شبه جزيرة الشيطان

شارك القصة

يفضل الجن سكنى الخرائب والأماكن المهجورة، هذا ما أجمعت الأمة عليه. وربما شذ أكثر “المعتزلة” فأنكروا وجود الجن، لكنهم استخدموا العقل “فضلّوا وأضلوا” كما قال مرة خطيب الحرم المكي الشريف، لذا لن نأخذ بقولهم هذا. وكان مخيم اليرموك موطنا مثاليا يعثر فيه جني وجنية شابان على عش للزوجية دون حاجة لوكيل عقارات. فالمكان الذي كان يقطنه مئات الآلاف من السوريين والفلسطينيين حتى ليلة السابع عشر من كانون الأول 2012، المكان الذي كان مضاءً أربعا وعشرين ساعة في اليوم رغم تقنين الكهرباء الذي لا ينتهي، المكان الذي كان قطعه على الأقدام أسرع بكثير منه على عجلات سيارة، المكان الذي كان عاصمة الفلسطينيين في الشتات، المكان الذي كان باعتراف إذاعة شام إف إم ــ وهي من هي ــ أكبر سوق استهلاكية في القطر العربي السوري، هذا المكان: “أضحى خلاء وأمسى أهله شحطوا…” والإمساء مناسب في هذا المقام، وإن كان الارتحال بدأ مع ساعات الصباح الأولى.

المكان الذي كان عاصمة الفلسطينيين في الشتات، المكان الذي كان باعتراف إذاعة شام إف إم ــ وهي من هي ــ أكبر سوق استهلاكية في القطر العربي السوري، هذا المكان: “أضحى خلاء وأمسى أهله شحطوا…” والإمساء مناسب في هذا المقام، وإن كان الارتحال بدأ مع ساعات الصباح الأولى.

والشَحَط هو البعد، وهذا اللفظ هنا ملائم لوصف قوم كانوا يشحطون وراءهم أو أمامهم ما قدروا على حمله من أثاث منازلهم: ثياب، برادات، غسالات، شحاطات، خبز يابس، نايلون للبيع…والشَحْطة: “داء يأخذ الإبل في صدورها فلا تكاد تنجو منه” لنتخيله إذن شيئا من قبيل ذات رئة بجراثيم مقاومة لكل المضادات الحيوية تصيب مريضا في العناية المشددة موضوع على التهوية الآلية: لا مفر.

لا يفكر الذكر منا بغير طعامه وشرابه وتبغه وقضيبه، حتى إذا دهمته بنت من بنات الدهر صار فيلسوفا وأخذ يسأل عن المعنى: مأمون! ما معنى ما يحدث؟ مأمون منشغل بتصوير جحافل المستوطنين وهم يخرجون من ديارهم حذر الموت. هذا الهروب هو ما يغيظه، من الأحمق الذي يهرب من الموت؟ حمُرٌ مستنفرة، فرت من قسورة. أما أنا فلم أكن من النوع الذي يذهب بحثا عن مغامرة، بل يفضل أن تأتي المغامرة إليه. لذلك بقينا. وكان قرارا في غاية الصحة، والغباء. لكن من ذا يحكم على الأمور بنتائجها سوى براجماتي يزعم أن هذه فلسفة حكيمة؟ ثم ماذا سننقذ من بيتنا؟ الكتب وحدها تتطلب قافلة من الحمير تحمل أسفارا. كان البقاء هو الخيار الأسهل الذي ينسجم مع كسل فُطِرتُ ووطنت نفسي عليه وتعبت كثيرا في تربيته. لو كنت أعلم ما تخبئه لنا السنوات الآتية لكنت ما أتيت إلى هذه الدنيا من الأساس. أما وقد ارتكبت ذلك الغلط الأزلي مذ كنت في عالم الذر، فلن أكرر خطيئة الانتقال من رتبة في الوجود إلى رتبة أخرى. لن أكون مثل رفيق وصديق وزميل دراسة ومهنة ناداني مبتسما وهو يسير بين الجموع شاحطا أولاد أخته: شو بقيان؟ فأجيبه مقابلا ابتسامته بابتسامة: شكلي بقيان والله.

ولم يكن في هذا القرار أية بطولة.

منذ طفولتي الأولى كنت أكره ولا أفهم كلمة البطولة التي تتصدر المسلسلات العربية. وأخذ حبي للمحاكاة الساخرة لأدوار البطولة ينمو على مر الأيام.  ضد البطل، الأنتي ــ بطل، وليس البطل هو ما يجتذبني. ولذلك ربما أعشق رواية “يوليسيس” لجيمس جويس على الرغم من صعوبتها وإثارتها للضجر: ليوبولد بلوم الأنتي ــ بطل الذي بدل أن يخوض مغامرات ملحمية في البحار ينزل لشراء قطعة من لحم الخنزير، وبدل معاركه مع منافسيه على المُلك يتورط في شجار تافه في إحدى الحانات، وبدل أن يترك وراءه بينيلوبي المخلصة تحوك على مغزلها ثوبا لن ينتهي، تخونه زوجته مع أحد أصدقائهما.

وشبه جزيرة الشيطان هي مخيم اليرموك نفسه وقد كان يحده الحصار من جميع جهاته، خلا ــ في بعض الوقت ــ بقعة واحدة يمكنك رؤيتها بسهولة تحت الميكروسكوب اسمها “حاجز العروبة”. والتسميات الرمزية تكتنف كل شيء في اليرموك.

كنت أرى ذلك وصفا أقرب إلى واقع حالنا وحياتنا، وربما هو الشيء الذي جعل الشخصيات الخارقة مثل سوبرمان وسبايدرمان وباتمان تستولي على مخيلة إنسان القرن العشرين، قبل أن تأخذ أفلام الزومبي الحيز الجدير بها من مشفى الأمراض العقلية الذي يسمونه سينما. 

أما البطل الحقيقي كما أراه فكان عندي أحد ثلاثة:

من يحرز بطولة العالم في الشطرنج، أو من ينتحر لسبب فلسفي محض، أو من يعارض إجراء التجارب العلمية والطبية على الحيوانات من منطلق أنه عندنا ما يكفي من السياسيين والإعلاميين ليكونوا بدلاء ممتازين.

ولما لم أكن واحدا من هؤلاء الثلاثة، فلم أكن بطلا بنظري. كنت مجرد شخص كسول فضّل ميتة سهلة على نوبة جديدة من الحياة، أو هذا ما كنت أحسبه.

كذا إذن ــ باختصارــ صار المخيم أطلالا وخرائب تناسب سكنى الجان. ولم نشعر بوجودهم بادئ الأمر، فقد كانوا ــ والحق يقال ــ على قدر عال من اللباقة. فلم يكونوا يقيمون حاجزا أول المخيم، لم يتحكموا بدخول وخروج السكان، لم يستخدموا الملثمين من أبناء المخيم في الوشاية بمعارضي النظام، لم يمارسوا الاعتقالات العشوائية والابتزاز، لم يمنعوا ربة العائلة من إدخال أكثر من كيلو رز وربطة خبز (تمهيدا لتجفيف موارد المخيم) والأهم من كل ذلك لم يكونوا هم من قصفوا في اليوم السابق بطائرات الميج مسجد عبد القادر الحسيني ومدرسة الفالوجة ومحيطهما موقعين مئة وخمسين قتيلا وجريحا. الأرقام لا تهم كما اتفقنا، ناهيك بصعوبة التأكد من دقتها حين تكون مزقا وأشلاء تستخرج من ركام، من فوقه ركام، من فوقه ركام. من فعل ذلك إذن؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين ولا تزال مسألة هذا القصف المجهول ــ مثل كل شيء من الهبوط على القمر إلى قارة أطلنطس ــ مَثارا للخلاف والجدل. ولو كنتُ شاعرا رمزيا ما كنت سأجد أفضل من هذين الاسمين (الحسيني والفالوجة) لمحوهما، ولو كنت علمانيا علميا ــ وفق صيغة الحزب الحاكم ــ ما كنت لأجد أفضل من مسجد ومدرسة لقصفهما، ولو كنت استراتيجيا عسكريا بارعا، ما كنت لأجد أفضل من مكانين مكتظين بنازحين من المناطق المجاورة احتضنهم المخيم وأهله. ولما لم أكن شاعرا رمزيا، ولا علمانيا علميا، ولا استراتيجيا بارعا، لم أفهم حينها الحكمة من هذه المجزرة، فللمجازر حكمتها كما هو معلوم. وقديما قال القائد المعلم بن جوريون (أو لعله جابوتنسكي): “اقتل عشرة، وقل إنك قتلت مئة، سيخاف ألف، ويهرب عشرة آلاف”. لكنني بخلاف حكامنا، أقرأ التاريخ للتسلية فقط، ولا أتعلم منه شيئا ذا بال. 

لكن كل ما سبق كان في بادئ الأمر كما ذكرت، إذ سيسفر الجن لاحقا عن وجههم القبيح. وستحل اللعنة بالمخيم وفيه وعليه. واللعنة تعني أشياء كثيرة، أي هي لفظ مشترك وفق اصطلاح المناطقة، فهي تعني الموت والجوع والفقر والحسد والأمراض… ولا يمكن إرجاع هذه المصائب جميعا إلى سبب آخر سوى الجن. مهما كان لك موقف سلبي أو ريبي من عالم “ماوراء الطبيعة”.

وشبه جزيرة الشيطان هي مخيم اليرموك نفسه وقد كان يحده الحصار من جميع جهاته، خلا ــ في بعض الوقت ــ بقعة واحدة يمكنك رؤيتها بسهولة تحت الميكروسكوب اسمها “حاجز العروبة”. والتسميات الرمزية تكتنف كل شيء في اليرموك. وكان حاجز العروبة نقطة الاتصال/الانفصال بين مخيم اليرموك من جهة، وما سيصبح اسمه البلدات الثلاثة (يلدا، ببيلا، بيت سحم) من الجهة الثانية. وسيكون لحاجز العروبة هذا شأن في التاريخ يجعله جديرا بالانضمام إلى قائمة تضم ساحة الطرف الأغر (ترافلجار) وقوس النصر وتمثال الحرية وسور الصين العظيم. أما نسبة شبه الجزيرة هذه إلى الشيطان فلها مبرر تاريخي يرجع إلى أيام إخراج أبوينا من الجنة وإهباط إبليس معهما، ولهذا حديث آخر خشية الإطالة والإملال.

الصورة من تنفيذ المصمم الجرافي: المأمون محمد



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

كم الساعة الآن في قلب الفراشة؟!

أخطأتُ بلفظ اسمي مرات عديدة، و أمسكت بأطراف الحروف أستجديها، لما تهربين، صحبة عمر تجمعنا منذ أشرقت مدينة دمشق في عيني، منذ اعتدت اصطحاب الكتب كل مساء بدل أحاديث النسوة في قريتنا، و كتابة أحلامي في قصيدة عبثية بدل الإسرار بها لفتاة ثرثارة من بنات الجيران. فهناك لا وقت للثرثرة،عليك أن تعرف من أنت و […]

اعرض المزيد

دليل راقصة التعري إلى علم الأخلاق

حين مثلت “ديمي مور” دور البطولة في فلم “ستربتيز” وأدت ببراعة دور راقصة متعرية، احتاجتْ قراءة الرواية وزيارة كثيرٍ من أندية التعري في الولايات المتحدة للتعرف الحقيقي بهذه المهنة وممتهناتها. المسألة علم ودراسة، وإن كان بعضهم يرى في هذا نقصا في الموهبة الفطرية أحوجها إلى التعلم بدل الانصياع إلى الغريزة. وقد يفسر هذا لم حاز […]

اعرض المزيد

أثداء القاضية وثلاث ساعات في القصر العدلي

كنتُ أقفُ على حافة الهاوية، كأنني ذلك الشبح، مصفرَ الملامح .. نعم أوائل عام 2012، استحالت ساحة الأمويين هاويةً في تلك الظهيرة، حوالي الساعة الثانية، ولم يحطني آنذاك سوى الدهشة، وضجيج أبواق السيارات.. وعابرون يتفرسون وجهي، ويتساءلون في أنفسهم” من هذا الذي يقفُ كالبهلول، بثيابٍ رثّة ووجهٍ صفعته جميع كفوف الزمن! بعد أن شدّ أحد […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories