وداعاً يا صديقي

شارك القصة

صحيح أنّ لي عينين بنيتين، وشعراً لم يشب إلى هذه الساعة، صحيح أنني أملك ثلاثين سنة في حقيبتي، وصحيح أيضاً أن في يدي مدخلاً لعالم واسع من الفن، لكن الأهم من ذلك كلّه أنّ ثلث ذاكرتي هي عن الحرب.

أتجوّل كإنسان عادي في المنفى، لا أحد يعلم عني وعن خارطة بلدي. يتيم الهويّة، بائس، لم أستطع منذ بداية الحرب أن أمشي بشكل طبيعي دون أن أفكر بالتوازن مع الأرض والسماء.

منذ أن بدأت أكتب هذا النص، و جملة الشاعر بابلو نيرودا تحوم كطائر أبيض بين غربان فكري. يطرق بابلو نيرودا الباب ليترك لي رسالة مفادها أنّه إن كان لا شيء سينقذنا من الموت فلينقذنا الحب من الحياة على الأقل.

دمشق 20122013:

آهٍ كم كنا حالمين! لم أشك للحظة واحدة أنه كان من الممكن إيقافنا. إصرارنا على الحياة كان أقوى من الحياة نفسها. لم أعلم حينها أن للخيبة صبراً، وطعنة.

في ريف دمشق، وتحديداً منطقة القزاز، كان يزن، ذو التسع عشرة سنة، يساعدني في إقامة مشروع تمكين اقتصادي لنساء عائلات نازحة من حمص.

كان يزن شاباً يضج بالحياة والحلم والأمل، يتعامل مع نفسه وكأنه “سوبرمان” ربما، هو الإنسان الذي لا يتعب، لا يشتكي من حمل مستلزمات المشروع، الضحكة دائماً تعلو وجهه، الكل يحبه، و هو يحب الجميع في المقابل. طويل القامة، نحيل، ذو ملامح ناعمة بنعومة قلبه.

عملنا لمدة ثلاثة أشهر على هذا المشروع، وعندما نجحنا بالفعل، وأرسلنا منتوج السيدات النازحات إلى فيينا ليتم عرضها، أستطيع القول إن يزن كان من أسعد الناس في العالم، بغض النظر عن أن هناك دائماً نهاية للحلم، وأن أموال ربح المشروع اختفت قبل أن تصل. إلا أن يزن لم يتوقف عن كونه بطلاً، وفي المقابل أنا لم أتوقف عن إيماني بأن هؤلاء الناس هم من يستحقون الحياة.

لم يختر يزن الموت لاحقاً، أشك أنه استطاع إطلاق رصاص من بندقيته التي كانت أثقل من ذراعيه. لكن، لا شيء كان سينقذه من الموت، فاختار الحب لينقذ نفسه من الحياة.

لكن كما للبدايات نهاية ، فللنهايات أيضاً بداية..

بداية النهاية كانت مع كاميرتي، عندما ضغطت بإصبعي على زر التسجيل وسألت يزن:

  • قل لي، ما شعورك الآن بعد أن ساعدنا ثماني وعشرين سيدة؟
  • لا يوصف، أمي فخورة بي، كلما مررت بجانبها تقبّلني.
  • هل تريد الانضمام للجيش الحر كما فعل أخوك؟
  • اسمعيني وحاولي أن تفهمي حديثي، هناك رجال يولدون للحرب، ورجال يولدون في الحرب، لا أحب القتل، ولا الدم، لا أستطيع إطلاق النار على أحد. أنا هنا مكاني، بينكم، عندما أساعد عائلة أحس بأنني أملك الأرض بما عليها. هناك آية في القرآن الكريم تقول: “ومنْ أحيَاها فكَأنَّما أحيَا الناس جميعاً”، هل تفهمين قصدي؟

لاحقاً لم أستطع مواصلة الذهاب إلى منطقة القزاز، لكن يزن لم ينقطع عن التواصل معي وإخباري عن أحوال العائلات النازحة.

في صباح شاحب، كما صباحات الحرب المعتادة، اتصلت بيزن وسألته عن سبب انقطاع اتصالاته، فأخبرني أن أخيه قد قتل في الحرب، وأنه سينضم للجيش الحر .

صمتت لثوان وأنا أغبُّ كأس الحزن الذي سقاني إياه لحظة سمعت بقراره.

كم أمقت الحرب، كم ألعنها.

لم أستطع وقتها أن أرى يزن كرجل، كنت أراه طفلاً صغيراً يركض نحو عائلته دون أن يعير اهتماماً للارتفاع الذي يرمي بنفسه منه.

لم يختر يزن الموت لاحقاً، أشك أنه استطاع إطلاق رصاص من بندقيته التي كانت أثقل من ذراعيه. لكن، لا شيء كان سينقذه من الموت، فاختار الحب لينقذ نفسه من الحياة.

لقد أحبنا يزن جميعاً، أنا وجميع السوريين.

رحل هذا الشاب دون أن يودعني، دون قبلة من أمه، ودون أن يعلم عن اختفاء مال العائلات النازحة. رحل كما الكثير ممن يشبهونه، إلى عالم لا يشبه الجحيم الذي ساقهم إلى حتفهم.

فرنسا 2019:

يمسك نيرودا بيدي ويدعوني للخروج إلى المنفى، أمشي معه، أبتسم لكلماته، أشفق عليه، وأنا أعلم أن المنفى ظل للحرب في مكان آخر، وأنا أدرك أن الحرب لا زالت تضرم نارها داخل صدري، فحلقي الجاف لم يكن ليجف لولا النار، وسيري المائل لم يكن ليتوازن لولا أنني استطعت مرافقة الخيبة وأنا أرتكز على عصاها.

شكراً نيرودا! لم يطرق أحد باب ذاكرتي منذ زمن بعيد كما فعلت أنت.

سأتوقف بالنص هنا، خاصة وأن هذه القصة ما لبثت تعبث بعيني، محاولة أن تحفر على خدي نهراً من الأسى.

وداعاً يا صديقي.. السلام لروحك ولروح من رحلوا دون أن يودعوا أمهاتهم.

…………………

بورتريه الشاعر بابلو نيرودا



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

عيد بلاستيكي

لست وحدي، معي سبع وثلاثون سنة مكدسة في ذاكرة إلكترونية وفي صور مخفية على الفيسبوك لا يستطيع رؤيتها أحد غيري، قبل الأجهزة الذكية لم يكن الفلاحون يكترثون لألبومات الصور أو الجلاء المدرسي أو الهدايا غير المفيدة، لا دروج خاصة، لا تذكارات أو لوحات على الجدران، لذلك فر عشرون عاماً من قبضة العالم الرقمي، لكنها محفورة […]

اعرض المزيد

توابيت أنيقة.. كمّامات وقرارات أممية !

لم يخطر في بالي يوماً ما أن أمشي في الشوارع وبين الأزقة داخل هذا المغترب وأحصي على أصابعي عدد الناس! وكأني أمارسُ لعبةً للتسلية، مؤقتة؛ ببساطةِ طفلٍ يلهو مع أترابه خلال لعبة (الغميضة)، بأن يكتشفَ أماكنهم وهو يضحكُ، أو يلهث خلفهم وكأنه قد ربحَ جائزةً ما، أو حصل على وسامٍ من الدرجة الثالثة قلّده إياه […]

اعرض المزيد

قاب قرارين أو أدنى

 ألقيت التحية على الواقفين وراء الطاولات بالتركية والإنكليزية فأجابني بعضهم بها وآخرون أجابوا بالعربية؛ اتجهت إلى زاويتي التي اعتدت أن أستقر فيها طوال ثلاث شهور الماضية؛ أدخل غالبا بعد الظهر وآخذ هذا المكان حيث يمكن لي أن أشاهد أكبر كمّ من المتبضعين والمتجولين، ويمكن لي أن أسرح بنظري دون حواجز أخرى في حياتي. أطلب طلبا واحدا وأبقى أشربه لساعات ولم أكن أعرف حتى […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories