا أثقلها الإثم والمرض.

وإذا حدث أن قرأتَ في مرجع تاريخي أن الجراحة في أول عهدها كانت قاسية بدائية همجية، وكثيرا ما تُجرى بدافع من الجهل واليأس، فلا شك في صحة ما سبق على العموم. لكن لا تنس أنه ــ على الأقل وللتخفيف من آلام المريض ــ كان الجراحون آنذاك يستخدمون الأفيونات والمسكرات بل التنويم الإيحائي أيضا. ثم لا تسل عن مدى توفر هذه المواد والتقنيات المتقدمة في اليرموك. وإن كنت تظن أن التخصص بدعة ألزمنا بها تراكم المعرفة والخطايا، فلا تنس أن المؤرخ الإغريقي هيرودوت ذكر أن الأطباء المصريين القدماء كانوا جميعا من المتخصصين فهناك أطباء لأمراض العيون، وآخرون لأمراض البطن، وغيرهم لأمراض النساء. لكنه لم يذكر شيئا عن الوضع في مخيم اليرموك منذ النزوح الكبير في كانون الأول 2012 حتى اكتمال تحريره من أبنائه وبنيته التحتية ورمزيته وإرثه في نيسان عام 2018. ولستُ أنوي إكمال ما أغفله هيرودوت، بل رسمَ خطوط بريشة عَجلى تمثل لوحة جراحية تنتمي للمدرسة الواقعية.

في عام 1540 تأسستْ رابطة الجراحين والحلاقين الإنجليزية. كان الطب شيئا مختلفا عن الجراحة، فالأطباء يعالجون المرضى بالأدوية. أما أعضاء الرابطة فلم يكونوا حتى مضطرين لدراسة الطب أو شيء من أساسياته. ممارساتهم؟ كانت في معظمها تقتصر على قلع الأسنان أو فصد الدم (سواء بالحجامة كما نعرفها اليوم أو باللجوء إلى دود العلق). في سنوات اليرموك، كان الأمر شبيها بتلك البداية المتواضعة: مجموعة من المتطوعين من شباب المخيم وشاباته، لم يدرسوا الطب، خضعوا لدورات في التمريض والإسعافات الأولية، وكان عليهم اجتراح العجائب. وكان علي أن أراقبهم بامتنان لهم، وحرص عليهم، وحذر منهم. ولأنك ــ يزعم الديالكتيك ــ أنى التفتَّ تجد المتناقضات في وحدة لا تنفصم وصراع لا يتقضّى، فقد كان هؤلاء المتطوعون معينا لي لا غنى عنه، وعبئا لا مناص منه.

رسم الفنان السريالي البلجيكي رينيه ماجريت اللوحة المرفقة، وكتب عليها: “هذا ليس غليونا”.

بمعنى ما، ما تراه ليس غليونا، إنما هو صورة غليون. أهذه فلسفة؟ ربما.  ما كان نمارسه لم يكن جراحة، كان صورة لها. حين لا يكون في حوزتك وسائل استقصائية، أو مساعدون مدرَّبون، أو إضاءة حقيقية، أو أسطوانات أكسجين، أو أكياس لتخزين الدم ونقله، أو جهاز تهوية آلية، أو متخصص في التخدير، أو غرفة عناية ما بعد العمل الجراحي… لا يكون ما تمارسه جراحة. ماذا يكون إذن؟ من الناحية الفنية، مغامرة في الجبال دون خريطة، أو معدات تسلق، أو رفاق درب يمكنك الثقة بهم كما يثق البحارة بنجوم السماء. أما من الناحية العملية، من جهة ما حصلنا عليه من نتائج، فقد كان ما مارسناه معجزة. والسبب بسيط بساطة نظرية الكوانتم:

فقد قال مرة مدرب كرة سلة أمريكي: “الانتصار أمر مبالغ في أهميته، فهو مهم فقط في الحروب وفي الجراحة”. ربما كان محقا، وربما كان يبرر بسلاح اللغة خسارات فريقه المتتابعة. على كل حال، في مخيم اليرموك، كان علينا الانتصار في الحرب وفي الجراحة. وفي سبيل هذا الانتصار، كان عليك أن تنمي معرفتك التشريحية، أن تتعلم متى تثق بحدسك ومتى تبصقه مثل علكة نفد سكّرها، أن تتقن فَنَّي الحسم والتردد، أن تقيم هدنة حقيقية بين تواضعك وغرورك، وأن ترتجل بشكل مدروس. والوقت ليس في صالحك، ليس هناك مثلا مباراة إياب تحقق فيها ريمونتادا تاريخية. هل قلت: الوقت ليس في صالحك؟ إذن فقد بالغت قليلا، لم يكن هناك شيء في صالحك.

لحين من الدهر قصير، كان هناك الطبيب الجراح “أحمد الحسن” الذي سمى نفسه يحيى. ولم يكن يحيى يُعمِّد الناس بمياه نهر الأردن، كان يجري العمليات الجراحية في مشفى فلسطين. خرج بعد إحدى العمليات متوجها نحو دكان مجاور لشراء علبة سجائر، في ذلك الأمد من الزمان سقطت قذيفة هاون. أكان ذلك قدرا إلهيا أم صدفة كونية أم حتمية تاريخية؟ ليتجادل المتكلمون واللاهوتيون والعلماء والفلاسفة ما شاؤوا. لكن الأكيد أنها كانت جريمة، والأكيد أن هناك شظية من تلك القذيفة “لم تخطئ فؤاده”، فمات يحيى من ساعته، مات ليحيا.

خلال حياتك المهنية القصيرة الطويلة، تعلمتَ أن غرفة العمليات هي كل ما يمكنك تخيله: معبد، وسيرك، ومبغى، وخندق، ومطبخ، وصالة رياضية.

– لماذا أصبحتَ جراحا؟

– لأن الجراحة كانت أصعب شيء استطعتُ تخيله.

ومثلما تعلمنا كتب الأولين: “لا تمتحن الرب إلهك”، كذلك ليس من الصحي والذكي أن تكون دائم التحدي لذاتك. ماذا عليك لو كنت مغنيا في إحدى الكليبات العربية: تستيقظ صباحا لتشرب كأسا من عصير البرتقال، أو تلعب كرة الشاطئ مع فتيات يرتدين البيكيني، أو يهرع بواب فندق لفتح باب سيارتك؟… لكن الحياة ليست فيديو كليب.

ثم تتذكر أحد أساتذتك في فترة التخصص. كان حائزا للزمالة في الكُليّة الملكية البريطانية للجراحة العامة. وهذا حقا شيء! شيء يفخر به أي جرّاح. لكن فاتتكم مشاهدته حين يفاجئه أمر ما أو اختلاط غير متوقع أثناء إحدى العمليات:  “أنا حمار لأني درست الطب، عاهرة أنا إذ تخصصتُ في الجراحة، لعن الله تلك الساعة…” في الواقع، كنت أتذكره وأتذكر أقواله المأثورة هذه في كل عملية كنت أجريها. وكنت في كل مرة أوشك على الضحك والبكاء معا.

في أحد كتبك، أيام كانت عندك مكتبة، ورد قول للسينمائي ديفيد كروننبرج: “الفلسفة جراحة، والجراحة فلسفة” وبجانب هذا القول، كتبتَ تعليقا بقلم رصاص: ليس أكثر أو أقل.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

آخر قصائد عصام

المعلومة “الطبية” الوحيدة التي حصلت عليها من “أم محمود” في ذلك الصباح المثلج أن مريضنا الذي سنزوره، واسمه عصام العم علي، أو “أبو علي”، يحفظ الشعر ويكتبه. – من شاعرك المفضل؟ سألتُه فور دخولي غرفته. – المتنبي! قالها بصوته ذي القرار العريض بثقة كما لو كانت بديهة من بدائه إقليدس، أو أن المتنبي هو حرفيا […]

اعرض المزيد

العشاء الأخير مع أم محمود

حين كنت أسمع صوتها، أو ضجيج دراجتها ثلاثية العجلات، كانت جملتي العصبية تستنفر: لا بد أن مسناً لم يتبرز منذ عشرين يوماً، أو مسنّة انتفخ بطنها وتوذّمت ساقاها من احتباس السوائل، أو ثالثاً وثالثة ظهرت عندهما مضاعفات الداء السكري… وقد انتقت “أم محمود” عينة مرضاها ببراعة جامعٍ للطوابع النادرة: فصغيرهم تجاوز السبعين من عمره، ومحظوظهم […]

اعرض المزيد

أطفال اللعنة في بؤس اليرموك

سجلتُ اسمي في قائمة المرضى المنتظرين لأتمكن من مقابلة الطبيب “معاوية محمد”، وكنت أراهن على سعة صدره بأن تغفر لي حيلتي:  ــ لماذا بقيتَ في المخيم ولم تغادر مع من غادروا؟  ــ لأنني ببساطة كنت نائما ساعة النزوح الكبير.  ــ أسألك جاداً!  ــ وأنا أجيبك نصف جاد نصف مازح. من طبعي أنني أكره النوم حين أكون يقظا، وأكره الاستيقاظ حين […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories