نوافذ القلق

شارك القصة

أنهض من فراشي مشلول الإرادة، وفي رأسي طنين.

ربّما لأن أخبار الوطن كانت مزعجة، أو لأن ذكريات الحواجز والاشتباكات شحذت عقلي، وفرضت علي الكتابة حتى وقت متأخر من الليل.

أقف تحت مظلة موقف الحافلة وأنا لا أدري أين أمضي أو ماذا أفعل. أجلس على المقعد، وأفرك قدميّ كي أحرك فيهما الدم. أشعل سيجارة تبعث بعض الدفء في أوصالي، لأقاوم الدرجة الخامسة تحت الصفر، التي تجمّد الدم في العروق. الأفضل أن أهتم بدراستي وألا أغيب عن المدرسة بعد اليوم، كي أحصل على شهادة ال B1 في أسرع وقت، وأعثر على عمل، لأن راتب المعونة لا يكفي، وأنا وأسرتي بحالة إفلاس دائم. لا بد من الذهاب إلى مكتب اللاجئين لتقديم طلب تجديد الإقامة، أبحث في حقيبتي عن الأوراق التي سبق أن نسيت ملئها فلا أجدها. لكن هذا لا يهمّ كثيراً، سأحصل على أوراق جديدة وأملؤها وتحل المشكلة، ويمكن أن أقدم تبريراً لغيابي عن المدرسة بأنني كنت أستكمل أوراقي.

انتظرت طويلاً في مكتب اللاجئين، فالمراجعون كثر، لكن ما من مشكلة، معي النهار كلّه.. رأيت عدداً من السوريين المهجرين من وطنهم كحالي، أعرف البعض منهم. تسللت خلسة عنهم وسجلت دوري، ثم تواريت في زاوية محايدة، ومن خلف الزجاج رحت أراقب وجوههم الكئيبة، كانت حالهم كحالي، وجوهاً متعبة وحزينة.

كنت أحرص على ألا ينتبهوا لوجودي، رغم حاجتي لأستدين من أحدهم عشرين يورو، كنت ذئباً متردداً وضعيفاً، خجلاً من ضعفهم ومن وجوههم المعذبة، وخجلاً من أن أطلب منهم النقود، حيث كل واحد منهم مثلي لا تكاد تكفيه المعونة الشهرية التي يحصل عليها، وأعرف البعض منهم يحرم نفسه من أمور كثيرة مثلي أيضاً، ليوفر مئة يورو أو خمسين، حتى يرسلها نهاية كل شهر لأهله أو أحد أصدقائه المحرومين المحتاجين حتى ليورو واحد في سورية.. لم أعد أستطيع التهرب من نظرات بعضهم، فخرجتُ من عزلتي، وتداولت مع البعض أحاديث عامة حول دراسة اللغة الألمانية والعمل والأهل وأحوال الوطن، لكني لم أجرؤ أبداً على أن أطلب من أحدهم عشرين يورو.

كاد المركز يفرغ من المراجعين حين جاء دوري. استقبلتني الموظفة المسؤولة بالترحاب.. يا لها من امرأة لطيفة وجميلة، بدلاً من أن أعتذر منها، سبقتني لتعتذر مني لظنّها أنها لم تشرح لي كفاية، ولم أفهم ما طلبتْ، ولم أملأ الأوراق وأعيدها لها في المرة الماضية.. لذلك أعطتني أوراقاً جديدة وراحت تساعدني في ملئها، وحين تنبّهتْ إلى مستواي المقبول باللغة، أبدتْ استغرابها لكوني لم أملأ الأوراق ذلك اليوم وأعيدها إليها، فجاء دوري لأعتذر منها وأختلق الحجج وأكذب، ثم أكذب.. رغم أنها اقتنعت بحججي من أول كذبة، وساعدتني حتى أنجزت كامل الأوراق المتعلقة بتجديد إقامتي وإقامة عائلتي.

كنت أود أن أستغلّ لباقة تعاملها، لأخبرها أن الراتب لا يكاد يكفي لتسديد احتياجاتنا، لكني تراجعت في اللحظات الأخيرة وشكرتها. انطلقت مباشرة إلى محطة الحافلة لأعود أدراجي إلى المنزل، وحسب لائحة المواعيد، كان على الحافلة أن تصل بعد عشرين دقيقة.

أشعلت سيجارة وسرحت بما كتبته أمس عن ذكريات “دمشق”: لم تكد سيارتي تتجاوز نفق “نهر السيدة عائشة”، في الثالثة فجراً، وأنا عائد من جريدة الثورة الملتفّة حول دوار “كفرسوسة”، والتي كنت أعمل فيها، حتى انهالت زخات الرصاص كالمطر. كنت وحيداً مع سيارتي على الطريق، وكأن “دمشق” مدينة أشباح، وكنت قد عبرت حاجز التفتيش العسكري قبل النفق منذ مئتي متر، منحتهم جريدة طازجة، وأبقيت أضواء الموقع الحمراء للسيارة “الفلشر” مضاءة، وأضواؤها الأمامية والضوء الداخلي مطفأة.

كنت أعود كل ليلة تقريباً في مثل هذا الوقت، وكنت أقطع مسافة الخمسة عشر كيلومتراً إلى “صحنايا” حيث بيتي، تحت زخّ المطر الغزير معظم الشتاء.. لكنها كانت المرة الأولى، التي أعود فيها تحت زخّ الرصاص الغزير كالمطر من طرفي الطريق، وأنا لا أدري ماذا يحدث، أو ما إذا كنت أنا مستهدفاً.

لم يكن لدي وقتٌ للتفكير، أو التوقف، أو التراجع، كما أن المفاجأة أدارتْ المعركة. ضغطتْ قدماي دواسة البنزين إلى آخرها، ويداي تشبّثتا بمقود السيارة كأنني أمنع شخصاً من سرقته، وجحظت عيناي ضعفي محجريهما، لأتبيّن الطريق أمامي دون أضواء.. فقط ضوء الموقع، الذي ينطفئ ويشتعل، كان يلقي بعض الظلال على المنصّف بين طريقي الذهاب والأياب، وعلى الحاجز الحديديّ فوقه، الذي يمنع المشاة من العبور إلا من الأماكن المحددة. السيارة تقودني على بعد متر واحد من المنصف، وتنطلق كالسهم غير عابئة بالمطر الرصاصيّ.

نهضتُ واقفاً، ورحتُ أتجول من رصيف لآخر، وأنا أتأمل في وجوه الألمان، بعضهم لم يتنبّه إلى نظراتي، وبعضهم أبدى استغراباً وحنقاً، ومنهم من اكتفى بابتسامة، لكن ما من أحد كان لديه استعداد ليعرف ما يلهب ويحرق أعماقي. صعدتُ إلى الحافلة، وحجزت لنفسي مقعداً، اكتشفت بعد لحظة أن معظم المقاعد كانت خالية، ثلاث عجائز هناك، شاب وفتاة في مقتبل العمر، يجلسان متلاصقين شاردين، وقد وضع كل منهما سماعة الهاتف الجوال على أذنيه، ومقابل مقعدي عجوزان صامتتان، وحين تحدثتا همستا بعبارات سريعة مختصرة، حيث كانت إحداهن تنبّه الأخرى إلى أن حقيبتها تكاد تسقط عن المقعد. يبدو أن عادة الصمت متأصّلة في الألمان، باصاتهم لا تضج بالصخب إلا حينما تمتلئ باللاجئين، أو بالسكارى، أو بطلاب المدارس.

تنطلق الحافلة والصمت سائد. وحدي أنا اللاجئ فيها أشيح اهتمامي عن كل ذلك، وأعبر البحار إلى تلك الليلة العصيبة التي بتناها في الجريدة. انتفضت “كفرسوسة” بمظاهرة مسائية حاشدة على امتدادها. أعلنت عصيانها المدني. ميليشيات الأمن وعناصر الجيش ضربت طوقاً مؤلّلاً حولها. دبابات ورشاشات ومدفعية، تحيطها كالسوار حول المعصم، وفرقة كاملة من القناصة اعتلت السطوح والمآذن المحيطة بـ”كفرسوسة”. كل شيء يُطبخ على صفيح ساخن. الهدوء المريب استمرّ أكثر من ساعتين، وقبيل منتصف الليل اندلع الرصاص يصمّ الآذان.

كانت مجموعة من القناصة، أكثر من عشرة، متمركزة على سطح مبنى الجريدة، وطلقات القناصة كأنها صوت مدفعية، على ماذا يُطلقون النار؟ لا أحد يعلم. اشتعل جوّ المدينة بالنيران المنبثقة من كل صوب. العمل مستمرّ في الجريدة، حيث أصدر رئيس التحرير أوامره كقائد حربيّ، يجب أن يصدر العدد صباحاً وكأننا خارج حدود المدينة. فجأةً، تخترق رصاصات رشاش عدة نوافذ من نوافذ الطابق الخامس، مكان عملنا، من الجهة الجنوبية الغربية، المطلّة على بساتين “كفرسوسة”، نُفرغ الجهة الجنوبية من الطابق بإصابة طفيفة في كتف أحدهم، وننقل عملنا إلى الجهة المعاكسة، وتتوالى الرصاصات المخترقة، دون إصابات.

في الرابعة صباحاً، هدأ كل شيءٍ على الجبهة الغربية. كانت الدبابات والآليات تزحف داخل الحيّ وبين البساتين، وانتشر من خلفها حملة البنادق والرشاشات والآربيجيهات… معلنة القضاء على الإرهابيين الذين تسللوا إلى “كفرسوسة”، وروّعوا المدنيين الآمنين. كان المعتقلون- كما علمنا لاحقاً- بالمئات، واستعادت المدينة هدوءها تماماً. وفي الساعة السادسة فُتح باب معتقلنا لنعود سالمين إلى بيوتنا.

أصل البيت منهاراً متعباً. دوار يلفح رأسي، وأنا أقطع الدرجات الواصلة إلى غرفتي. أحاول قدر ما أستطيع ألا أثير ضجةً، ورغم حذري أصطدم في المدخل بآنية وردة الجوري، فتسقط عن حاملها الحديدي، الذي يسقط بدوره ويرتطم بسور الدرج المعدني، فيحدث رنيناً مزعجاً. أعضّ على شفتي وأطبق بيدي على فمي كي أحبس أنفاسي. تخرج زوجتي من غرفة الجلوس، وقد احمرّت وجنتاها وبدا عليها القلق والتوجس، وعندما تطمئن إلى أنني بخير ترتخي عضلات وجهها، أحاول أن أشد قامتي، متكئاً على الجدار حتى لا أسقط وأقع فوق ركام التراب الذي تناثر في الممر، لكنني لا أستطيع، كان البرد ييبّس مفاصلي تماما، إذ فاتني النزول من الحافلة على موقف البيت، بسبب شرودي بأحداث “كفرسوسة”، وعدتُ من الموقف الثالث على الأقدام، وقد زلّت قدمي بسبب الجليد مرتين، وسقطتُ في ثانيتهما سقطةً خلخلت مفاصلي.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

عيد بلاستيكي

لست وحدي، معي سبع وثلاثون سنة مكدسة في ذاكرة إلكترونية وفي صور مخفية على الفيسبوك لا يستطيع رؤيتها أحد غيري، قبل الأجهزة الذكية لم يكن الفلاحون يكترثون لألبومات الصور أو الجلاء المدرسي أو الهدايا غير المفيدة، لا دروج خاصة، لا تذكارات أو لوحات على الجدران، لذلك فر عشرون عاماً من قبضة العالم الرقمي، لكنها محفورة […]

اعرض المزيد

توابيت أنيقة.. كمّامات وقرارات أممية !

لم يخطر في بالي يوماً ما أن أمشي في الشوارع وبين الأزقة داخل هذا المغترب وأحصي على أصابعي عدد الناس! وكأني أمارسُ لعبةً للتسلية، مؤقتة؛ ببساطةِ طفلٍ يلهو مع أترابه خلال لعبة (الغميضة)، بأن يكتشفَ أماكنهم وهو يضحكُ، أو يلهث خلفهم وكأنه قد ربحَ جائزةً ما، أو حصل على وسامٍ من الدرجة الثالثة قلّده إياه […]

اعرض المزيد

قاب قرارين أو أدنى

 ألقيت التحية على الواقفين وراء الطاولات بالتركية والإنكليزية فأجابني بعضهم بها وآخرون أجابوا بالعربية؛ اتجهت إلى زاويتي التي اعتدت أن أستقر فيها طوال ثلاث شهور الماضية؛ أدخل غالبا بعد الظهر وآخذ هذا المكان حيث يمكن لي أن أشاهد أكبر كمّ من المتبضعين والمتجولين، ويمكن لي أن أسرح بنظري دون حواجز أخرى في حياتي. أطلب طلبا واحدا وأبقى أشربه لساعات ولم أكن أعرف حتى […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories