ذاكرة شخصيه بورتريه

من قتل فرهاد؟!

كانت الدماءُ كالظلالِ على الجدران، لونها قانٍ، وحتى لها رائحة قاسية، مثل طعنةِ حربةِ بندقية، صدئة، في القلب! ولم تتسلق تلك الدماءُ، وهي جافلة، ببطء، إنما كانت تحبو، وتزحف على الجدران الباردة والصلدة، كما الديدان التي نراها تحفرُ في أجسام الآخرين، أو أقدامهم وأيديهم، حتى العظام (عظامنا) ؛ ولم يكن ذلك إلا عفن الأمة العربية والإسلامية الزائفة، الذي ينخرُ  في قلوبنا منذ عقود، باسم الوحدة والحرية والاشتراكية، والقومية، و(إلخ)؛ من أكاذيبَ تدعو للتقيؤ، وإعادة  الخلل -الأول-في ميزان الكون!

  • فرهاد… كان يجلسُ حذوي .. متكوراً مثل حيوانٍ وديع: – قط، عصفور؛ لا أدري!  لكنه كان يتنفس بصعوبة، وأحياناً كان يُخرج من فمه زبداً أبيضَ على شكلِ فقاعاتٍ، ومادة صفراء اللون ساخنة، جداً، جداً .. كثيراً، كنت أمسحها بكفي، وأحاول عبثاً إيقاظ – فرهاد، أو حتى سحبه نحوي، لأسنده إلى جدار الزنزانة ( شبه المنفردة!)..

فرهاد.. الآن يحتضر، ولم يدرِ أحدٌ  (به -عنه) غيري، في هذا المعتقل اللعين- فرع الأمن العسكري، بدير الزور؛ كان فرهادُ معتقلاً إلى جانب عشرات الشباب، والضحايا العابرين، ومنهم أنا… وذلك حصل، نهاية الشهر الثامن، خلال عام 2011- أيام شهر رمضان الأخيرة… حينها كنتُ في حيّ الجورة، حيث ترعرعَ قلبي، (وهو أحد الأحياء الأولى)، التي انتفضت ضد نظام بشار الأسد، عقبَ درعا، بفترة وجيزة من اندلاع الثورة السورية؛  نعم، لقد هربتُ –  بعد اقتحام الحي؛ حين دخلت الدبابات والمدرعات والمشاة، التابعون للحرس الجمهوري والفرقة 17، وقاموا بتمشيط الأزقة بشكل كامل، ولم ينقص شيء إلا الأمنيات – البيوت، مع القصف، وإطلاق الرصاص العشوائي، إضافة إلى حملة اعتقالات واسعة كمؤخرةِ “حافظ الأسد“، وخاصةً في شارع الوادي، الممتد بدايةً من مدخل الجورة حتى معسكر الطلائع. 

هربتُ مع خالي، وأبناء الجيران، إلى زقاقٍ آخر، بعيداً عن بيت جدي، وقمنا بالاختباء في منزل أحد المعارف ليومين، ومن ثم جعلنا نتنقل من مكان إلى آخر، مع مراقبة حركة الجنود وعناصر الأمن، عبر الأسطحة والنوافذ، إلى أن تمكنتُ أنا من العبور إلى دوّار الكرة الأرضية ( قريب من الشارع العام) وهو نقطة وصل بين  البساتين ومركز مدينة دير الزور، ويفضي عبر الطريق العام نحو الجسر المعلّق. 

 وصلتُ تقريباً بعد الساعة العاشرة ليلاً إلى منطقة “المعبار”، وهي ضفة رافد لنهر الفرات، مع انقطاع كامل للكهرباء والاتصالات، ولا شيء هناك، حتى اللاشيء غير موجود! سواي أنا، برفقة ظلي، وصدى نقيق الضفادع وعواء الكلاب (جنود الأسد مع أسيادهم)يتردد إلى مسمعي، وكأنهم يعشقونَ تدمير “تل أبيب!!”؛ نعم، كانت المدن السورية المنتفضة ضد الطاغية بمثابة عدو صريح، بل هم أكثر خطراً على نظام الأسد من أي محتل وغازٍ، هذا إن وجدَ عدوٌ لهذا النظام العميل والخائن، كما يتشدّق دائماً، في صحوه وأحلامه، بأن: “إسرائيل” هي العدو الأول ! 

نمتُ كثيراً، بحذر، تلك الليلة فوق شجرة تين، بين أغصانها، تعمّقتُ في الحُلمِ والنجاة، وكأنني أحدُ الأيائل، و(قد) حاصرته الذئابُ، أو، أنني شاهدٌ هارب، يريد إثبات براءة وطنه، من جرائم قتلة وسفاحين يتراكضون في العتمة، وأعينهم مضيئة مثل الضباع الشاردة! 

شعرتُ بالخوف، قليلاً، لكن، كانت النسماتُ على ضفة النهر تحمل الطمأنينة أيضاً، إنما، كنتُ أتوجسُ أمراً ما، حيث رأيتُ “طُرّادة” (قارب حديدي) مع ضوء خافت يقترب رويداً رويداً، نحو مكاني، وكنتُ أسمع همساً، وضحكاتٍ رخيصةً، إضافةً إلى أضواءَ قليلة، عرفتُ بعدها، أنها “جمرات سجائر“، حينما عبروا تحت شجرة التين، التي كانت تماماً على الضفّة، وأنا مستلقٍ بين أغصانها، دون حركة، وحتى أنفاسي كنتُ أشهقها عبر مساماتي من فرط الحذر!

كانوا أربعة أشخاص، ثلاثة منهم يرتدون الزي العسكري ويحملون بنادقهم الخرساء – الجبانة –  والأخير كان مدنيّاً؛ نعم، عرفته، كان أحدَ قاطني حيّ الجورة، وهو منحدر من ريف دير الزور، حيث كان منذ أيام بذات اللباس يتمشى مع الجنود والضباط، (ملثّماً)، يضع على وجهه غطاءً، ويشير إلى أبواب المنازل.. ( لقد كان جاسوساً)، عرفته! كان هناك دليلٌ آخر، كي أجزمَ أنه هو.. نعم، ذراعه اليمنى كانت مربوطة بقماشة بيضاء؛ لربما كان جرحاً، أو شيئاً آخر من هذا القبيل!

  •  ولقد (مات) لاحقاً هذا السافل؛ أعدمه الجيشُ الحر جزاءً لخياناته المضيئة. .

عند الفجر، بذات المكان، بعد أن ابتعدَ هؤلاء القتلة، حيث كانوا يستكشفون الضفاف.. لربما، أو كانوا في مهمة سرقة علنية، وما شابه ذلك؛ ترجّلتُ عن الشجرة، بعد أن شكرتُ حضنها الدافئ، مثل عباءة جدّتي وتسللتُ حبواً نحو النهر، وأخذتُ أشربُ بشكلٍ مباشر من فمي، كجاموس حائر؛ عيناي تتحركان يميناً وشمالاً، تراقبان تلك البقعة الجغرافية حولي، بالتزامن مع ابتلاعي لكميات كبيرة من الماء .. (بلذّة لم أعهدها سابقاً) ممزوجة بالخوف والظمأ الدهري!

أكلتُ القليل من الخضراوات المزروعة على ضفاف النهر، ومن ثم سبحتُ لمسافة طويلة، مع التيار، قريباً من الطين (مسايس)، لكيلا يراني أحد، حتى الغرق، إلى أن تمكنتُ أخيراً من الوصول إلى الجانب الآخر، بعد أن عاندتُ مياه الفرات الجارفة، لأصلَ بعد ساعتين تقريباً، وأنا منهك إلى إحدى القرى، ولم أكن وقتها أعرف الوجهة، فالخوف يلاحقني مع الماء، إضافة إلى ذلك، كنتُ أرى  ضباعاً وجنوداً من بعيد، علاوة على الفلاحين الذين كانوا يصيحون تجاهي بأن: “اخرج من الماء يا ولد.. هنالك قصف، ليس وقت السباحة الآن!”.

كنتُ معصوبَ العينين، لم أرَ غير الظلام، وكانت أيضاً بين القماشة وعينيّ  كوابيسُ تحجب رؤيتي، متحفزة، وغير ذلك، أمامها، وجهُ أمي المرتبك كحقول الحنطة حينما يجتاحها الصقيع، وملامحُ تلك الفتاة التي يقومون بإيذائها، كانت  ترعفُ في مخيلتي – هم يقومون باغتصابها… لا أدري، هم الآن يفعلون كل شيء، وأنا في تلك اللحظة، لا أستطيع فعل أي شيء، سوى الإصغاء لصرير الباب الثخين، وهو يُفتح  قدّام مصيري، لكن دون “ضياء ساطع!” 

قبيل أن أضع خدّي على الشاطئ، وأفقد الوعي، مثل  نجاة “التائهين من المحيطات في أفلام هوليوود“، جاء زورقٌ صغير، بمحرك كهربائي، نحوي، يقوده ثلاثة من أبناء تلك القرية (المريعية)، كانوا يصطادون السمك، أو الغرق!، فانتشلوني، وذهبتُ معهم، إلى منزلهم، بعد أن عرفوا (قصتي)، لكن بشكل آخر، حيث قلتُ لهم إنني كدتُ أغرق بسبب ملاحقتي من قبل “الشبيحة”، ولم أجب على أسئلة أخرى، تم نسفي بها بسرعة واسعة  ومنها: 

  •  “أشقر، وعينان زرقاوان، وتتكلم اللهجة الديرية… أنتَ من الساحل، وتحاول خداعنا!” 

نعم، أنا من الساحل يا أغبياء، جئتُ من ساحل الفراتهرباً، من الضباع والذئاب البريّة! هكذا كنتُ أحاور نفسي دون الإفصاح بذلك أمامهم.

بعد ذلك، أحصيت لهم أسماء أحياء دير الزور، والعشائر، وتاريخ المنطقة، وشواهد تاريخية، وأخبرتهم عن أشخاص معروفين في دير الزور، وأيضاً، أنواع التمر والسمك، والخضار، والعاكَـول(الشوك البري)، وحتى إنني بحتُ لهم باسم جدّتي (رابحة)، تلك التي خسرت أبناءها وأحفادها في هذه الحرب اللعينة فيما بعد، بين أصقاع الأرض، أو تحت التراب؛ وكان بودّي أيضاً أن أخبرهم عن “فرهاد“، ذاك الشاب العشريني الذي التقيته لاحقاً في فرع الأمن العسكري؛ لكن، لم أدرِ أن الزمن وقتها كان حائلاً بيني وبينه، وهما يومان فقط، لكي ألتقي بفرهاد وجثّته، وأسئلة هؤلاء الأغبياء!

  • أطعموني، سمكاً، ليس “يغرقُ”، وشربتُ الكثير من الماء، مثل جاموس، أو، “هدهد” يرى من بعيد فوهة بندقية الصياد، ولا يرى معجزة النبي، والنبأ، ومساكن النمل ( التي يشمها الأنبياءُ !)

غاردتُ في اليوم التالي، بصحبة فتى يافع، كان شجاعاً، أكثر من الاسكتلندي “وليام والاس“، الفارس، الثائر الذي ناضل ضد الاحتلال الإنكليزي” عام 1298؛ اسمه ” عقبة جيجان“، أوصلني حيث أصدقاء له، لا تنقصهم جسارة عقبة، ومضوا بي جميعاً على الدراجات النارية نحو إحدى ضفاف الفرات، لأستقلَ “طرادة” إلى “ناحية مُرّاط”، عبر النهر، بعد أن أفرغتُ ما في جعبتي؛ بأنني أقطن في دمشق، وجئتُ إلى دير الزور _ مدينتي – كي أكون إلى جانب أهلي وأقربائي، وأوثق الانتهاكات “إعلامياً”، لتصلَ كل جرائم النظام وميليشياته إلى العالم السافل. 

  • عرفتُ فيما بعد أن عقبةاستشهد في معركة ضد “جبهة النصرة”، التي كانت تحارب الجيش الحر بعد تحريره لأغلب أحياء دير الزور… وبقيت هذه (الجبهة) خنجراً في ظهر الثورة إلى الآن، حيث كانت ذريعة وعامل أساسي “مساعد” لنظام الأسد في هتك وإحداث فجوات واسعة ضمن الثورة والنضال المدني والعسكري.  
  • إنه عقبة، وهنالك آلاف الأبطال مثل عقبة، نزفوا دون تردّد بين الصخور  وعلى التراب كي تنتأ زهرة الحرية. 

ثلاثة أيام في “مُرّاط“، ظللتُ لدى أصدقاء أغلبهم من “الحويقة وموحسن“، عرفتُ أغلبهم في العاصمة بعد (خريف دمشق 2005)، ومن ثم، عدتُ إلى مدينة دير الزور، عن طريق التهريب، حيث الحواجز كانت منتشرة كالجراد على مداخل المدينة، وخاصةً حي القصور والجورة، والعمال، وهرابش؛ وفي تمام الساعة الثانية ظهراً، عندما كنت أنتظر شخصاً لا أعرفه (تم ترشيحه) لنقلي إلى دمشق، خفيةً مع بعض النشطاء، ضمن حافلة رائعة( لا تقف على الحواجز) بفعل الرشوة، أو شيء آخر غير معلوم! كانت الحكاية ، – ضمن كمين حقير وسريع، مع تصادم أعقاب البنادق، والنباح يعلو، تم إيقاف الحافلة، واعتقالنا؛ نعم، كان هذا الشخص، – عميل– لكن، ذراعه ليست مشدودة بقماشة، وغير ملثّم!

في فرع الأمن العسكري بدير الزور، بقيتُ يومين، دون أن يوجهوا لي أيَّ لكمة، أو صفعة، غير تلك التي تلقاها جسمي أثناء الطريق، إضافةً إلى الشتائم الرطبة، والركلات الترجيحية !

وضعوني في زنزانة، ضيقة، وباردة، لا تشبه برودة ضفاف الفرات الرائعة، ولا حتى تلك النسمات بين أغصان شجرة التين، بل إنها كانت تحمل نذراً مشؤوماً، يعبق برائحة الموت؛ وفي كل مكان كان الموتُ يصرخ تجاهي: لن تخرج من هنا يا ولد.. هنالك نزفٌ كثير، والآن هو  وقت السباحة..”

بعد أيام، وأظنها كانت ستة، فأنا وقتها كنتُ أحصي نبضات قلبي، التي تخفقُ مع كل صرخة خارج المكان الذي أتواجد دخله، إنها، صرخات نساء! وأصوات أخرى: – أنين، وضحكات قذرة تخرج عبر مجارير المياه، بصداها، كنتُ أسمعها بلحمي، مثل الخناجر… وأنا أبكي حتى من مساماتي، كما كنتُ أتنفس بحذر فوق شجرة التين، وأستجديهم.. أن يكفّوا عن تعذيب النساء، لكنهم يتضاحكون، من بعيد، وأصواتهم كانت تأتي كالأفاعي زاحفة تحت بلاط الزنزانة، لتلدغني في مُهجتي قائلة: سوف يحين دورك … أنتَ الفريسة الرائعة! 

  • فجأةً، وأنا أنبضُ أمام باب الزنزانة، حيث “أقعيتُ” كالكلب الآدمي، على أمل أنني سوف أخرج مصادفةً، أتسلل، كخرير ماء الفرات نحو الخلاص، فتحَ أحدهم الباب الحديدي الثخين، نعم؛ إنه ثخينٌ جداً، وقاسٍ مثل قلب الطاغية؛ له صريرٌ موحش، ورائحة سيئة، فاسدة، كأن العفنَ عليها منذ ألوف السنين! 

كنتُ معصوبَ العينين، لم أرَ غير الظلام، وكانت أيضاً بين القماشة وعينيّ  كوابيسُ تحجب رؤيتي، متحفزة، وغير ذلك، أمامها، وجهُ أمي المرتبك كحقول الحنطة حينما يجتاحها الصقيع، وملامحُ تلك الفتاة التي يقومون بإيذائها، كانت  ترعفُ في مخيلتي – هم يقومون باغتصابها… لا أدري، هم الآن يفعلون كل شيء، وأنا في تلك اللحظة، لا أستطيع فعل أي شيء، سوى الإصغاء لصرير الباب الثخين، وهو يُفتح  قدّام مصيري، لكن دون “ضياء ساطع!” 

كان فرهاد.. نعم، “فرهاد يوسف“؛ من ريف محافظة الحسكة، “ذرية الجزعة“، من أم كردية وأب عربي، كما قال لي قبل أن يموت بساعتين تقريباً في فرع الأمن السياسي، بدمشق !

  • إنه فرهاد…أشجع من “وليام والاس”، ويشبه “عقبة جيجان” وألوف الأبطال السوريين.

تم نقلنا إلى دمشق و”ليس عن طريق التهريب“، إنما عبر حافلة أمميّة تحت قلق “باني كي مون – وخيانة الأخضر الإبراهيمي، ومن قبلهما – الدابي – والمهرج كوفي عنان – وديمستورا الصهيوني جداً.

.. لاحقاً” 

  • في فرع الفيحاء (الأمن السياسي)؛ أشرف الجلادون على مقتل فرهاد، وأنا كنتُ أبكي، برفقة سيدة لا أعرفها، وأحاول عبثاً (إيقاظ) فرهاد في قلبي…

إنه… فرهاد، وتلك السيدة اسمها خديجة، وعقبة شهيد… وأنا، الآن ناجٍ، أيها الأنبياءُ الكاذبون على ضفاف “الكوثر  والصليب والطور !” 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى