ذاكرة مكان

غلاف جريدة ممزق

على غير عادتي وصلت إلى عملي باكراً، في وقتٍ كان فيه أصحاب المحال التجارية بالكاد قد بدؤوا بفتح أبواب محالهم، والمنادون يصدحون بأصواتهم على بسطات الخضار والفاكهة المفروشة على جوانب الطرقات، والموظفون يجرُّون أجسادهم المتثاقلة كالرجال الآليين، لا يملكون سوى السخط وإحساسهم بالعجز عن عمل أي شيءٍ آخر.

لم يكن ذاك الصباح كغيره من الأيام بالنسبة لي، إذ إنني اليوم متحمسة على غير عادتي، وذلك ما جعلني لا أُهمل أيّة تفاصيل بالأماكن التي اعتدت على المرور منها، من مدخل السوق إلى الساحة الرئيسية، مروراً بشارع الشعراني، إلى أن أصل إلى المكتبة التي أعمل فيها منذ قرابة السنة. وكأنني كنت أراقبها قبل أن تشهد على حدثٍ جديد لم تعتد مشاهدته من قبل.

كانت مشاعر الخوف لدي مختلطة، بين الخوف من الفشل في التصوير، والخوف من رؤيتي وأنا أقوم بالتصوير، فقد كانت الصور ترعب النظام وإعلامه، لأنها كانت الشاهد الوحيد لتوثيق جرائمهم في بلد معروف بوجود عدد كبير من أجهزته الأمنية السرية والعلنية، لطالما تم اعتقال العديد من الشباب لقيامهم بتصوير المظاهرات فقط.

كان الجو يُشعر الجميع بالقلق والتوجس، فقوات حفظ النظام والأمن يملؤون الشوارع، بالإضافة إلى الشبيحة الذين اعتمد عليهم النظام بشكل كبير في القتل والمداهمات والاعتقالات وفض المظاهرات، كانوا يومها متواجدين بكثرة يحملون العصي ومستعدين للانقضاض على فريستهم، يمكن وصفهم بحثالة البشر التي لا يمكن أن تمنح سوى البؤس والموت والخديعة والخراب.

 لم أكن أكترث لكل هذا، كنت أقبض على الهواء وأسير بخفة ريشةٍ تنسكب عليها الشمس من كافة أركان السماء، ليس ثمة إحساس بالخفة كذلك الذي يساور المرء بعد قهر مخاوف طال أمدها، فقد اتخذت قراري، اليوم سأنقل صوت الحرية.

كان ذلك في بداية عام 2013، وكانت قد شهدت أحياء مدينة السويداء العديد من المظاهرات قبل ذلك، لكنني وللأسف لم أشارك في أيٍّ منها، فالقمع الشديد والضرب والاعتقال الذي تعرض له المتظاهرون كانوا سبباً كافياً لدفعي نحو الخوف من المشاركة، لكن هذه المظاهرة والتي دعوا إليها قبل يومين على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، ستتم بالقرب من مكان عملي في المكتبة، فكيف سأفوت هذه اللحظة، وفرحة المشاركة التي لطالما انتظرتها.

هي لقطة واحدة، لقطة تكفي لتعطينا صورة عن مجتمع كامل يعيش على شفا الكارثة، بدا لي أمراً مريعاً أن يمسي شاب شديد البأس، هامداً مثل شبح، كانت خطواته تتعثر وقامته تؤول خيالاً. مشهدٌ استلب مني أنفاسي، أدركت حينها أن لهيب الحرب سيلفنا جميعاً، وثمة هاوية مرعبة تفتح فمها لابتلاع كل شيء.

شهدت الليلة التي سبقت المظاهرة أشد لحظات ترددي وحماسي، بين الدافع والحماس للمشاركة وبين الخوف منها ومن عواقبها. حتى إنني أمضيت الليلة أقلب بين فيديوهات المظاهرات في عموم سوريا علها تقوي أكثر من عزيمتي وتشد أزري، ثم تارة أذهب إلى مواقع تتحدث عن كيفية الدفاع عن أنفسنا تجاه الضرب، ثم أنتقل إلى المظاهرات مرة أخرى. إلى أن لمعت فكرة في رأسي تكاد تكون حلاً وسطاً بين المشاركة من عدمها. فخطر لي فجأة سؤالاً: لماذا لا أقوم بالتصوير من بعيد وإرسال الصور للصفحات المهتمة بنشرها بدل المشاركة في قلب المظاهرة، وبذلك أكون ربما قد خدمت المظاهرة أكثر، خاصة أن المظاهرات في السويداء حينها قلما كانت تصل صورها إلى الإعلام، ومن السهل عليَّ القيام بذلك لكوني أعمل مقابل المكان الذي ستتم فيه المظاهرة. لقد وجدتها إذاً وسأفعلها غداً بكل حماسة.

عندما وصلت إلى عملي في المكتبة، كان هناك مجموعة كبيرة من قوات حفظ النظام قد اتخذوا زاوية لهم في آخر الشارع، وصلوا قبل موعد تجمع المتظاهرين، وكانت المكتبة التي أعمل بها في الطابق الثاني وتطل على الشارع المتواجدين فيه، تكومنا على النوافذ لنشاهد ماذا سيحدث، تمركزت في مكان قريب للتصوير وبدأت أفكر في كيفية التقاطي للصورة وما أريد تصويره، كانت مشاعر الخوف لدي مختلطة، بين الخوف من الفشل في التصوير، والخوف من رؤيتي وأنا أقوم بالتصوير، فقد كانت الصور ترعب النظام وإعلامه، لأنها كانت الشاهد الوحيد لتوثيق جرائمهم في بلد معروف بوجود عدد كبير من أجهزته الأمنية السرية والعلنية، لطالما تم اعتقال العديد من الشباب لقيامهم بتصوير المظاهرات فقط.

فجأة ومن بين كل ذلك التجمع انفجرت أصوات المتظاهرين عالياً لتملأ المكان. سمعت أول هتاف انطلق من تلك المظاهرة: “الله.. سوريا.. حرية وبس” ثم هتاف آخر: “الشعب السوري ما بينذل” بدا الأمر بالنسبة لي غير مصدق، كان الشبان يتصاعدون بهتافهم وتتصاعد في وجوههم الحماسة والبهجة وكأنهم يولدون من جديد، لكن الأمر لم يستمر، فجأة بدأت أسمع أصوات ضرب عصي الكهرباء يتبعه صراخٌ وعويل وصيحات من هنا وهناك. كنا مازلنا في المكتبة أنا وأصدقائي نحاول أن نستوعب ما حدث، وأحاول أن اتمالك نفسي وأفكر بالطريقة التي سألتقط بها الصور. هرعت إلى النافذة وبذلك تأتى لي أن أشاهد المظاهرة بشكلٍ أوضح، وهناك اتخذت موقعي كصحفيةٍ تتحين لحظة التقاط مستقبلها الصحفي، لطالما حلمت أن أصبح صحفية وكنت أشعر وكأن تجربة التصوير هذه ستكون أول تجربة لي لأمتحن بها العمل في هذا المجال.

التقطت عدة صور للمظاهرة على عجل، لكن أياً منها لم تقنعني كصورة تليق بحماستي. فجأة يلاحق رجال الأمن شاباً ويستفردون به ويبدؤون بضربه بعصي الكهرباء ويمزقون ثيابه وهم يحاولون تثبيته وجره إلى سيارة الاعتقال. هنا شعرت وكأن التقاطي لصورة هذا الحدث لن تكون كغيرها، فسارعت لتسجيل اللحظة على الرغم من خوفي ورجفان كلتا يديّ من رعب المشهد إلى أن تمكنت فعلاً من التقاط صورة واضحة تجسد ذلك الحدث. مشهد ذلك الشاب، شابٌ طويلٌ مفعمٌ بالحياة، تمكنوا من الإمساك به وضربه بالعصي ورفسه على رأسه وجسمه وهم يرددون على مسامعه: “بدك حرية؟… بدك حرية يا حيوان؟”

هكذا قمت بمسح الصور عنوةً ودون إرادتي، والقهر يقتحم جسدي وشراييني، وكأنني أم تمحي صور أطفالها. تأكد الضابط من مسحي لكافة الصور وقلَّب الهاتف في يده ثم رماه على الطاولة وخرج مع عناصره، وتركني لخيبتي من مجرد التقاط صورة تعكس واقعنا، أنا التي كنت أحلم كثيراً بأن أصبح صحفية، ألتقط أخباراً وحقائق وأنقلها لجمهور القراء.

هي لقطة واحدة، لقطة تكفي لتعطينا صورة عن مجتمع كامل يعيش على شفا الكارثة، بدا لي أمراً مريعاً أن يمسي شاب شديد البأس، هامداً مثل شبح، كانت خطواته تتعثر وقامته تؤول خيالاً. مشهدٌ استلب مني أنفاسي، أدركت حينها أن لهيب الحرب سيلفنا جميعاً، وثمة هاوية مرعبة تفتح فمها لابتلاع كل شيء.

لكن فجأة، وفي غمرة شرودي وخيالي، انتبه لي أحدهم وأخبر الضابط المسؤول عنهم ليقوم الأخير هو وعدة عناصر باقتحام المكان فجأة هكذا وقبل أن أدرك ما حصل. هجموا باتجاه المكتبة واقتحموها وكأنهم يقتحمون مخبأً لإرهابيين، دخل الضابط قبلهم وتوجَّه نحوي مباشرة: “أعطني هاتفك وامسحي الصور أمامي وإلا سأعتقلك، شاهدناكِ وأنت تقومين بالتصوير”.

لم يكن لي رد سوى أنني “تبلكمت” وما عدت أتمالك تصرفاتي، فتارة أقبض بيدي على هاتفي وتارة أقربه من الضابط وكأنني أنتظر حدثاً ما ينقذني من حالتي، لكنه لم يأتِ.

هكذا قمت بمسح الصور عنوةً ودون إرادتي، والقهر يقتحم جسدي وشراييني، وكأنني أم تمحي صور أطفالها. تأكد الضابط من مسحي لكافة الصور وقلَّب الهاتف في يده ثم رماه على الطاولة وخرج مع عناصره، وتركني لخيبتي من مجرد التقاط صورة تعكس واقعنا، أنا التي كنت أحلم كثيراً بأن أصبح صحفية، ألتقط أخباراً وحقائق وأنقلها لجمهور القراء.

لكن وكما وقفوا بوجه حلم المتظاهرين بقول كلمة حرية، وقمعوا حلمهم بالحرية، كذلك قمعوا حلمي في التفكير بأن أكون صحفية مع أول محاولة لي. لم يعد بإمكاني تخيل قدرتي على نقل صورة ذاك الشاب، لم يعد بإمكاني تخيل أن تكون صورته منتشرة على الصفحات لتدل على قمعهم ووحشيتهم. نعم لقد مزقوها كما مزقوا ثيابه وكما مزقو حلمي وغلاف جريدتي المتخيلة، بل مزقوا وطناً كنا نحلم بأن نحيا فيه مثلما نريد أن نحيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × ثلاثة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى