ذاكرة طبيب

مثلث الاكتئاب

يورد ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق” أن أحدهم سأل الإمام الشعبي: ما اسم امرأة إبليس؟ فأجابه ساخرا: ذلك عرس لم أشهده.

ومع أنهم اختلفوا في أصله، ومعنى اسمه، وطرق تناسله وتكاثره، وأسماء ذريته وتخصصاتهم الدقيقة، إلا أنه صحّ لديهم أنه يضع عرشه على الماء. وحاول بعض المحدَثين التوفيق بين التراث والعلم، فرأوا أن مثلث برمودا (وقال بعضهم: بل فورموزا) هو مقر إبليس. أليس من أسمائه: مثلث الشيطان؟ ثم كيف يمكن تفسير كل تلك الاختفاءات الغامضة العجائبية التي تحدث فيه؟ لكن هذا غير مقنع تماما، فلمخيم اليرموك أيضا شكل مثلثي، وحدثت فيه اختفاءات غامضة عجائبية لا تزال تثير حيرة أعظم العقول العلمية. ثم ماذا يفعل إبليس في برمودا؟ “يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة”. وأي فتنة هي الأعظم؟ “التفريق بين المرء وزوجه”. كل ذلك في الأثر الصحيح. لكن ما حدث في اليرموك، ولست أبغي معارضة الأثر، أروع وأبدع وأمتع. خذ مثلا شابا محاصَرا فيه، وأخوه في الجبهة الشعبية- القيادة العامة واحد من المرتزقة المسؤولين عن هذا الحصار. وربما يكون أخوه هذا هو من قتله برصاصة أثناء توزيع السلال الغذائية، وربما يكون شهد اعتقال ابن أمه وأبيه فأغضى طرفا عن ذلك وطوى كشحا، وربما كان حين يصاب بالملل يرمي بضع قذائف هاون تسببت إحداها ببتر ساق شقيقه، وربما ابتز جنسيا إحدى “أخواته” الجائعات لقاء ربطة خبز ثانية أو باكيت دخان. وربما، أو ربما، بل ربما، إذن ربما، لكن هذه ليست مجرد احتمالات قد تقع وقد لا تقع. كانت تلك حقائق ذلك الزمن الجميل، حقائق علمية مثلما الأرض كرة مفلطحة.

كان مدخل مخيم اليرموك، الذي أسميناه “الحاجز” بألف لام الاختصاص، يغلق مرارا، تطول وتطول، ثم يفتح مرات، تقصر وتقصر. وحين أغلق في السابع عشر من تموز عام 2013 لم نكن نعرف أنها ستكون المرة الأخيرة، لكنها كانت. وبطريقة ما، بل غالبا بطرق شتى يصعب حصرها لكن ذاكرتي تكبتها، خلت صيدليات المخيم من شريط دواء، بقالياته من علبة سردين، مواسيره من نقطة ماء، محلاته من قطعة ملابس، أثداؤه من قطرة حليب، مكتباته من أوراق، كبلاته من نحاس.

ولست أتحدث هنا عن اختفاء مئات آلاف من سكانه حتى كادت الشرذمة التي بقيت لا تجد فيهم معلما أو مهندسا أو صيدلانيا أو ممرضا أو طبيبا أو واحدا (متل الخلق) جديرا بإدارة الهلال الأحمر الفلسطيني… لست أتحدث عن هذا، فمئات الآلاف هؤلاء غادروه وهم بكامل قواهم اللاعقلية، ليس الذنب ذنبهم إن كنت لا تفهم وقررت البقاء. وكما كتب أحمد فؤاد نجم:

“أبويَ طلّعتوه حُمار

فكان طبيعي يجيبني جحش”

ولما كنتَ جحشا ابن حمار وقررت البقاء، فليس من حقك أن تحمّل من غادروا اليرموك ذنب المآسي التي ستعيشها. وإن كنت قلت: “لو كانوا معنا ههنا ما حوصرنا” فإنهم يقولون: “لو خرجوا معنا ما حوصروا وجُوّعوا وقُتلوا”. ثم إن المساكين كان يستأجرون في دمشق بيوتا بأغلى الأثمان، فيما كنت ترتع في المخيم. وبدل منزلك ذي ثلاث الغرف والصالة، صارت عندك بناية كاملة. وكنت تعيش على التركيب الضوئي، وهم ينتظرون على أحر من الجمر تحرير مخيمهم الغالي والعودة إلى بيوتهم الحميمة المجانية.

هذا الاختفاء مفهوم، الأصعب قليلا كان اختفاء من نوع آخر. وأقول: “الأصعب قليلا” لأنه ما دام قد وقع فهو ظاهرة طبيعية لها تفسيرها العلمي البسيط، لكني كنت ذاهلا آنذاك عن التفكير في التفصيلات، عاجزا عن التنبؤ بالمستقبل بعد ساعة، مكتفيا بالشعار البديع: دع القلق، وابدأ الموت.

كان مدخل مخيم اليرموك، الذي أسميناه “الحاجز” بألف لام الاختصاص، يغلق مرارا، تطول وتطول، ثم يفتح مرات، تقصر وتقصر. وحين أغلق في السابع عشر من تموز عام 2013 لم نكن نعرف أنها ستكون المرة الأخيرة، لكنها كانت. وبطريقة ما، بل غالبا بطرق شتى يصعب حصرها لكن ذاكرتي تكبتها، خلت صيدليات المخيم من شريط دواء، بقالياته من علبة سردين، مواسيره من نقطة ماء، محلاته من قطعة ملابس، أثداؤه من قطرة حليب، مكتباته من أوراق، كبلاته من نحاس.

بل إني دخلت مع بعض مسؤولي الهيئات الإغاثية والخيرية عددا كبيرا من العيادات، لكننا لم نجد جهاز إيكو واحدا، لم نتعثر بجهاز تخطيط للقلب واحد، وصحت مبتهجا لما عثرت على سماعة طبية فاخرة تحت خشب مكتب محطم. جربتها علي أمام المرآة فوجدتها تليق بقميصي، ثم سرعان ما رميتها جانبا. سألني أبو العبد: ليش؟ فأجبته: ما لها لازمة.

ولما اتفقنا أن مخيم اليرموك صار موطنا ملائما لعيال الجن وحريمهم، كان من المنطقي أن ينقل إبليس غرفة عملياته من مثلث برمودا إلى المثلث الذي يحوي العدد الأكبر من أتباعه ومريديه. وهذا برأيي يفسر كثيرا، ليس أقله الأمراض النفسية التي تفشت فينا مثلما يفعل القمل وهامة الجرب.

هل تعاني من الاكتئاب؟ لست وحدك إذن، ملايين الأمريكيين يشاطرونك سنويا مصيرك البائس هذا، ما يجعله واحدا من أشيع الاضطرابات النفسية في ولاياتنا المتحدة. آه عفوا! لستَ أمريكيا؟ كلنا يشعر بالانزعاج والإحباط من حين لآخر، لا مشكلة، راجع سفارة بلدك لتزودك بالإحصائيات الخاصة بكم. أنت هارب منها؟ لا أظنه تصرفا حكيما، على أي حال قد تكون مشكلتك مجرد عسرة مزاج أو اكتئاب ما بعد الولادة. مضت عليك سنوات؟ هلا كتبت لي أعراضك على هذه الورقة من فضلك؟ حسنا لنر: شعور دائم بالحزن والخواء وعدم القيمة، نقص في الوزن، غياب المتعة، وهن مزمن، أفكار انتحارية، اضطرابات في النوم، ضعف في القدرة على التركيز، عجز عن اتخاذ قرار، سرعة انفعال… اممم يبدو هذا جديا ومثيرا للاهتمام. هل تحدثت مع أحد من أفراد عائلتك بهذا الشأن؟ أتقول ماتوا جميعا؟ يؤسفني حقا سماع ذلك. ماذا عن أصدقائك المقربين؟ نعم نعم فهمتك، لا تحب الخوض في المواضيع السياسية. جربت تحسين نمط غذائك؟ فالعقل السليم في الجسم السليم كما تعلم. أنتم محاصرون. جرب اليوجا وجلسات التأمل ستساعدك كثيرا في التعافي. وكنت سأقترح عليك “التخليج الكهربائي” لكن الأفضل توفير ما لديك من كهرباء لتشغيل الليدّات.لكن لابد أولا أن نستبعد وجود سبب عضوي لأعراضك هذه. نقص وزنك قد يرجع للحمية التي تتبعها فأنتم في مجاعة الآن كما فهمت منك. ربما تكون مصابا بالسرطان أو باضطراب في وظيفة غدتك الدرقية. احتمال ضئيل لكن يبقى واردا. لا أريد إخافتك لكن واجبي يحتم علي جعلك تماما في صورة وضعك. الخبر الجيد أن هناك أدوية لعلاج الاكتئاب، ولا داعي للحرج من أخذها. فأنت لست مجنونا، وهي لن تسبب عندك الاعتياد أو الإدمان، وهي ليست محدثة للانتشاء أو ستأخذك في رحلة إلى بلاد العجائب. قد يحبطك هذا لكنه الواقع. لكن كيف ستُدخلونها؟ كما لا يمكن التقليل من أهمية العلاجين النفسي والمعرفي. للاكتئاب أسباب كثيرة. ربما ستقص على طبيبك بعضا من ذكريات طفولتك وسيعمل على حلها. لكن لا بد أيضا من التصالح مع الحياة، حياتك، أو الوجود بشكل عام. 

ما كانوا جنا وشياطين إذن؟ لم يكونوا السبب. لا أظن أن الحبة الصفراء تفزع أولاد إبليس. كان مجرد مرض نفسي، أسبابه كثيرة كلها ترجع في نهاية المطاف إلى العالم الخارجي، العالم الذي خذلك وتخلى عنك ومنع الماعون واتهمك بالتدعشن وانتظر الخلاص منك ظانّاً أنك طردته من وطنه. كان مجرد مرض نفسي، تجاوزنا فَوعتَه الحادة، لكننا سنحتاج سنوات كي نزعم أننا برئنا منه.

كل ما سبق هراء، ما أنقذَنا كان خمس علب من الأميتربتلين، في كل علبة ألف حبة، في كل حبة خمسة وعشرون ميليجراما من مضاد الاكتئاب ثلاثي الحلقة هذا، في كل حلقة منه بضع ذرات كربون وهيدروجين وسواها كانت كفيلة بتحقيق بعض المعجزات الصغيرة: ألا يبول الصغار في ثيابهم وفرشهم، أن يتمكن الكبار الأرقون من النوم، أن تخف كثيرا الآلام العصبية لدى المصابين بإصابات مزمنة وتقل حاجتهم للمسكنات، أن تتلاشى شيئا فشيئا الوجوه الكالحة البائسة، أن يقول لك المرضى: الحمد لله حكيم، ارتحنا كتير عالحبة الصفرا.

ما كانوا جنا وشياطين إذن؟ لم يكونوا السبب. لا أظن أن الحبة الصفراء تفزع أولاد إبليس. كان مجرد مرض نفسي، أسبابه كثيرة كلها ترجع في نهاية المطاف إلى العالم الخارجي، العالم الذي خذلك وتخلى عنك ومنع الماعون واتهمك بالتدعشن وانتظر الخلاص منك ظانّاً أنك طردته من وطنه. كان مجرد مرض نفسي، تجاوزنا فَوعتَه الحادة، لكننا سنحتاج سنوات كي نزعم أننا برئنا منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + 14 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى