الجبل السحري

شارك القصة

سئل معروف الكَرْخي عن التصوف فقال: “هو الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق”.

وهذا يجعل اليرموكيين أبعد الناس عن لبس الصوف، فعدا إنكارهم لكل ما كانت تراه عيونهم وتتقراه أيديهم بلمس، ظلوا معلقين بالمجتمع الدولي وكراتين الأونروا ونصرة أبناء بويضاتهم وسوائلهم المنوية.

أبو القاسم الجنيد كان أكثر إيجازا وتحديدا: “التصوف عَنوة لا صلح فيها”. معذرة إليك يا أبا القاسم! فهذا كلام ثقيل لا إخالنا كنا قادرين على فهمه في تلك السنوات المشؤومة، ولا في أي سنوات.

لنجرب شيئا آخر إذن:

سئل سهل بن عبد الله قدس الله روحه: من المتصوف؟ فأجاب: “من يرى دمه هدرا، ومِلكه مباحا”. ياه! هذي هي! وبقدر ما هُدرت دماؤنا واستبيحت أملاكنا فإننا بلغنا بذلك أعلى مقامات التصوف، وصرنا جميعا دون استثناء بين قطب، وغوث، وباز أشهب، وكبريت أحمر، وسلطان عارفين، وشيخ محققين. “ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات”. باختصار: كنا أولياء، لكن أولياء دون كرامات، بل دون التمتع بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية “ولقد كرمنا بني آدم”، بل دون نوع حيواني مهدد بالانقراض يَهرع العالم المتحضر لنجدته. أولياء من نوع خاص لا يندرجون تحت بند ممن هم “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.

وإلى تصوفهم، كان اليرموكيون من غُلاة القُبوريين: يزورون قبور موتاهم وشهداء ثورتهم الفلسطينية مرة أو اثنتين في الأسبوع، يستسقون بها المطر، ويطلبون منها الشفاء، ويبتغون بها الوسيلة والشفاعة، ويقدمون لها القرابين، ويذبحون لديها الأنعام، وفوق ذلك كله ــ وكأن ما سبق لا يكفي ــ يقرؤون سورة الفاتحة أو سورة يس. لذا كان من واجب أبناء “تنظيم الدولة الإسلامية” هدم القبور وشواهدها وطمس معالمها، تُعاونهم في ذلك قذائف النظام وبراميله “وتعاونوا على البر والتقوى”. ولم كل ذلك؟ للحفاظ على صفاء التوحيد واستتابة أهل اليرموك من وثنيتهم، استعجالا للنصر الإلهي. واستعجالا للنصر الإلهي أيضا قال لي المدعو “أبو الزهراء”: “لا يجوز  لك بصفتك طبيبا ومسلما أن تعالج الكفار”. من الجيد أنه أقر لي بالتطبب والإسلام، كانت هذه شهادة يفخر بها المرء. بيد أنه من السيئ أني كنت مسطولا بما يكفي لمناقشته نقاشا عاصفا وأنا محاط بجنود “الدولة”.

كان علي بن رضوان بن جعفر المصري 998 ــ1061 م عميد أطباء مصر أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. من مؤلفاته: “كفاية الطبيب فيما صحّ لديّ من التجاريب” وكذلك شرحه لكتاب جالينوس. وهو القائل:

“من واجب الطبيب أن يعالج أعداءه بالروح نفسه، والإخلاص ذاته، والاستعداد عينه، الذي يعالج به من أحبهم”.

لكن من الكفار الذين قصدهم “أبو الزهراء”؟ كان في المخيم من أبناء الملل والنحل والفصائل والهيئات والمؤسسات، بل من الناس الذين لا همَّ لهم إلا همُّ المعاش، ما يكفي لتصنيفهم تحت بند التكفير الداعشي. بل إن كان أعضاء جبهة النصرة بنظر الدواعش مرتدين، فماذا نكون نحن؟ جيد أنهم لم يحزوا رؤوسنا في عرض جماعي يتلوه “إصدار” استثنائي مميز.

لذا كان من واجب أبناء “تنظيم الدولة الإسلامية” هدم القبور وشواهدها وطمس معالمها، تُعاونهم في ذلك قذائف النظام وبراميله “وتعاونوا على البر والتقوى”. ولم كل ذلك؟ للحفاظ على صفاء التوحيد واستتابة أهل اليرموك من وثنيتهم

لكن فعلا: من يكون علي بن رضوان هذا وابن سينا والرازي والزهراوي ووليم أوسلر وكلود برنار والميثاقان الإسلامي والعالمي للأخلاقيات الطبية والصحية حتى يحكموا على الطبيب كيف يتصرف؟ قد كفانا “أبو الزهراء” شرورهم. قلت له مختتما جدلنا العلمي الفقهي ذاك: “من الآن فصاعدا سأمتحن عقيدة كل مريض قبل سماع شكواه وأخذ قصته السريرية”. وعلى الرغم من جهله المركب، لم يكن “أبو الزهراء” بالغباء الذي خمَّنت. لقد أدرك استهزائي، وكان من الغريب أنه اكتفى يدعو لي بالهداية. من قال إنهم متطرفون؟

وفي الوقت الذي كنت أعالج فيه المرضى بما تيسر من أدوية منتهية الصلاحية بعد أن أجربها على نفسي أو أسأل عنها مواقع إلكترونية متخصصة بعلم السموميات، في الوقت الذي كنا نقيم فيها الدنيا ولا نقعدها للحصول عبر حاجز العروبة ــ دام ظله الشريف ــ على القليل من علب خوافض اللسان ومخدرات موضعية (ليدوكائين 2%) وقفازات عقيمة والكثير من المَنِّ والازدراء، في الوقت الذي مات فيه من المدنيين عشرات الولدان وأولات الأحمال والجرحى ومرضى السكري والسرطان والقلب وارتفاع التوتر الشرياني، على الرغم من إقامتهم في “منتجع الجبل السحري” المسمى مخيم اليرموك… في هذا الوقت وبعده، كان مصابو جنود تنظيم الدولة ومرضاهم يتلقون العلاج في “مشفى المهايني” في حي الميدان في عاصمة الأمويين دمشق. وطبعا، من نافل القول أن حي الميدان لم يكن تحت سيطرة أي فصيل ثوري. كان حيا “نظاميا” مئة بالمئة.

كانت تقلهم سيارات خاصة، عبر حاجز القدم، الدنيا كلها حواجز، بلحاهم وشعورهم الطويلة، وثيابهم الأفغانية، ومسدساتهم الشخصية، ويعودون محملين بالصور الشعاعية والتحاليل المخبرية وأكياس الأدوية.

واضح أن النظام وطاقم مشفى المهايني كانوا يمارسون أخلاقياتهم المهنية ــ التي لا تعجب “أبا الزهراء”ــ بحذافيرها وبأعلى درجات المسؤولية والاحتراف.

بل إنه في إحدى المعارك الهزلية التي جرت في منطقة “القدم” والتي سقط فيها عشرات من جنود النظام صرعى (بلغوا بين مئة ومئتين) وأقام الدواعش حفلا صاخبا احتفاء بجثثهم، في هذه المعركة نفسها تلقى مصابو التنظيم العلاج في المشفى إياه. النظام والتنظيم من جذر لغوي واحد (ن ظ م)، لستَ بحاجة إلى معجم في فقه اللغة لتتأكد. وقديما قال الأول:

ألم يياس الأقوام أني أنا ابنه ….. وإن كنتُ عن أرض العشيرة نائيا؟

ويئس بلغة هوازن تعني: علم، “ومن سمع حجةٌ على من لم يسمع”. وكان اليأس الذي كنا نعيشه درجة من درجات العلم تكاد تبلغ حق اليقين وعينه ويأسه. وكان مما زادنا علما أن تبرير الدواعش كان صريحا إلى مقام الفجاجة: “الدولارات تصنع كل شيء!” ولم يسألهم أحد منا من أين كانت تصلهم تلك الدولارات، فالمال يلد المال كما هو معروف. وكان مما زادنا يأسا أن بعضهم ذهب إلى ذلك المشفى لإجراء عمليات مترفة من قبيل “دوالي الحبل المنوي”. فكثير منا نحن معشر الذكور، ممن لديهم هذه الأوردة المتعرجة المتوسعة في أكياسهم التي تحوي الخصيتين، مصابون بنقص في الخصوبة، والحل السريع الأكثر جدوى يكون بربط هذه الأوردة. وجنود التنظيم بحاجة إلى ذرية وأشبال، مثلما يحتاج حزب النظام إلى أنصار وأعضاء عاملين.

سئل أبو القاسم الجنيد عن التصوف، وكان هذه المرة على اطلاع وثيق بتخلفنا العقلي وحالنا المزرية، فقال: “ذِكر مع اجتماع، ووجْد مع سماع، وعمل مع اتباع”. معذرة إليك مجددا يا أبا القاسم! فأنت لا تزال تظن أنك تخاطب معشرا أسوياء.

اللوحة للفنانة الإيطالية Claudia Avolio بإدذن شخصي منها للكاتب.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

شوبنهاور وحيوان الخُلد

في التاسع من أيلول من أحد الأعوام، إذ كلها متشابهة، كتب كارل ماركس إلى رفيق دربه فردرش إنجلز: “لقد عشنا ثمانية أو عشرة أيام تقريبا على الخبز والبطاطا، أما الآن فقد لا نستطيع أن نحصل حتى على ذلك. وأفضل ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تلقي بنا صاحبة البيت خارجا، لأنني حينذاك سأتخلص من […]

اعرض المزيد

المأدبة

ثم عرضها الله على الملائكة فقال: أنبئوني باسمها. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. آدم نفسه لم يعرفها. وحدها مواطنة من مخيم اليرموك اكتشفت هذه العشبة، ومثلها مثل أي عالم نباتات كابن البَيطار أو “فالتر ميجولا” أطلقتْ عليها اسما. وكان الاسم: رجل العصفورة. ومثلها مثل أي عالم يود إحاطة رأسه بهالة من القداسة، […]

اعرض المزيد

معطفٌ من نار

سُئل الكاتب والفنان الفرنسي “جان كوكتو” مرة: لو أن حريقاً شب في منزلك، فماذا سيكون أول شيء تخرجه منه؟ فأجاب من فوره: النار! عدا عن كونه ذكياً، فقد كان “كوكتو” محظوظاً. على الأقل كان هناك نار في بيته. نار يطهو بها طعامه، نار يستضيء بها في ليل كهفه، نار يستدفئ بها في الأشتية اللعينة، نار […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories