ذاكرة حدث

مشانق سود وحرية بيضاء

-صدقني لن يدخلوا إلا على جثث الشباب، لقد لغموا جسر السياسية، والجميع تعهد بالدفاع عن المدينة مهما كانت الأسباب، وكتائب الريف ستأتي بأسرع وقت ممكن لتفك حصار المدينة.

هذا ما قاله أبو سليمان وهو يرتشف كأس الشاي، وهو يحدثنا عما دار من حوار في غرفة العمليات المشتركة التي أقامتها فصائل الجيش الحر مع جبهة النصرة التي سلمت مناطقها للغربان السود موقعاً تلو الآخر، لتتحول المناطق التي حررها الجيش الحرّ بدماء أبناء البلد لقمة سائغة لهم.

درت بوجهي بين الحضور فرأيت شبح الشك قد سيطر على ملامح الجميع كما سيطر عليّ، لأعلم يقيناً أن لا أحد منا قد صدق الكلام الذي قيل، فالمدينة محاصرة منذ ما يقارب عشرة أيام دون أن نرى أو نسمع عن تحرك لأحد أو حتى وعد، وكأن الجميع قد مات أو سبت إن لم نقل قد استسلم لليل المقبل على المنطقة.

أردف أبو سليمان قائلاً: لن تترك الكتائب حالياً مناطق قتالها مع النظام داخل المدينة كي لا يسيطر عليها جيش الأسد ولكن الجميع سيخرج لقتال الدواعش.

جملةٌ لم أجد لها أي تفسير في قاموسي، فعاجلته بسؤال ساخر: إن لم يخرجوا لقتال الدواعش من سيخرج إذاً، هل تعني نحن؟

رمقني بنظرة سادية وتمتم: ولم لا تخرج، ما الذي ينقص حضرتك يدٌ أم قدم؟

-لا يا صديقي ينقصني السلاح الذي تحتكره الكتائب، والجنود، والكثير من الخبرة العسكرية التي لم أمارسها قط. وقبل أن يجيبني قلت: سأذهب لأوضب أغراضي فلعلي سأخرج من هذه المدينة مهجراً إن حالفني الحظ ونفذت من سيوف المحتل القادم.

مرت عدة أيام والأحوال تزداد سوءً، فالأفران في المدينة قلصت حصص الخبز للمواطنين بحجة أن الدقيق شارف على الانتهاء، والمنظمات الاغاثية قد وزعت ما بجعبتها من سلال غذائية على الجميع، أما قادة الكتائب فهم باجتماع منتظم لا طائل منه، فمن توجه لصد الدواعش هم بعض الفتية المتطوعين وكتيبتين من الجيش الحر، ليعود معظم من ذهب بين قتيل وجريح إثر معارك طاحنة كانت الغلبة بمعظمها للغربان المدججين بالسلاح والثقة بالنصر على عكسنا تماماً.

من قاتل النظام أضحى تحت التراب، والجبهة انفصلت عنا منذ زمن، شتان يا بني بين من قاتل لأجل البلد ومن يقاتل الآن لأجل الراية والداعم، عقاب الله له وجوه عدة ونحن عقابنا آتٍ لا محال.

أحاديث السهرات، وكلام العوام، وتحليلات المثقفين، وتمتمات القادة، كانت تقول إن الدواعش سيدخلون المدينة لا محال، ولكن لم يكن أحد يعرف الطريقة أو الوقت، ولكني طوال الوقت كنت أسأل نفسي السؤال بطريقة أخرى، لم سيدخل الدواعش؟ ما المانع من صدهم؟ لقد صددنا حملة الحرس الجمهوري قبل ذاك ومئات الهجمات ردت على أعقابها قبلاً، عشرات الأحياء حررناها كما يقول المثل كل شبر بنذر، أو بالأحرى كل شبر بدم، لم سنسلمها بهذه السهولة؟

في الوقت الذي يكون فيه عقلك يبحث عن الإجابات بين السطور والمقالات وحتى نشرات الأخبار تأتيك الإجابة على لسان العم أبو صهيب، ذاك البائع البسيط الذي تشكل الزمن قاسياً بين جعدات وجهه الستيني وكأن الزمن لم يقو بيوم إلا عليه، إذ اختصر حيرتي بعدة جمل ناصعة الواقعية حين قال:

-ابن أخي صدقني حين أقول لك أننا لسنا من صدَّ النظام، لا الجيش الحر بقي جيشاً حراً، ولا جبهة النصرة هي ذاتها ذاك الفصيل الذي قاتل ليحرر أحياء المدينة، من قاتل النظام أضحى تحت التراب، والجبهة انفصلت عنا منذ زمن، شتان يا بني بين من قاتل لأجل البلد ومن يقاتل الآن لأجل الراية والداعم، عقاب الله له وجوه عدة ونحن عقابنا آتٍ لا محال.

توالت الأحداث بسرعة البرق لتعج الشوارع بعدة قصص -كانت بالنسبة لي خيالية- أبطالها قادة من الجيش الحر الذين عبروا الفرات ليلاً ليبايعوا الدواعش على السمع والطاعة مقابل الحفاظ على حيواتهم التي نذروها مئات المرات للحرية، بحجة أنهم وضعوا بين نار تسليم المدينة للنظام أو للغربان، وكان خيارهم هو الاستسلام لأقل الشرّين، نزل الخبر كالصاعقة على رؤوس من في المدينة، لتترك الجميع بحيرة ودوامة من الإنكار والخيبة، فسيف الظالم أغدى عند الرقاب، ليت القوارب التي حملت أولئك القادة غرقت في النهر قبل أن يغرقوا المدينة في سواد لا نعلم متى سينجلي عنا، هل اعتقدوا أن الفرات لن يعلم بخيانتهم إن عبروه ليلاً؟ الفرات لا ينام أيها الحمقى.

وعلى عكس المثل القائل إن “كلام الليل يمحوه النهار” كانت الخيانة التي أحيكت ليلاً يكرسها نهارٌ مليء بالدهشة، حين افتتح وسط حي الحميدية مكتب استتابة ليتسنى لجميع تجار الدم بيعنا علناً وسط سكوت وخنوع الجميع، لم أصدق ما سمعت فذهبت بنفسي لأرى ما يحدث، لأتفاجئ بعدد لا بأس فيه من الناس يصطفون كالغنم أمام باب ذاك المكتب ليستتيبوا ويدمغوا بدمغ قد يحميهم لفترة ريثما يتم ذبحهم في الوقت المناسب. لا أعلم ما الذي أصابني حين رأيت بين الواقفين أبا حمزة، وهو عضو بإحدى هيئات جبهة النصرة، وقتها اقتلعني ضحك هستيري كاد أن يوقعني أرضاً، لم أستغرب موقفه فمن غير جلده من مقاتل في صفوف الجيش الحر لصفوف النصرة من أجل بعض المال والسلطة سيغيره كلما تغيرت موازين القوى، هنا عرفت أن الليل سيخيم على المدينة، وأن هذا الليل سيكون دامس بلون الرايات التي ستجلبه، لملمت ما تبقى في جعبتي من أمل وتوجهت لبيتي لأخبئه عن قتلة الأمل القادمين.

يومٌ واحد فقط مرَّ على افتتاح مقر الاستتابة كان كفيلاً لدخول قوات داعش للمدينة وكأن كل شيء قد رتب سلفاً، مرت مواكبهم لتدنس شوارع ديرتي بلا رحمة، وتغتصب حريتي بلا توقف، سياراتهم داست كرامتي وكرامات الجميع بطريقةٍ وحشية، سقط قناع الجميع وظهرت الوجوه بالية خائفة، لم أستطع البقاء في الشارع للحظة والمشاهدة، ركضت لبيتي مذعوراً، دخلت لغرفتي وبكيت، لم أصرخ أو أشتم أو ألعن بكيت فقط، دموعي ترنحت ولعنت عني، لعنت جبني وجبن الجميع. سويعات مرت على دخولي لغرفتي كانت كفيلة ليبدأ رأسي المحطم بالتفكير من جديد، فأنا الآن عدت لوضع أشبه بوضعي قبل عام 2012، والذي كنت فيه أمتهن النجاة والهروب من عناصر النظام، فمن جاء الآن لا يقل عن النظام ببطشه بأمثالي، كيف سأحيا هنا والموت عائد لاصطيادي؟ لم يعد الأمر يعني النجاة ضمن القطيع الذي استسلم لموته، ولا السكوت كان حلاً بالنسبة لي، لن أعود لقفص الخوف والبسطار العسكري مهما كلفني الأمر، لذا قررت الذهاب لحل يبدو ثقيلاً على نفسي ولكن لم أجد غيره أمامي، سأرحل عن الدير بعيداً عن الغربان السود وراياتهم المثقلة بالدماء علّي أستطيع النجاة بحريتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى