ذاكرة حصار

عنقاء الرماد الثالثة

عبر البريد الإلكتروني…

وصلتني رسالة تقول:

«مجزرة في الغوطة الشرقية قرب “دمشق”، بصواريخ على “زملكا” ومحيطها، تحمل غاز السارين الكيماوي السام، راح ضحيتها أكثر من ألف ومئتين، معظمهم من الأطفال والنساء، والحصيلة مرشحة للزيادة، مع نقص الأدوية اللازمة، واكتظاظ المشافي الميدانية بالحالات الكثيرة والشديدة».

من فوري، كتبت لـ”إسماعيل”؛ صديقي من قرية “دير العصافير”، الواقعة شرق “دمشق” في الغوطة الشرقية، عبر “الواتس أب”… كان الغضب والقهر يستبدّان بي، والأرض تميد تحت قدميّ، والدموع تطفر من عينيّ رغماً عنّي، ورغم محاولة الاطمئنان على “إسماعيل” وأسرته… كنت آمل أن أعلم بعض التفاصيل منه.

جاءني ردّه فاجعاً:

«نحن ما زلنا بخير يا صديقتي، لم يصلنا الغاز السام… لكنّه فتك بـ”زملكا” و”جوبر” و”عين ترما” ومحيطها جميعاً. سمعت أن صاروخين كيماويين أيضاً سقطا على “معضمية الشام” في الغوطة الغربية، ولا أعرف وضعها… أنا الآن في المستشفى الميداني، قرب “النشّابيّة”. المنظر تقشعرّ له الأبدان، وحالة هستيرية تصيب الجميع. شيء لا يصدّقه العقل، والأوضاع خارج السيطرة بالمطلق…

لقد وصلتنا منذ ساعة عائلة صديقنا المهندس “عماد الحرستاني”، تعرفينه جيداً، هو وزوجته وأطفاله الخمسة، لم نستطع إنقاذ أحدٍ منهم للأسف الشديد. قضوا بعيد وصولهم إلى هنا بلحظات. علائم الهلع والذهول تعلو وجوه الضحايا والمسعفين على حدٍّ سواء… ماذا أقول لك يا “سلّامة”؟! الأوضاع فوق قدرة الكلام على الوصف… أحمد الله أنّك غير موجودة هنا، لأنني أعلمُ حساسيتك المفرطة، وأن أعصابك لا يمكن أن تتحمّل ما نحن فيه».

أجهشتُ ببكاءٍ متفجّعٍ:

«رحمة الله عليكَ يا “عماد”، يا رفيق الدرب، يا رفيق النضال والكلمة الشريفة… رحمة الله عليكِ يا “هند”، وألف رحمةٍ على الملائكة الصغار! ما ذنبهم هؤلاء؟

“ملاك” الملاك، كانت النسمات تضحك لضحكتها، والشمس تزهو في السماء لزقزقتها!؟ وإخوتها الأربعة الذين يملؤون الحي صخباً ولعباً… الرحمة لكم جميعاً… ولكلّ الشهداء… كم ستحصد هذه الحرب المجنونة العفنة أيضاً من الأبرياء، الذين لا حول لهم ولا ذنب؟ وماذا بعد كلّ هذا الدمار والخراب، يا أيها المتربّع فوق، فوق جراحنا وآلامنا!؟

 “فاظهر مثل عنقاء الرماد من الدمار…”».

**********

عبر البريد الأثيري…

صديقي “مصطفى”، حادثني منذ يومين. طمأنني أنّه وصل إلى ألمانيا. روى لي ما حصل معه ومع زوجته وأطفاله الثلاثة. قبضت عليهم الشرطة البلغارية، بعد معاناة ثلاثة أسابيع في تركيا. من مهرّبٍ إلى مهرّبٍ. حتى المهرب الذي قبض مبلغاً كبيراً من المال ليوصلهم إلى ألمانيا، تركهم وسط بلغاريا لمشيئة الأقدار، وفرّ هارباً.. اختفى!!

أودعتهم الشرطة السجن؛ أسبوعاً، أسبوعين، ثلاثة أسابيع… كانت المعاملة سيئة للغاية، والنظافة معدومةٌ حتى في الطعام والشراب. تعرّضوا للسلب والابتزاز من عناصر الشرطة، وسُرقت هواتفهم النقّالة. «كأننا في سجون النظام في بلدنا، بل أسوأ..»، على حد تعبيره.

بعد التحقيق، خُيروا بأن يبصموا ويظلوا في بلغاريا، أو يغادروا إلى أي وجهة يختارونها، فظنّوا أن الفرج جاءهم. قالوا نغادر، نريد الوصول إلى ألمانيا. أعادوهم إلى السجن، وقالوا لهم بعثنا بأوراقكم وطلبكم إلى الحكومة الألمانية، وعندما تأتي النتيجة من هناك نخبركم.

ثلاثة أشهر من السجن والعذاب، وقلة الطعام والشراب، والمصاريف التي لا تُحتمل… حتى جاء من يناديهم، وكانوا قد فقدوا الأمل في الخروج من السجن. أخبروهم في غرفة الإدارة أن الزوجة والأولاد قد حصلوا على موافقة اللجوء في ألمانيا، بينما رُفض طلب الزوج.

غريبة هذه الحال! ما مصلحة البلغاريين في إرسال طلبات الأسرة مفرّقة، وليست طلباً واحداً للأسرة مجتمعةً؟ وإذا كانوا أرسلوا طلب الأسرة مجتمعةً، ما مصلحة الحكومة الألمانية في قبول الزوجة والأولاد، ورفض الزوج؟

سافرت الزوجة والأطفال الثلاثة إلى ألمانيا، وتقدّموا بطلبات اللجوء، وبقي الزوج في السجن البلغاري. سبعة أشهر أخرى من العذاب والمعاناة، حتى جاءه لمّ الشمل، من أسرته التي حازت إقامة في ألمانيا، ولم يُخلَ سبيله ليلتحق بعائلته، إلا بعد اكتمال أوراقه، وإجراء مقابلة في السفارة الألمانية في بلغاريا، وبعد أن عانى عشرة شهور، من اعتقال ذكّره باعتقاله في أقبية الأمن السوري، تحت التعذيب.

ولكن لماذا؟… ألمانيا تستقبل اللاجئين وتعاملهم معاملة جيدة، وتمنحهم الإقامات خلال أشهر قليلة، من الإجراءات والمقابلات… أمّا من كانت لديه بصمة في دولة أخرى، فإنّ أموره تتعسّر، ووضعه يتعقّد، وتتدخّل اتفاقية “دبلن” في الموضوع، فلا يحصل على الإقامة إلا بعد وقت طويل، وتكليف محامٍ يدفع له ما يقتطعه من طعامه وشرابه… وقد يُعاد اللاجئ إلى الدولة التي بصم فيها.

كيف؟ أليس هذا خطأً قاتلاً؟ كيف لدولة الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان أن تقبل بهذا؟ أليس من انتُهك بحقّه قانون حقوق الإنسان وحمايته، وبصم تحت الضغط والضرب والتهديد والسجن، أولى بالحماية والرعاية والدفاع عنه وعن حقوقه؟ أوليس الأولى أن تُدان الدولة التي انتهكت بحقّه قانون حقوق الإنسان وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، ووقّعت على قانون حقوق الإنسان؟

لماذا يعيدونه إلى دولة أهانته وأذلّته، وانتهكت كرامته، وعاملته معاملةً سيّئةً؟! هذا ما نصّت عليه اتفاقية “دبلن” بين الدول الأوروبية، ولكن هذا مخالف لقانون حقوق الإنسان وحمايته، فهل الاتفاقية تلغي القانون أو تتجاوزه؟

**********

بريد عنقاء الرماد…

«”مخيم اليرموك” تدخله “جبهة النصرة”، من جهة “الحجر الأسود”، ويحاصره النظام من جهة “دمشق”».

هذا ما أخبرني به بريدي الإلكتروني عبر الهاتف. كنت أتتبع أخبار الأوضاع في “دمشق” ساعة بساعة، ولا سيما ما يحدث في المخيم، حيث أعرف فيه من الصديقات والأصدقاء ما لا أعرفه في أي بقعة أخرى في سورية، حتى في مدينتي “السويداء”.

الحدث يذكّرني بالمخيمات الفلسطينية في لبنان… حين دخلت إسرائيل لبنان مطلع الثمانينيات، بالتعاون مع حزب “الكتائب” اللبناني، وحاصرت “بيروت”، مثلما حاصرت المخيمات الفلسطينية فيها… لم تخرج من “بيروت”، بل من لبنان، إلا بعد أن أبادت الفلسطينيين في المخيمات، بعضهم بيدها، وبعضهم الآخر بيد حزب “الكتائب”، لكن تحت إشرافها ومتابعتها لإنجاز المهمّة بدقة ومهارة!!!

وعلى ما يبدو كان هدف إسرائيل من غزو لبنان أولاً وآخراً، تصفية الفلسطينيين الموجودين فوق أرضه، والتخلّص من المطالبين بحقّ العودة، لتكمل مسيرة التصفية التي ابتدأت في مخيم “تل الزعتر” على يد قوات “الأسد” الأب.

كان عدد سكان مخيم “اليرموك” قد تجاوز الثمانمئة ألف نسمة، قبيل أحداث “الثورة”، معظمهم من الفلسطينيين، والقليل من السوريين، ومن طاب له المعشر من الإخوة العراقيين واللبنانيين والأردنيين أيضاً… إذ كان المنطقة الأشد ازدحاماً في “دمشق” ومحيطها، والأشد حيويّةً وحراكاً اجتماعيّاً وثقافياً وسياسياً..

ومنذ ابتداء الأحداث، أصبح يؤوي أكثر من عشرة آلاف عائلة سورية، نزحوا إليه من مختلف المناطق المشتعلة، لأنه بقي حتى لحظتها خارج لعبة “الثورة” لأكثر من سنة ونصف السنة، في محاولة من الإخوة الفلسطينيين للنأي بالنفس، كمحاولة لتجنيب الذين هُجّروا من ديارهم وأراضيهم منذ عام 1948 وما بعدها، التهجير والمذابح من جديد… فما كان ينقصهم تهجير آخر، وإن حصل أخيراً بجهود النظام الجبّارة.

أواخر عام 2012، قصف طيران النظام مسجد “عبد القادر الحسيني” داخل المخيم، بحجة وجود “جيش حرّ” في أطرافه، وكان الضحايا بالعشرات، من الفلسطينيين، ومن السوريين الذين التجؤوا إليه من المناطق المحيطة. في صباح اليوم التالي وجّه النظام إنذاراً عاجلاً لإخلاء المخيم، إذ ما كاد المساء يحلّ حتى تحوّلت الأرض إلى جحيم، الدبابات والمدفعية تدكّ المخيم، وشارك سلاح الجوّ بصواريخه وقنابله المتنوعة، المسموح بها والمحرّمة دولياً!!! ليستفيق المخيم على كارثة، تذكّرنا بمدينة “القنيطرة” عام 1974، عندما انسحبت منها إسرائيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى