ذاكرة طبيب

رقص في نيسان

يزعم اللغويون أن كلمة نيسان من أصل بابلي: نيسانو، ويعني البدء والتحرك، أو الشروع بالشيء. وكان هذا الشهر بداية السنة الدينية عند البابليين، وبداية السنوات الكارثية عند جيرانهم الكنعانيين في مخيم اليرموك.

لنبدأ من المنتصف، كما علّمنا تشارلز دارون: لم يكن من فراغ تشاؤم سكان مخيم اليرموك من شهر نيسان، الذي سموه تهكماً: شهر الفتوحات والأمجاد.

· نيسان الأول 2015: 

اقتحم مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية، الذين كانوا بضع عشرات محاصرين في حي من أحياء الحجر الأسود.. اقتحموا مخيم اليرموك، بتسهيلات من جبهة النصرة، وتمكنوا من طرد كتائب “أكناف بيت المقدس” التابعة لحركة حماس والمسيطرة على المخيم آنذاك، بعد قتال استمر ثلاثة أيام فقط! أثبتت فيها الأكناف كفاءة عسكرية منقطعة النظير جعلتْها عاجزة عن نصب شوادر وستائر تحجب رؤية القناصين. كنا ــ أي الكادر الطبي حينها ــ نعمل في الجمعية الفلسطينية الخيرية، (التي تحول اسمها بعد عام 1994 إلى “الباسل” مثل كل شيء في هذا البلد بعد استشهاد ابن مدرسة القائد الخالد). وكنا نسعف المصابين من جنود الأكناف، لا لشيء إلا لأن مجمعنا الطبي كان في منطقتهم، وكنا نقوم بواجبنا الإنساني. في الليلة الثالثة من تلك المعركة الملحمية استدعاني قائد الأكناف العسكري، كان ذلك قرب منتصف الليل. قال لي وهو يغالب دموعه: “نحن سننسحب حكيم. والدواعش سيقطعون رؤوسكم. الأمر عائد إليكم. لكني أنصحكم بالانسحاب معنا وتحت حمايتنا”. لم يرعبني شيء في كلامه مثل قوله: “تحت حمايتنا”. من يُسلم نفسه إلى حماية مجاهد يعجز عن حماية نفسه؟ المجاهدِ نفسه الذي سيظهر بعد فترة على قنوات النظام هزيلا حليقا هزيما يعترف بالإرهاب الذي مارسه أو لم يمارسه. عدت إلى المجمع، وأخبرت المتطوعين بما جرى: “الخِيار لكم”. “وأنت حكيم؟”. “أنا باق، ليس شجاعة مني، بل لأني اكتفيت، سيكون الموت هدية مذهلة لي لم تخطر ببال بابا نويل”.

منهم من فضل البقاء، ومنهم من آثر الحفاظ على عنقه وغادر مع المنسحبين. في اليوم اللاحق دخل أبو مجاهد -الرجل الثاني في التنظيم- منتصرا كما لو كان فتح روما بجيش من القمل والضفادع. سألني بمودة: هل قتلنا أحدا من المتطوعين؟ قلت: ليس على حد علمي. قال: لي طلب بسيط، تعرف كم يشيعون أخبارا كاذبة عن إرهابنا وتشنيعنا. كل ما أريده منك أن تتحدث عبر موقعنا في الإنترنت، صوتاً فقط إن أردت. لا أريدك أن تكذب أو أن تمتدح الدولة الإسلامية (وكأني سأفعل). قل الحقيقة فحسب. قل إننا لم نتعرض لكم. 

قلت له: لم يبق فصيل لم يدخل المخيم. وكلما غادره فصيل اتهم من بقي فيه بالإرهاب: القيادة العامة قالت عنا: جيش حر، الجيش الحر قال عنا: إخوان مسلمون يتبعون أكناف حماس، الإخوان قالوا عنا: جبهة نصرة. ثم ستغادرون ليوصم من تبقى من سكان اليرموك بأنهم دواعش. ليست هذه صفقة رابحة.

– غلطان حكيم، نحنا غير (و”نحنا” أيضا كلمة كنعانية) نحن الدولة، نحن هنا لنبقى: باقية وتتمدد. 

– كلهم قالوا ذلك. أنت أصدق أم القرآن؟

– حاشا لله!

– {وتلك الأيام نداولها بين الناس}

كانت صدمته بادية كما لاحظ اثنان كانا يشهدان حوارنا العلمي. ولو كانت بديهتي حاضرة آنئذ، بعد ثلاثة أيام من العمل المرهق المتواصل، لربما قلت له: {أوَ لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟} لكن تلك الآية كانت سابقة لأوانها في ذلك الحين، وسيأتي وقتها لاحقا.

·  نيسان الثاني 2016:

اندلع القتال بين الحليفين السابقين، الجبهة والتنظيم، الذي انتهى ــ في آخر المطاف ــ إلى انحسار الجبهة إلى غرب اليرموك (منطقة الريجة بشكل رئيسي) وبسط التنظيم سيطرته المطلقة على الحجر الأسود والأجزاء الكبرى من المخيم.ولا تسأل عن الدمار.

·  نيسان الثاني مكررا 2016:  

صادف “يوم الصحة العالمي” السابع من نيسان، ولأجل المفارقة لم نستطع فتح أبواب المجمع الطبي الخيري لتقديم الرعاية الصحية لسكان مخيم اليرموك والمناطق المجاورة. وذلك بسبب رحى الحرب الدائرة بين الأطراف المسلحة في المخيم البائس.

وكانت هذه أول مرة يغلق المجمع الطبي فيها أبوابه منذ عامٍ على تأسيسه (بحلته الجديدة). وبعد انتهاء المعركة، أنبأني أبو مجاهد، أن المجمع لن يفتح بعد اليوم.

– ليش؟

– هيك! (وهي كلمة كنعانية إن لم تخني ذاكرتي العاهرة)

لم يدم النقاش طويلا، فأنا سليل شعب عريق في المفاوضات، والتنازلات.

– سأفتح عيادة إذن.

– جرِّب وشوف. 

(جرب) تحوي تهديدا مبطنا لا يخفى على أذني السريرية، أما (شوف) فهي أيضا كلمة كنعانية كما يزعم أبناء “سوراقيا”. 

يبدو أن ذلك المجاهد لم ينس اليوم الذي رفضت فيه طلبه الودود ذاك. والانتقام ــ كما يقولون ــ أشهى حين يُقدم باردا. ثم من ناحية فيلولوجية، أي يوم أنسب من يوم الصحة العالمي لإغلاق مجمعنا؟ أما المرضى فسيذهبون إلى الجحيم “على كل حال من سحيل ومبرم”، أو الجنة إن صبروا على آلامهم المبرحة وأمراضهم المدنفة ومصائبهم السوداء. ثم أليس في الحبة السوداء والحجامة والرقية الشرعية عجائب صحية لا ينكرها إلا جاحد أو معاند أو متغرب يستغيث بالطب العلماني؟

كان لدى الدواعش إسطبل من البغال وسائسيهم، يسمونه مشفى أو مركزا صحيا. من العاملين في هذا المشفى من لا يعرف كيف يجري ضمادا لجرح، منهم من لم يسمع بشيء اسمه التعقيم، منهم من لا يعرف جرعة الإنسولين الواجب إعطاؤها لمريض الداء السكري، منهم من لا يجيد إدخال قثطار بولي دون أن يسبب تمزقا في الإحليل، ومنهم من عنده من المعرفة الطبية ما تجعله يستنكف عن قراءة كتاب طبي أو سؤال واحد من أهل الذكر.

والطامة الكبرى، شخص قال فيه أبو تمام:

أما لو أن جهلك كان علما ….. إذن لنفذتَ في علم الغيوب

وكان يزعم أنه جرّاح، وليس طبيبا فحسب. علما أنه لا يعرف أين تقع أية كلية من كليات الطب في “بلدنا الحبيب”، ولم يسمع بشيء اسمه الفيزيولوجيا أو التشريح، بلْهَ التكنيك الجراحي وتحضير المريض قبل الجراحة. ثم يقول ــ حين ينتابه خزي معرفي ــ إنه درس شيئا اسمه “التشخيص السريع” لمدة سنتين. ولست أدري لم يحتاج هذا “التشخيص السريع” إلى سنتين مرهقتين من التعلم، فصاحبنا لديه حل بديع لكل مريض يعاني ألما بطنيا: “نشق بطنه ونرى المشكلة”. هذا إن كان المريض من أبناء دولتهم، أما إن كان من “الجوييم” ــ أي الأغيار أو الغوغاء بالمصطلح العبري التلمودي ــ فسيتكفل به ملك الموت الذي وُكِّل به. ولا ننسى أن ذوي الحظوة من الدواعش ــ أي شعب الله المختار ــ كان يتلقى العلاج في مشفى المهايني الدمشقي، الذي كان مقارنة بأوروبّانا الوسطى يعادل Mayo clinic.

أما من قُتل من المدنيين أثناء حملة “التحرير”، من كان يقود سيارة الإسعاف الوحيدة في المخيم، من قضى تحت الأنقاض، من دفن في الأقبية، من أعدم عند حاجز العروبة أثناء محاولة النجاة الأخيرة، من اعتقل بعد انسحاب داعش..(وأسماء هؤلاء وصورهم منشورة ومعلنة ومعروفة للجميع) فقد كانوا أشباحا، أو هلاسات جماعية، أو إرهابيين، أو ربما لم يكونوا لاجئين فلسطينيين! من يعلم؟ فعبد الهادي لا يكذب، حتى في نيسان.

·  نيسان الثالث 2017:

كنت حينها معتكفا في عيادتي غارقا في بحور من المرضى لا تنفد. العمل الروتيني يمتد من العاشرة أو الحادية عشرة صباحا حتى السابعة مساء. بعدها أعود إلى البيت خائرا محطما في انتظار ما سيأتي من حالات إسعافية، تُقلق ما تبقى من راحتي، وتفسد علي وعلى أخي ساعات النوم الضرورية كالماء. ما جعل هذا “النَيسان” مختلفا عن نظرائه، هو أنه قبل شهور منه، أطيح بأبي مجاهد وثلة من أزلامه بقرار من مركز الخلافة. من فاق المدنيين سعادة كانوا جنود التنظيم الذين عانوا الويلات من تعسف أبي مجاهد وأبي حمزة وأبي صياح الذين كانوا آية في القسوة والتعطش للدماء، دون أن يجرؤ أي من هؤلاء الجنود على التفوه بكلمة، التزاما منهم بمبدأ السمع والطاعة المقدس، وخوفا من حز رؤوسهم بتهمة الردة. لكنهم سجدوا يومها في الطرقات، ووزعوا الحلوى على الناس. ثم زارني وفد “رفيع المستوى” منهم، اعتذر عن تصرفات أبي مجاهد التي لا تمثل الدولة الإسلامية، وألحقت الضرر بالمسلمين في ظل وجود طبيب وحيد. 

وهكذا صار بوسعي أن أفتح عيادة، وأن أحطم رقم السِّير “وليم أوسلر” في عدد المرضى الذين عاينهم في عام واحد.

·  نيسان الرابع 2018:

في نيسان 2015 نقل أنور عبد الهادي، مدير الدائرة السياسية في منظمة التحرير، عن نائب وزير خارجية النظام فيصل المقداد قوله: “الجيش السوري لن يدخل مخيم اليرموك، وسوريا حريصة على كل قطرة دم فلسطينية”. وظل عبد الهادي منذ ذلك الحين يكرر النغمة ذاتها: “قرار الدولة السورية هو أن لا يُمس أي مدني، وهي ستحافظ على المخيم، وتحافظ على المدنيين داخله”. التصريح الآنف تحديدا، كان في 16 نيسان 2018 أي قبل ثلاثة أيام من بدء تدمير المخيم الذي كان في نيسان، التاسع عشر منه، عام 2018 حين أعلن عبد الهادي بيقين يحسد عليه “أن اليرموك حاليا فارغ تماما من اللاجئين الفلسطينيين”.

أما من قُتل من المدنيين أثناء حملة “التحرير”، من كان يقود سيارة الإسعاف الوحيدة في المخيم، من قضى تحت الأنقاض، من دفن في الأقبية، من أعدم عند حاجز العروبة أثناء محاولة النجاة الأخيرة، من اعتقل بعد انسحاب داعش..(وأسماء هؤلاء وصورهم منشورة ومعلنة ومعروفة للجميع) فقد كانوا أشباحا، أو هلاسات جماعية، أو إرهابيين، أو ربما لم يكونوا لاجئين فلسطينيين! من يعلم؟ فعبد الهادي لا يكذب، حتى في نيسان.

اللوحة “حلم وكذب فرانكو” لبابلو بيكاسو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + تسعة عشر =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى