ذاكرة حصار

كل شيء يشبه الجحيم

كل شيء يشبه الجحيم، العالم والمدن، والحدائق المعلقة على طواحين الهواء. الخوف سيّد المستعبَدين، يُداهم حجراتِهم ليلاً، ينام في أسرّتهم، يأخذ الغطاء الرقيقعنهم، يكسر مراياهم، فلا يبصرون. مُجنَّدون في خدمته، لأنه من صنعهم، ولأنهم من صنعوه.

هو منهم، وهم منه، مجبولون به بطريقة لا أعلم فيها من منهم الآخر. في يد كل منهم كسرة خبز وسكين تُسنُّ كل يوم لذبح جديد. عيونهم الخائفة والقاسية أيضاً فوهات فارغة لبراكين جائعة، تريد التهام كل شيء ومن ثم تقيّؤ كل شيء أيضاً.

هذا هو العالم؛ قبيح، مشوّه، مُستعبَد، مظلوم، ينفث ما يتنفس من غمام الشر.

مدن الظلام تقتات على الخوف، تختزن القلوب في أقفاص من التراب كتدريب صغير على بيوت ستُحفر تحتها.

 كارثة الوباء كفيلة بإعادة إعمار كبير للقبور والخيبات، ففي مدينتي الفرنسية الصغيرة، منذ انتشار الوباء وفرض الحجر الصحي على الناس، تحوّلت البيوت الأوروبية الجميلة إلى سجون طوعية فخمة.

أجلس بمحاذاة النافذة التي تطلّ على نباتات زرعتها داخل المنزل، والتلفاز يبث محطة ترصد أعداد الوفيات والإصابات في العالم، ويقوم بتحديث لحظي للتطورات التي تحصل جراء انتشار جائحة “كوفيد19”.

أشاهد التلفاز وأودّ استبدالها بموسيقا كلارينيت لـ”حسنو شلنديرجي”، تٌنزل عيناي قطرتين من الدمع، وأنا أقرأ قسوة الأخبار العاجلة التي تبثّها المحطة.

 لا ملامح تعلو وجهي، لا خوف، لا حزن، لا فرح ولا غضب، في يدي كأس نبيذ أحمر يترنّح مخموراً كعصفور يؤدي رقصته الأخيرة وأنا أراقب برودة الحياة وسخافتها. أقهقه: “فليتذوّق العالم مرارة الخضوع وألم الفقدان، أما الآن لن أفكر بمآسي الكون، وبالآلاف الذين قُتلوا ويُقتلون كل يوم في الصين وإيطاليا وفرنسا والعالم، سأفكر كيف تستطيع سوريا أن تمزج بين كونها سجناً كبيراً عالي الأسوار، وقلعة مهترئة بجدران هشة قابلة للانهيار”، سأفكر كم أحتاج إلى أن أسند رأسي إلى أحد جدرانها.

أرتشف بضع قطرات من النبيذ ويتوالى على ذهني رصاص الأسئلة:

“ماذا لو متُّ هنا؟” 

“ماذا لو أصيب أحد أفراد عائلتي بهذا الفايروس؟”

“المخيمات.. نعم المخيمات، كيف سيواجه سكانها الجائحة؟” 

“كيف سيستطيع الناس البقاء في بيوتهم دون أن يكون لديهم من المال ما يبقيهم أحياء؟” “كيف سيحمي الناس أنفسهم من العدوى؟ والطوابير المزدحمة على الأفران والمازوت والبنزين والمؤسسات الاستهلاكية تكاد تجعل التنفس صعباً؟” 

أدندن أغنية “غرفة زغيرة ” لسميح شقير بصوت منخفض يخبو ويخبو، وأنا أشعر أنني، بالرغم من كوني بعيدة آلاف الأميال عن كل ما في البلاد من الحرب والحب، لم أستطع أن أحقق إلا تغييراً في نوع السجن وكثافته، وأنا أعلم أنني، كما ناقل الفايروس، أنقل معي حربي الخاصة أينما حللت، وفرض الحجر الصحي في هذه المدينة ليس إلا امتداداً لحجر وضعتني فيه الحرب منذ زمن، وإلى أجل غير مسمى.

“كيف سأمنع عائلتي من التعامل مع الحرب والفقر والخوف والموت والوباء؟” 

“لماذا كل هذه الحرب؟” 

“هل أنا شخص خطر لدرجة أن بلادي نفتني إلى قارة أخرى وأغلقت جميع حدود الدنيا في وجهي؟”

قاطعت نفسي لأبعد عني أفكاري السيئة وأسئلة تبدو كالمقصّات المستعدة لبتر زهرة الأمل التي تكافح لتحيا داخلي. 

ابتسمت لفكرة العائلة، وعاد إلي الشعور اللحظي بالدفء والأمان. تخيّلت في تلك اللحظة أمي النائمة، والتي، كعادتها قبل النوم، تخلع عنها زيَّ المحارب الحديدي الذي تلبسه منذ عشر سنوات وتضعه بجانبها، لتعود إليه في الصباح التالي. أبي، أيضاً، سيكون مستلقياً، لكن بعين نائمة وأخرى مفتوحة تتربّص كل الذئاب الجائعة التي تحوم حولهم. أما أخوتي، أشك أنهم نائمون الآن، فلكل منهم ألمه الخاص وقهره الخاص وجوعه المُنكّه بمرارة الحرب.

هدّأت قلبي بأن عائلتي بخير، واستطعت خلال جلوسي إلى جانب النباتات النضرة –مقارنةً بي- أن أقنع نفسي بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

ولكن ماذا بعد؟ الكون يشتدّ ظلاماً وظلماً، وهذه الكارثة البيولوجية تبدو كبداية لتغيير الصورة النمطية عن الأسلحة.

أدندن أغنية “غرفة زغيرة ” لسميح شقير بصوت منخفض يخبو ويخبو، وأنا أشعر أنني، بالرغم من كوني بعيدة آلاف الأميال عن كل ما في البلاد من الحرب والحب، لم أستطع أن أحقق إلا تغييراً في نوع السجن وكثافته، وأنا أعلم أنني، كما ناقل الفايروس، أنقل معي حربي الخاصة أينما حللت، وفرض الحجر الصحي في هذه المدينة ليس إلا امتداداً لحجر وضعتني فيه الحرب منذ زمن، وإلى أجل غير مسمى.

البارحة كان لي بلد واسم وذاكرة وعنوان، اليوم كل شيء يشبه الجحيم الذي أشعر به في داخلي ويتغذى على وجبات من ذاكرتي المنتهية الصلاحية. ما أصعب أن تتعاطف مع الناس في خضّم أزماتهم وكوارثهم، وأنت كل يوم تنعي نفسك وبيتك وعنوانك وبلادك! 

أرغب في أن أشعر الآن بنفس الخوف من انتشار الجائحة الذي يعانيه الناس، لربما سأبدو حينها إنساناً طبيعياً في ردّات فعلي، لكن خوفي من نوع آخر، من جائحة أخرى، مخصصة للسوريين على اتّساع حزنهم، جائحة لا تزال إلى الآن تأكل قوت من أحببتهم، تعيش على خوفهم، وتتغذى من ابتسامات أطفالهم.

الصورة: لوحة “كأس وآنية وكتاب” لبابلو بيكاسو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى