ذاكرة مكان

الغضبُ الكامِن

وأنا أستذكرُ اللحظات تلك، ينتابني الهلع، في المعهد الفني العسكري بـ”حرستا” الذي لم يتبقَّ منه حجرٌ على حجر في الوقت الرّاهن، منتظمينَ خلف بعضنا بعضاً ننتظرُ دورنا في الاستقبال والتفتيش، ومن ثمّ الولوجِ إلى عالمٍ جديد، قال لنا العساكر القدامى عنه إنّه: “المكانُ الجنّة في عموم الثكنات العسكريَّة داخل تنظيمات الجيش العربي السوريَّ!”.

انتبهتُ إلى أنّ هذه هي المرة الأولى التي أقفُ فيها بانتظام ضمن رتلٍ بشريّ طوال سني حياتي، الخوفُ يصنعُ الأعاجيبَ ويجبرُ على الانضباط؛ كنتُ أسرّ  لنفسي وأبتسم!

منتظراً دوري، مستغرباً من لطف الضابط، على العكس من الشائع عن الضبّاط وزمجرتهم المتواصلة. أرى رفاقي أمامي يُفتَّشون ومن ثم يلجونَ إلى الداخل. وصلني الدور، كنتُ أحملُ حقيبةً صغيرة فيها مجموعة كتب، لا أعلم من الذي دسّ هذه الكتب! نعم، هي والدتي التي تعرف حبي للقراءة، فدسّت إلى جانب شفرات الحلاقة- أكثرُ العناصر استهلاكاً طوال فترة الخدمة-  كتابين أحدهما لنيكوس كزنتزاكيس: “المسيح يصلب من جديد” وكتاب “الإنجيل المقدّس”، استغرب الضابط وهو يفتّش أن عثر على هذين العنوانين، مستغرباً معه، يقولُ: “ما هذه؟”، أردّ عليه بالسؤالِ ذاته، فيبتسم! الحنكةُ في تجاهل الدين ومن ثمّ الاحتيالُ بالابتسامة، دفعني جانباً، وقال بهمس: “هنا سوريا الأسد، لا وجودَ لأي دينٍ ها هنا”، ومن ثمّ يدفع بالكتابين إلى مجنّد واقف إلى جانبنا، ويأمرني بالالتحاق بأصدقائي. لا أعلم كيف تمّ تمريرُ الحكايةِ دون أن يعاقبني؟! لكن مرَّت بأمانٍ. ومع مرور هذه الحادثة دون عقوباتٍ وقِدمي في الخدمة عثرت على الجوابِ الشافي: “لا نهتمّ بالدين، صحيح، ولكننا نحاربُ من خلال الدين”، معادلةٌ بسيطة وغير مرهقة وتؤتي ثمارها بسرعةٍ تُذهِلْ.

الحجارةُ التي لا تقتربُ من بعضها خيفةَ وشايَةٍ يحوّلها بين لحظةٍ وأخرى إلى حطامٍ ناعِمٍ! كلّ شيء مكسوّ بالرعب، رعب العقوبة ورعب الموت، خاصةً وأنّ الأخيرَ مسموحٌ بهِ بنسبٍ معيَّنةٍ اتّفق عليها أشباحٌ تقبع خارج هذا المكان بأميالٍ، لكن لها أعينها التي ترى الداخلَ بوضوح.

اللغة:

بعد تجوالٍ كثيف، أرى المكانَ وأتحسسّه، أتمرّن على ما سيأتي بناءً على ما يقولهُ الأقدم منّا في هذا المكان، أشعرُ وكأنّ المكان خَبِرَ الوجوهَ الخائفة، حتّى وجوه الضبّاط وهم يخافونَ بعضهم الآخرَ؛ الحجارةُ التي لا تقتربُ من بعضها خيفةَ وشايَةٍ يحوّلها بين لحظةٍ وأخرى إلى حطامٍ ناعِمٍ! كلّ شيء مكسوّ بالرعب، رعب العقوبة ورعب الموت، خاصةً وأنّ الأخيرَ مسموحٌ بهِ بنسبٍ معيَّنةٍ اتّفق عليها أشباحٌ تقبع خارج هذا المكان بأميالٍ، لكن لها أعينها التي ترى الداخلَ بوضوح.

كلما كنت أقرّر في سرّي أن أحدّث نفسي وأقنعها بضرورة أنّ النسيان– نسيان هذه الأيَّام- في المستقبل سيكون حليفي، كنتُ أفشل، فالوجوهُ التي خبرتها ذلك الوقت تجعل انسيابيتها وشرّها وامتزاج العواطف على ملامحها، مني شخصاً غير قادرٍ على النسيان مطلقاً، لا باللغةِ ولا بالرقص ولا حتّى بالانتحار؛ آخرُ الحلول الناجعة في سيرورةِ حياة السوريّ، لكن، مهلاً، الأمر لا يمكن له أن يصل إلى هذا الحدّ من المبالغة، فثمّة من كانَ مثلي أيضاً وأكثر، كانوا كثر ممنّ تركتهم الدنيا وحدهم في مواجهة مصيرها لعامين متتالييَن وأكثر، كما سيحصلُ معنا بتقدّم الأيَّام وتطوّر الأحداث.

المهجع الطويل:

بقيت ستة أشهرٍ فيما يطلقون عليها (دورة الأغرار) ضمن ريف مدينة حماه، وبالتحديد في (طيبة الإمام)، مساحتان منفصلتان، إحداهما تضمّ مهاجعَ حقيرة وساحاتٍ كبيرة، ومقرّ قيادة ضخم مزيَّن بصور (الرئيس الأب والابن) جنباً إلى جنب، تمت كسوته بالرخام الثمين، وأخرى تحوي مساحاتٍ رمليَّةً واسعة، هي لم تكن كذلك، ولكن لأنّها كانت حقلاً واسعاً لتدريب الجنود على سياقة المجنزرات، فقد تحوّل المكان إلى صحراء لكثرة تجوال الآليَّات الثقيلة على أحجارها.

ما كان يبهرني، هو كمّ التجارة التي برعَت المؤسسةُ العسكريَّة السوريَّة فيها، يبيعونَ كلّ شيء، الخبز، البيض، مشروب: “المتّة”، والتبغ، وكلّ شيء!

 كنتُ أتساءل أحياناً: “ما الجدوى أو الحكمة في أن يشتري جنديٌّ محارم نظيفة وناعمة، وفي المقابل كلّ ما حولهُ قذارةٌ ومرض؟”

 أكملنا أيّامنا الأولى في التعرّف على وجوهِ بعضنا بعضاً، على الأسماء، وأماكن ولاداتنا وإقاماتنا. تعرّفنا على الضحكِ والبكاء؛ لكلّ جنديٍّ طريقته في البكاء والضحك، والتحمُّل، وعلينا أن نعرفَ كل هذه الأمور، وبسرعة، كي لا نشعرَ بوطأةِ الوقت على قلوبنا التي خَبِرت الحياة المدنية ولا تزال متشبّثةً بها.

في الداخل أسرّةٌ موزّعة على الجانبين، وفق نظام الطابقين، جنديّ فوق آخر، مربعٌّ سيكونُ مملكةُ الجنديّ في الوقت الرّاهن، وسيبقى ها هنا ستّة أشهر، ومن ثمّ ليتعرّف على مصيره الجديد ومكان إقامتهِ الأخيرة التي سينطلقُ عقبها ويعود نحو عالمه القديم حاملاً معه الذكريات كندوبٍ سوداء في دماغه.

في المهجع الطويل كنّا قرابة 48 جندياً متخلّفاً عن الخدمة (الإلزامية)، الأخيرة التي تعني في العُرف العسكري “أنّنا تقدّمنا في السنّ دون أن نخدم العلم”، لذا، فإنّ التعامل كانَ مختلفاً، ربمّا لأنّ ذرات الرحمةِ في بعض الأوقات تجدُ طريقها إلى قلوب الضبّاط، أو ربمّا لأنّ أكبرنا في المهجع كان عمره 40 عاماً؛ إنّها أعوامٌ كثيرة، كانت تزرع الهلعَ في نفوس الضبّاط حين يتفرّجون على انحناءة الظهر، ولهاثنا في دروس الرياضةِ القاسية، وكأنّ الضبّاط كانوا يتخيّلون أنفسهم داخلنا، فيتأمّلونَ المشهدَ، ومن ثمّ يغيّرون تعاملهم معنا، ليصبحوا رؤوفين قليلاً، ولكن على الرغم من ذلك، لم ينجُ أحدٌ من العقوبات، ومن: “تكسير نفسيَّة”، المصطلحُ الأخير، الذي أطلعنا عليه الجنودُ القدامى!  كنوعٍ من البشرى، وهم يتضاحكونَ فيما بينهم ويغمزوننا.

المهجع الطويل، أتذكّره حتّى هذه اللحظة بوضوح، كان في أطراف الثكنة العسكريَّة، ومشيَّداً على مصطبةٍ إسمنتيَّة بشكلٍ مرتفع قليلاً عن الأرض، لاحقاً عرفنا السبب، فهذا العلوّ يجعلنا بمأمنٍ من الزواحف القاتلة، التي بدأنا التعرّف عليها ونحنُ نصير قدامى يوماً إثر يوم. في الداخل أسرّةٌ موزّعة على الجانبين، وفق نظام الطابقين، جنديّ فوق آخر، مربعٌّ سيكونُ مملكةُ الجنديّ في الوقت الرّاهن، وسيبقى ها هنا ستّة أشهر، ومن ثمّ ليتعرّف على مصيره الجديد ومكان إقامتهِ الأخيرة التي سينطلقُ عقبها ويعود نحو عالمه القديم حاملاً معه الذكريات كندوبٍ سوداء في دماغه.

بسبب أعمارنا الكبيرة، وشهاداتنا الجامعيّة، كان بوسعنا أن نتكلّم نحن الجنودُ الأصدقاء في أمور السياسة والقوميَّات، ولكن بشكلٍ مقتضب ومُلغّز، كي لا يُفتضح أمرنا، ونُسجَن، أو نعاقب بتمديد مدّة الخدمة الإلزامية، الأخيرة التي كانت توازي حكم الإعدام بالنسبة إلينا.. الخوفُ كان صديقنا الوفيّ طوال ستّة أشهر، وامتدّت الصداقة إلى ما بعد هذه الفترة. تحدّثنا ونحن نخوض تمارينَ الرياضة أو تمارين التدريب على سياقة الدبّابات المنسَّقة، عن القوميّات السوريَّة، عن الطوائف والأديان، تحدّثنا وضحكنا وصمتنا أيضاً كثيراً، وقدمنا رشىً للمساعدين والرقباء: علب المتّة وعلب سجائر “الحمراء الطويلة”، كي نتملّص من الاجتماعات البغيضة ودروس السياقة، ونتمدّد تحت بطن الدبابات الضخمة، طمعاً أن ننام ساعةً إضافيَّة، ونتخيّل أنفسنا في عين الحلم أننا داخل بيوتنا. لكن لم ينَم أحد، كلّنا كنّا نؤدّي أدوارَ النوّمِ، لكننا، كنّا متيقّظينَ في دواخلنا، نتذكّرُ ونتذكَّرُ دون أن تكونَ لنا القدرةُ على تخيِّل ما بعدَ هذه المرحلة المعتِمة التي أُدخِلنا فيها عنوةً؛ نتذكّر آبائنا الذين كانوا يشمتونَ بنا صغاراً: “بقينا سنواتٍ خمس في الحياة العسكريَّة، أنتم جيلٌ جبان”. أبتسمُ لإنجاز الآباء الذي لا يعني شيئاً البتَّة، مجرّدُ أيَّامٍ وساعاتٍ ذهبت هدراً، وامتثالاً لظلمٍ واستعبادٍ غيَّر البنيةَ التفكيريَّة لجيلٍ كاملٍ أمضى عمره في الخوف!

  ونحنُ نستيقظُ في الصباحات الباردة على أصوات الضبّاط وهم يهينونَ البشرَ والحجر بكلامهم الذي كالخناجر المسمومة في خاصرة الصباح، كنت أقول أكثر الأحيان في داخلي: “هؤلاء برعوا في الإهانات، لا يمكن لأحدٍ في هذا الكوكب أن يجاريهم في براعة وإبداع الإهانات اليوميَّة”، لكن على الطرفِ الآخر كنتُ أتخيَّلُ حيوات هؤلاء الضبّاط، فهم مثلنا، ثمة من يقول لهم في نهاية اليوم: “سيّدي”، إذن، الأمر سيَّان بالنسبة لنا ولهم، نحن أسرى بالكامل، ولن ينجو أحدٌ منّا في هذا المهجعِ الطويل!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + اثنان =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى