قاف كما في قهوة

شارك القصة

يعيش وزوجتَه وحيدين، أمر شائع في تلك السنوات. كان له من الأبناء ثمانية، إن لم تخُنّي ذاكرتي المثقلة ويخذلْني ضعفي في الرياضيات العالية. لكنهم ــ وفق وصف محايد لا يقصد الذم أستمده من القرآن الكريم ــ لم يكونوا ملائكة يحملون عرش أبويهم. كل واحدٍ منهم يعيش في صقع من أصقاع هذا البلد وهذه الأرض، وأبو عبده يكتفي بالدعاء لهم بالتوفيق والرضى الإلهي. كنتُ بحاجة إلى غلايّة (ركوة) قهوة من القطع الكبير، وكان دكان “أبو عبده” يبيع أواني الستانلس ستيل والألمنيوم المنزلية. هو لم يكن دكانا بالمعنى التقني للكلمة، كان مزيجا من العتمة والبؤس وقلة البضائع وانعدام المشترين. لكنه كان وسيلة “أبو عبده” لقتل الوقت ومغادرة منزله الأكثر بؤسا وكآبة.

سلام وتحية ثم أباغته بالسؤال:

– دعني أحزر! أنت من  قرية “لوبية”؟

– صح!

– وليش اسمها لوبية؟

– سلامة فهمك حكيم، أكيد من نبتة اللوبية.

ثم صب لي فنجانا من قهوته العربية المرة.

حرف القاف كما يلفظه أهل لوبية، ثاني كبرى أقضية طبرية، حيث تقبع الآن مستعمرة “لافي” ومنشأة “جولاني” الصناعية، هذه القاف اللوبانية تختلف ــ كذا تسمعها أذناي ــ عن غيرها من القافات، كأنّ لها مخرجا مغايرا لذاك الذي تخبرك به كتب اللغة: “القاف التي تخرج من أقصى اللسان مع ما يحاذيه من أقصى غار الحنك الأعلى قرب اللهاة، القاف الشديدة المجهورة المستعلية المنفتحة المقلقلة”. كأنّ لها مخرجا جديرا بجبل “قاف” الذي يحيط بالأرض من جميع جهاتها. القاف التي أفتقدها مذ توفي جدّي والد أمي، والتي أستعيدها الآن مع “أبو عبده”.

أما بخصوص اسم لوبية، فلم تكن لدى “أبو عبده” حاجة إلى قراءة “الموسوعة الفلسطينية”، أو تعلِّمِ شيء من اللغة الكنعانية، أو البحث عن ذكر لقريته في التلمود، أو تخيُّلِ أن اسمها ذو أصل إغريقي. كما لم أسأله مرة عن ذاكرته النَكبويّة، فقد بدا ذلك لي غاية في الغباء والابتذال جديرَين بسائح لم أكُنْه. ثم إن مجالسةَ “أبو عبده” أشبهُ بلقائك التاريخَ والجغرافيةَ ووطأةَ وجودنا اللعين دون حاجة لوسيط، أشبهُ بتحويرٍ بسيطٍ تجريه في مقولة أحد مُعلِّمي “بوذيّة الزن”: حين أشرب القهوة المرة، فأنا أشرب القهوة المرة.

– زدني يا حاج!

– تكرم عيونك حكيم!

ولأن هذه ذاكرة طبيب، ولا غنى له ولذاكرته عن المرضى، سيعاني أبو عبده لاحقا ومرارا من نوب السقوط، مصحوبة بإغماء أحيانا، وغير مصحوبة به أحيانا ثانية. هل هذا الوصف أكيد؟ هذا ما قاله لي وزوجته. مرة يُشجُّ رأسه، مرة  يُكسرُ   ذراعه، مرة يخرج سالما، لكن دائما يصيبه الغم الممتزج بالغبطة: أخيرا سأموت وأرتاح.

براعتي تخونني (تعبير مخفف عن نسياني بعض المعلومات الطبية) . أفتح مرجعا طبيا في “التشخيص التفريقي للأمراض الباطنية”، وأحاول اتباع أحد أساليب شارلوك هولمز المفضلة: ضع قائمة بالمتهمين المشتبه بهم، ابدأ بالحذف، ومن يبقى هو مرتكب الجريمة. لنجرب:

1- الداء السكري: يلازمه منذ أحقاب جيولوجية، وربما سبب له اعتلالا في أعصابه المحيطية.

2- اضطرابات دهليزية: ولا علاقة للدهليز هنا بقصص “لويس بورخس” أو المتاهة التي بناها “ديدالوس” في الميثولوجيا الإغريقية… هو مجرد قوقعةٍ صغيرة تقبع في أذنه الداخلية مسؤولةٍ عن نقل الإحساس بالتوازن إلى ذلك الجزء من دماغه الذي أسميناه تصغيرا بغرض التحقير: المُخيخ.

3- العقاقير: أيعقل أن “أبو عبده” كان يعاقر الخمرة ويتعاطى المخدرات دون أن يخبرني؟ أيّاً يكن، فقد كان أبو عبده صيدلية متنقلة، والتأثيرات الجانبية للأدوية وتداخلاتها كفيلة بالكثير.

4- ضعف النظر: نظارته السميكة أغنتني عن التفكير بمشكلة عينيه، ثم ما الذي بوسعي فعله؟

5- لاثباتية المفاصل: لا أظن أن مَفصِلاً من مفاصله كان سليما أو ثابتا، إن لم يكن بسبب سنه المتقدمة، فيكفي المنعطف التاريخي إياه الذي تمر به أمتنا العظيمة، هذا المنعطف الذي لا نهاية له، وربما لم تكن له بداية: من الأزل إلى الأبد.

6- نقص التروية الدماغية ونُوَب الغَشْي ونزوف الدماغ: آه! “أَشْكلُ المشكلات” تشخيصا وعلاجا ومضاعفات، تحديدا وأنت في مكان بحاجة فيه إلى كل شيء كي تكونَ أي شيء، أو تنجزَ أي شيء. وتطول قائمة المتهمين في المرجع الطبي كما لو أن كل شيء يسبب نوب السقوط. والمشكلة الأشكل أن “أبو عبده” كان يعاني من كل ما سبق، عنده الأمراض كلها، والأعراض كلها، والعلامات كلها، والمؤهبات كلها، ويتناول من الأدوية ما إنّ ذكرَ أسمائها لَيَنوءُ بالصيادلة أُولي العلم. إلهة الحظ الفلسطينية تنتقي دوما ضحاياها بعناية. ولأننا لسنا يونانيين، لم يكن اسمها “تايخِه”. ولأننا لسنا من جزيرة كريت، ولسنا عربا على ما يبدو، ولا فلسطينيين، دع عنك كوننا بشرا، لذا سأسمي إلهة حظنا “منظمة التحرير الفلسطينية”. السؤال الطبي المهم الآن هو: كيف سأعالج “أبو عبده” أو ألطِّف من أعراضه؟ من أين سأبدأ معه؟

من البداية، من القهوة، إذ بالرغم من طولِ المسافة، طولِها لأنها طويلة، ولأنه مُسِن عليل، ولأن الطريق وعرة من الدمار، ولأن الغربان السود كانت تجعل نهار المخيم ليلا سرمدا… لكن “أبو عبده” كان يزورني في عيادتي، ليس ليتعالج، بل ليزوّدني كل مدة بمؤونة من قهوته العربية المرة  موضوعةٍ في قنينة بلاستيك من سعة 250 سنتمتر مكعب مغلفةٍ بكيس أسود.

ثم مات أبو عبده، وليس في هذا المصير الذي يتربص بكلِّ كائن حي أيُّ شيء مفاجئ. يفاجئني أني لم أذكر متى مات بالضبط؟ وكيف مات؟ وأين مات؟ ولِمَ لمْ أسر في جنازته أو أشهدْ دفنه؟ يؤسفني أنني لم أُلقِ عليه نظرة الوداع الدنيوية الأخيرة، أنني لم أحتس المزيد من قهوته، لم أكرعها حتى الثمالة مثلما يكرع رضيع ثديَ أمه. قهوته العربية المرة التي كانت من أكثر الأشربة حلاوة في تلك الأيام.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

معطفٌ من نار

سُئل الكاتب والفنان الفرنسي “جان كوكتو” مرة: لو أن حريقاً شب في منزلك، فماذا سيكون أول شيء تخرجه منه؟ فأجاب من فوره: النار! عدا عن كونه ذكياً، فقد كان “كوكتو” محظوظاً. على الأقل كان هناك نار في بيته. نار يطهو بها طعامه، نار يستضيء بها في ليل كهفه، نار يستدفئ بها في الأشتية اللعينة، نار […]

اعرض المزيد

جُليفر في مخيم اليرموك

حدثنا “جوناثان سويفت” قال: لقي الجرّاح والقبطان البحري “د.ليموِل جُليفر” جارية تبكي فقال لها: ما لك؟ قالت: نريد أن نعتفد. و(اعتفد الرجل) وفق أبي عمرو بن العلاء: أغلق بابه على نفسه لا يسأل أحدا حتى يموت جوعا. ثم أنشد أبو عمرو: وقائلةٍ: ذا زمان اعتفادٍ ….. ومن ذاك يبقى على الاعتفادْ؟ وكان د.جليفر لكثرة ما […]

اعرض المزيد

ليس بالخبز وحده يموت الانسان

أحد الكاتبَين أهداه عمٌّ له تلسكوبا في عيد ميلاده السادس، والآخر ضل طريقه في غابة ما عندما كان في السن ذاتها ولم يجد غير تأمل سماء مرصعة بالنجوم ليؤنس وحدته ووحشته، وكان هذان الحدثان السبب المباشر في جعلهما عالمَيْ فلك مرموقين. في تشرين الثاني من عام 2004، نظر هذان العالِمان إلى الكون بوصفه حاسوبا هائلا. […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories