ذاكرة حصار

أربع مسرحيات منحولة لأوجين إيونسكو

مخيم اليرموك ــ وفق الرطانة البيولوجية ــ نمط ظاهري ممتد للجسد الأصلي المسمى فلسطين. فيهتتسوقين في لوبية أو صفد، تشتري الخبز من الجليل، تسكن في بيت لحم، تدرس في المالكية أو تدرسين في صبّارين، تصلي خلف عبد القادر الحسيني، ترفعون صور “أبو عمار” وهو يعدكم بأشبال وزهرات يرفعون علمنا على أسوار القدس، تكتبون على الحيطان: “عائدون” قبل أن تفروا إلى ماما أوروبا، تتغلغل فيكم الفصائل كأوبئة شديدة الفوعة والعَدوائية. ثم إذا مسكم مرض فهناك ــ سوى أطنان العيادات ــ المشفى الذي يحمل الاسم الأعظم: فلسطين. حيث يعمل يسوع وتلامذته بدوام كامل.

كان ذلك حتى عام 2012، ثم على مر ست سنوات، صار اليرموك امتدادا لجروزني عام 1994، لزلزال لشبونة عام 1755، لسدوم وعمورة إذ قُلبتا رأسا على عقب، ولجمهورية كوريا الديمقراطية.

اليوم هو الثالث والعشرون من شباط عام 2014، في المسافة الممتدة من شارع المدارس إلى مشفى فلسطين، أسير وأنا أجر دراجتي مع أحد المسؤولين الفصائليين. عبّرتُ عن امتعاضي من سيرورة العمل في المشفى، ومن سوء الإدارة، ومن الفساد متعدد الأذرع كإله هندوسي، وعن سخطي وسخط الجميع من شخص يدعى (ج.ح)، وعن السبل الممكنة للإصلاح، وعن مسرح العبث ما بعد الحرب العالمية الثانية. وكان هذا الأخير حيلة درامية جيدة لعرض حوارنا البناء.

المسرحية الأولى: كيف تعد بيضة مسلوقة بشكل جيد؟

أمام عينيك، ورغم أنف قوانين الفيزياء، وأنف الحس المشترك، تنبثق من العدم مواد طبية كانت إلى لحظة غير موجودة، وتختفي في ثقوب العدم السوداء مواد كانت إلى لحظة تحت يديك. ولأنك لا تؤمن بالسحر (وهذا ذنبك) تعزو ذلك إلى الفساد. تأتيك كلمات المسؤول المطمئنة (وهو بالمناسبة متعمق في البيولوجيا العصبية وعلم النفس التحليلي): “اشتبه الأمر عليك. يخيل إليك ــ من الجوع ربما، أو من وطأة البؤس ــ أنه ثمة فساد. وقد تكون ذهانيا يرى عمليات سرقة غير موجودة، أو عصابيا مصابا بالبارانويا: الكل فاسدون، وحدك الصالح، مؤامرة (­علما أن “بروتوكولات حكماء صهيون” كتاب مقدس عند الفتحاويين) … طمّن بالك حكيم، الوضع تحت السيطرة، اشتغل وما عليك”.

وكأن إحراق كميات كبيرة من الأدوية عمل بطولي، وكأن ادعاء أن قسم العناية المشددة خارج الخدمة مصلحة قومية عليا وتنسيق أمني مقدس، وكأن سرقة الأموال التي كانت تأتي للعاملين في المشفى هدفها ألا يذهب أجرهم في الآخرة. مجددا تتضح أهمية وضع معجم معاصر يتضمن تعريفا واضحا للفساد (ومصطلحات كثيرة غيره).

المسرحية الثانية: يا له من سيِركٍ دموي!

– “طيب، رح أجي معك، بس عطيني دليل”.

من العبث هنا أن تنشد مع المتنبي: 

وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل

أعني أن هناك أمورا واضحة، ملموسة، وقديما قال شيخنا أبو القاسم الجنيد: “أشكل المشكلات إيضاح الواضحات”. عليك التفرغ ــ أو الأحسن استئجار محقق خاص محترف مثل شيرلوك هولمز أو هيركيول بوارو ــ لجمع الأدلة (من قبيل عينات الدنا DNAمثلا). وكأن عدم الكفاءة ليس من مؤشرات الفساد، وكأن وجود شخص غير مناسب في موقع مهم ليس فسادا، وكأن إحراق كميات كبيرة من الأدوية عمل بطولي، وكأن ادعاء أن قسم العناية المشددة خارج الخدمة مصلحة قومية عليا وتنسيق أمني مقدس، وكأن سرقة الأموال التي كانت تأتي للعاملين في المشفى هدفها ألا يذهب أجرهم في الآخرة. مجددا تتضح أهمية وضع معجم معاصر يتضمن تعريفا واضحا للفساد (ومصطلحات كثيرة غيره).

المسرحية الثالثة: الكركدن

ورد هذا الحوار في إحدى مسرحيات أوجين إيونسكو، الأصيلة هذه المرة:

“ـ نعم، فلان فاسد، ونعرف ذلك، نعرفه منذ زمن. بل أقول لك أكثر، هو يعمل أولا لنفسه، وثانيا لنفسه، وثالثا لنفسه، وخامسا للحركة (لا يوجد رابعا).

ـ وماذا تنتظرون إذن؟

ـ ما في بديل يا أخي، أعطني بديلا (وبديل هذا هو أخٌ لدليل).

ـ أنا مثلا، ما بيمشي حالي؟

ـ ما بيمشي حالك، مالك ابن الحركة.” 

انتهى الحوار.

صحيح، لستُ ابن الحركة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنني ابن حرام (لقيط مدخول النسب، ألقى بي لقلق من السماء، أو عُثر علي قرب كنيس يهودي، أو انتشلني عامل نظافة من كيس زبالة. رحم الله أيام القبيلة!). ثم إن إثبات بنوّتي للحركة يتطلب أوراقا وتحاليل ومحاكم وجهازا لكشف الكذب والاختراق التجسسي. لكن لم الاستغراب؟ من الطبيعي عند أمّة، أعد لها خالقها جنة عرضها السماوات والأرض، جنة لن تتسع مع ذلك إلا لابن تيمية وتسعة رهط ممن اتبعوه، من الطبيعي عند أمة كهذه ألا نجد فيها رجلا بكفاءة (ج.ح) الفاسد. يعني حركة، طول وعرض وارتفاع وتاريخ ورصاصة أولى وانشقاقات لا تنتهي وشعارات تحيي العظام وهي مكاحل، ليس فيها واحد ليس فاسدا (أو أقل فسادا) تسلمه هذا المنصب. لكن لا بد من الاعتراف أني أيضا لست كفؤا لهذا المنصب السامي، كنت أساجله فحسب.

المسرحية الرابعة: الدرس la leçon

هذا التنظيم ــ الحركة نفسها ــ لمن لا يعرفه، مبدع في ابتكار الاستعارات (من قبيل الانحناء ريثما تمر العاصفة)، وهو يوزع ديمقراطية على بلد، ويسود حلقاته النقد والنقد الذاتي، وتعج كراساته بالحديث عن المحاسبة وأهميتها، وهي ــ أي المحاسبة ــ تطال كافة أطره، لكنه… كيف أقولها؟ نعم، مستهدف. هناك مخطط جهنمي لتفكيكه، لذا فالإصلاح بذخ في هذه المرحلة، دع عنك المنعطف التاريخي إياه. الأهم الآن هو التماسك ورصّ الصفوف (لا يتخيلون إصلاحا إلا على الطريقة الغورباتشيفية يؤدي إلى انهيار دولة عظمى. لذلك فهو يفزعهم، هذا فقط أحد الأسباب. لكن أكان بوسع نكرة مثل غورباتشيف أن يهدم بمثل هذه البساطة هيكلا مشيدا؟ ثم كيف وصل إلى قمة أكبر أحزاب العالم واحد مثله؟ هذه أسئلة تثير مشاعر مزعجة وتحرض على التفكير، بلاها. دراسة البروتوكولات و”أحجار على رقعة الشطرنج” فيها الإجابة الشافية). المشكلة أن هذا التنظيم يعد أي نقد موجه له من خارجه معولا للهدم، ودلالة على حقد دفين عند صاحبه تجاه التنظيم الذي يتزعم الحركة الوطنية منذ الستينيات. “حبيبي فوت عالحركة أول، وانتقد فيها لتشبع”. وهذا كلام فارغ، مدحوض لكل الأسباب. يكفي مثلا ــ فقط مثلا ــ أنه يعني أن عليك الانضمام لأربعة عشر فصيلا (+5) حتى تكون مواطنا صالحا (يعني صريح النسب) ويتاح لك النقد والإصلاح.

الآن لا يعود غريبا، أن تأتيك هذه المقاربات، من الرجل نفسه، بل في المشية نفسها: يبدأ منكرا بحزم، ثم يجاريك، ثم يقر بالفساد لكنه يبرره، ويعدك بالتغيير “بس تهدا الأمور”. ألا يحق لك حينها أن تسأل نفسك: من هو الفصامي حقا؟

ثم يقول لك: “اشتغل وما عليك”. وكأنك تستطيع العمل في ظل ظروف مثل هذه. قراءة “لعبة القتل” لإيونسكو أكثر جدوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى