ليس بالخبز وحده يموت الانسان

شارك القصة

أحد الكاتبَين أهداه عمٌّ له تلسكوبا في عيد ميلاده السادس، والآخر ضل طريقه في غابة ما عندما كان في السن ذاتها ولم يجد غير تأمل سماء مرصعة بالنجوم ليؤنس وحدته ووحشته، وكان هذان الحدثان السبب المباشر في جعلهما عالمَيْ فلك مرموقين.

في تشرين الثاني من عام 2004، نظر هذان العالِمان إلى الكون بوصفه حاسوبا هائلا. وبعد أن أشبعا الفكرة إيضاحا، شرعا يحسبان سعة الذاكرة الكلية للكون، وعدد العمليات الحسابية التي أجراها خلال عمره (إذ من الممكن أن يكون الكون لامتناهيا في الاتساع، إلا أنه ذو عمر محدود، على الأقل في شكله الحالي) ثم سألا السؤال المتوقع: ما الذي يقوم الكون بحسابه؟

لم أعد أذكر ما الذي جعلني بعد تسع سنوات أنأى عن تضاريس المجازر، وتموجات الأمعاء، وفتاوى رجال الدين من أتباع مذهب الإمام سلفادور دالي، وانشغال دماغي بمحاولة ابتكار طب جديد يلائم الدرْك الأسفل الذي هوينا إليه… أنأى عن ذلك كله وأقرأ بحثهما الذي لا ألوم أحدا إن وجده ترفا علميا، أو وجد في فعليَ استهتارا غير مسؤول.

“الكون يحسب ذاته”، يجيب الكاتبان. وشردتُ مع سلالة فلسفية تمتد من أرسطو إلى ابن رشد مرورا بالفارابي وابن سينا حيث العلّةُ الأولى هو العقل والعاقل والمعقول. ثم تابعتُ معهما: “الكون يحسب ذاته، يحسب حقولا كمومية، ومواد كيميائية، وبكتيرات، وكائنات بشرية، ونجوما، ومجرات”.

وكان مما قام الكون بحسابه في ذلك اليوم مجيء ثلاثة مرضى إلى مشفى فلسطين: شابة وزوجها وأخيها. كان كل شيء يوحي بتعرضهم لتسمم غذائي حاد: القصة الجماعية المفاجئة، الألم البطني، القُياء، الإسهال.

الإجراءات الإسعافية المعتادة: غسيل معدة، سيرومات ملحية وسكرية لتعويض السوائل التي خسروها، مسكنات ومضادات تشنج معوي… لكن استجابتهم لم تكن مُرْضية، فقررتُ أن يبقوا في المشفى.

– ماذا أكلتم؟

هنا تتذكر الشابة عثورها على كيس طحين. في تلك الأيام كنا نطحن ما تيسر من العدس لنعد منه خبزا، العثور على كيس من دقيق القمح إذن إنجاز يفوق اكتشاف حضارة متقدمة غارقة في قعر المحيط الأطلسي.

– متأكدة أنه طحين؟

ثم أحدث نفسي: وما عساه يكون؟ نصف كيلوجرام من الكوكائين كانت تحتفظ به جدتها ليوم كهذا؟

– أين وجدتِه؟

إجابتها لم تكن واضحة، فهي لا تزال مألومة وتفكيرها مشوش. تحت السرير ربما، أو في السقيفة. من يهتم؟ المهم أنه صار عجينا ثم خبزا. أستبعد أن يكون في الكوكائين هذه الخصيصة.

هناك خبز صار جسد إله، وخبز لا يأكله زارعو القمح، وخبز تشتريه حضارات هي من ابتكر صناعة الخبز، وخبز يفترض أنه منتج نباتي وإذ به يتحول في جسمك إلى لحم، وشجرة تخرج في جُزُر الكاريبي تَنبُت بالخبز، وخبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان… لذا لن أستكثر خبزا تهبك إياه سقيفة منزلك، ثم يؤدي إلى تسممك.

في أول فترة تخصصي في الجراحة، نعود إلى العام 2007، كنا نقوم بالإجراءات الإسعافية الأولية ثم نتصل بمركز السموم الذي يعطينا التوجيهات اللازمة أو يطلب تحويل المريض إليه. أيام! 

ولأن حالتهم أخذت تتدهور، صارت معرفة المادة السامة مُلحَّة. ولم تكن الحقيقة مطلبا يسعى وراءه أشباه الأحياء في اليرموك، فهذا أمر لا يليق بمريض يستجدي حبة دواء أو جائع سيعبد سلة غذائية ثم يلتهمها. وهنا ينبثق هذا النزاع:

فمن جهة، كان هذا تصرفا علميا طبيا سليما وضروريا: فمعرفتك بالمادة السامة ستجعلك على بصيرة بالترياق اللازم استخدامه.

من الجهة الثانية من السياج حيث ليس العشب أكثر خضرة بالضرورة، كان هذا تصرفا مؤلما أيَّما إيلام: فأنت تعرف سلفا أن الترياق لن يكون متوفرا في مخيم محاصر يكاد ينعدم فيه الهواء. حسابات الكون لا تُعنى بالمسائل الأخلاقية، وأخلاق الطب لا تعنى بحسابات الكون. في ظروف طبيعية، كان يكفي البحث عن المادة السامة بتحليل للبول أو الدم، لكن هذا في “ظروف طبيعية”.  وبعد حسم النزاع تُقرر البحث في “دليل واشنطن الجراحي”.

المواد السامة كلها تُحدث الأعراض كلها. كانت بنود الجدول في “الدليل” أشبه من الغراب بالغراب: ألم بطني، قُياء، ألم بطني، تخليط ذهني، قُياء، ألم بطني، إسهال، تعرق، قُياء مجددا، إسهال، ألم بطني… ثم أخيرا شيء مميز: إذ في اليوم الثالث أو الرابع أو ربما المئة، أخبرتني الشابة أن شعرها يتساقط بغزارة، الخريف يزحف على رأسها. تنزع حجابها فأمسك خصلة من شعرها وأنتزعها دون بذل جهد. أمعن البحث في الجدول فلا أجد غير الزرنيخ يسبب هذا العرَض. إنه الزرنيخ! تقدمٌ ملموس. تحب خلايا جسمنا إنتاج طاقتها اعتمادا على الفوسفات، والزرنيخ يجعلها عاجزة عن فعل ذلك.

أما الترياق فمنحتْه الكيمياء هذا الاسم المثير: ثنائي ميركابتو حمض السوكسينيك. هذا هو الحل إذن، لكن القفز من “مثال” واشنطن إلى “واقع” اليرموك يتطلب وثبة كمومية حقيقية.

هل قلت زرنيخ؟ أجل! لكن كيف تسلل الزرنيخ إلى طحينهم؟

المياه الجوفية الملوثة هي المصدر الأول. ووفق منظمة الصحة العالمية هناك مئتا مليون شخص في أنحاء العالم يتعاملون بمياه تحوي كميات غير آمنة من الزرنيخ. هل هؤلاء الثلاثة من هاتين المئتين؟ ومن المياه إلى التربة ثم إلى القمح أو الرز حيث يجد الزرنيخ مستقرا ملائما له. كان عليهم استيراد طحينهم من “دليل واشنطن الجراحي”، أو ربما كانت سقيفة منزلهم منجماً موبوءاً بالزرنيخ، أو تلوث الطحين ببساطة (ببساطة!) بسُمٍ للجرذان.  شبه المعدن اللعين هذا الذي سيكون له مستقبل في علاج السرطانات.

يزعم هيجل أن “كل ما هو معقول واقعي، وكل ما هو واقعي معقول”.

مات ثلاثتهم، هذا هو “المعقول” و”الواقعي” في عالم هيجل وعالم اليرموك، ثم إن هذا ما أذكره. لكن ذاكرتي ليست بمتانة ذاكرة الكون. فقد أكون متُّ معهم وما عشناه بعد ذلك كان جزءا من عذاب القبر مثلا. من يعلم؟ وقد يكونون نجوا لكن الحسَ الفجائعي للقصة والذائقةَ الجماهيرية يوجبان موتهم.

لكنني أذكر بوضوح أني عدت إلى البيت يومها واستخرجت ذلك العدد من مجلة العلوم، الترجمة العربية لساينتفك أمريكان، وجعلتُ أقلّب صفحاته مثل أحمق مثقف إلى أن وقعتُ على تلك المقالة. المقالة إياها عن الكون الحاسوب، الكون الذي يحسب ذاته، الكون الذي حسب تاريخ الحضارة البشرية مذ اخترع البشر الكتابة حتى اختراعهم أسلحة الدمار الشامل، الكون الذي كان كل ما جرى معنا في سنوات الحصار جزءا يسيرا من حساباته لا يحتل غير حيز ضئيل للغاية من كَرْت ذاكرته ذي السعة الخرافية.

لوحة “الجرذ” للفنانة Amanda Jane Kohler



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

قاف كما في قهوة

يعيش وزوجتَه وحيدين، أمر شائع في تلك السنوات. كان له من الأبناء ثمانية، إن لم تخُنّي ذاكرتي المثقلة ويخذلْني ضعفي في الرياضيات العالية. لكنهم ــ وفق وصف محايد لا يقصد الذم أستمده من القرآن الكريم ــ لم يكونوا ملائكة يحملون عرش أبويهم. كل واحدٍ منهم يعيش في صقع من أصقاع هذا البلد وهذه الأرض، وأبو […]

اعرض المزيد

التداوي بالكعك

كانت خديجة مريضة ربوية مزمنة، وكان ربوها من النوع الشنيع، الباعث على القنوط لدى كل من المريض وطبيبه. وكانت تبدو لي أحيانا كما لو أنها تعرف عنه أكثر مما يعرفه متخصص في الأمراض التنفسية، وأحيانا كأنها تجهله مثلما أجهل الكيفية التي يصبح بها زعماؤنا أبطالا تاريخيين ورموزا وأصحاب رؤى وحكماء بهداهم نقتدي. ثم إنها كانت […]

اعرض المزيد

اضمد والله يشفي

أتى زمن كانت الخطيئة فيه سببا للمرض. وكان من المعتاد أن يسأل الطبيب مريضه بغية الوصول إلى تشخيص: هل غششت في الميزان؟ هل اغتصبت منزل جارك؟ هل قلت نعم بدل لا؟ وكان من خطايا بعض اليرموكيين خروجهم على الحاكم وبقاؤهم في بيوتهم وقولهم لا بدل نعم. لذا فقد سكنت أجسادَهم الأرواحُ الشريرة. أسلافنا في العصر […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories