ذاكرة طبيب

الاحتساء من كأس هيجيا

دخلت شابة عشرينية باذخة الجمال عيادتي في المجمع الطبي الخيري. فور أن رأيتها تذكرت الوصف الخالد الوارد في نشيد الأنشاد: “كالسوسنة بين الشوك”. وكانت هذه السوسنة تحمل بيديها سمكة ملففة بقماط. وضعتِ السمكة على طاولتي وأخرجتْ علبتَي دواء وقالت: “لن أطيل عليك دكتور جيت بس أسألك: أستعمل لها هذا الدواء أم هذا؟”.

ــ كم عمرها؟

ــ ستة أشهر

لا يعيش هذا النوع من الأسماك عادة إلى هذه السن. كان ذلك معجزة. وقد علّمنا مخيم اليرموك في تلك السنوات أن ننكر ما نؤمن به، وأن نؤمن بما ننكره، وأن الحصول على لقمة قد يكون أكثر استحالة من تربيع الدائرة، وأن العودة إلى العصر الجوراسي أسهل بكثير من العثور على حبة دواء.

ولأني الآن، ساعة كتابتي هذا النص، في غير مزاج لإعادة اختراع العجلة، سأستعير وصفا كتبه أحد الأطباء في دفتر يومياته:

“في يوم الخميس، الخامس من نيسان 1750، استُدعيتُ لأفحص كائنا ولد قبل سويعات. كان مظهره صاعقا لكل من رآه، ولا أزعم أني أسطيع أن أصفه حق الوصف: الجلد جاف وقاس ومتشقق ومكسرٌ مثلثاتٍ تشبه حراشف السمك. الفم كبير ومستدير ومفتوح. وحيث يفترض أن يكون الأنف لا يوجد غير ثقبين. العينان تبدوان مثل كتلتين من الدم المتخثر بحجم ثمرة خوخ. لا توجد أذنان خارجيتان، ثقبان فقط. الذراعان متورمتان متخشبتان متشنجتان، الساقان كذلك. وكان هذا الشيء يصدر صوتا خفيض الطبقة أعجز عن وصفه. وقد عاش ثمانية وأربعين ساعة بعد رؤيتي له”.

سبق أن أخبرَنا أنكسمندريس أن الإنسان الأول وُلد من سمكة، فما العجيب في أن يرد الإنسان هذا الدَين التاريخي؟

في العربية، لدى كثير من الأمراض ذائقة لغوية تغويها أن تكون على وزن فُعال: صُداع، جذام، دوار، زكام، سعال، صداف… فكان منطقيا أن يدعى هذه المرض سُماكاً. وكان الكائن الذي شاهده الدكتور “أوليفر هارت” مصابا بالشكل الأشنع من بين الأشكال التي يضمها طيف السُماك. كذا كانت الطفلة التي وضعتها أمها أمامي على الطاولة، والتي أجاد الدكتور هارت قبلي بمئتين وخمسة وستين عاما، وصفها أيما إجادة.

كانت السوسنة تعرف كل شيء عن مرض سمكتها: الطفرة الجينية المحدثة له، فرط تقرن الجلد وانسداد مسامه وعدم توسفه، الخلل في التبادل الحراري الذي يعرض المصاب للتجفاف، القابلية الشديدة للإنتانات، القصور التنفسي الناجم من عجز الصدر عن التوسع، الصدر الذي صار مدرعا بقوقعة قاسية لا تتمدد. حتى الكائنات القشرية، بَلْهَ الأفاعي، تسلخ عنها قشرتها كلما ضاقت عن جسمها الآخذ بالنمو. لكن طفلتنا هذه ليست كائنا قشريا معترفا به. وكانت السوسنة تعرف أن ابنتها ستموت قريبا، قريبا جدا. لكن هذا لم يمنعها أن تأتي لتسألني: أي دواء هو الأفضل؟

بعد ولادة السمكة، تمكنتْ أمها بمعجزة ملحمية ما أن تخرجها من اليرموك، وفي أحد مشافي دمشق تم تشخيص المرض (ومن عساه يخطئ التشخيص؟) وأُعلمتْ السوسنة كل شيء عن مرض ابنتها ومستقبله، وأن فم السمكة عاجز عن التقام الثدي لذا عليها إرضاعها بمحقنة أو أنبوب، وأن أصابعها ستتآكل بالتدريج، وأن عينيها تحتاجان رعاية خاصة، وأنها في خطر دائم من التجفاف واضطراب الحرارة، وأن، وأن… فاشترت ذخيرة من الأدوية اللازمة، وتمكنت من العودة إلى اليرموك عبر حاجز يلدا. لتعيش السوسنة في تربتها الأم، والسمكة في نهرها الأب.

نعم، كانت تعرف كل شيء عن مرض ابنتها، أفضل مني بأسراب. وكانت إلى جمالها، وذكائها، وتفهمها، متماسكة جلدة. كانت السوسنة صفصافة من هذه الناحية.

كذا بالإجمال كنا نتدبر أمورنا الدوائية في تلك السنوات: يوما بيوم، علبة فعلبة، حبة ثم حبة، حقنة في إثر حقنة، تسولا وتوسلا، منة وإحراجا، تجاهلا لتواريخ انتهاء الصلاحية… وببركة الأسماك والسوسنات وعجائز المخيم.

إن حدث وحل بك شح دوائي، فاعلم أن الأسبرين يستخرج من لحاء الصفصاف، والكينين من شجرة الكينا، والديجوكسين من عشبة كف الثعلب، والمورفين من الخشخاش. واعلم أن الزنجبيل مفيد في التخلص من الغثيان والقُياء، وأن الأقحوان يقي من الشقيقة، وأن عشبة القديس يوحنا تعالج الاكتئاب. لم يكن عندنا في اليرموك شيء من هذه النباتات. وإن وجدت، فكيف نصنع ببقية الأمراض؟ لكن كان عندنا مثلا من النباتات تلك السوسنة. بعد أسبوعين من زيارتها الأولى جاءتني ثانية. وكانت متماسكة جلدة وهي تخبرني أن ابنتها ماتت. وضعتْ على الطاولة كيسا محشوا بالأدوية، أدويةِ سمكتها الراحلة. قالت: “أكيد دكتور في ناس رح تحتاج وتستفيد من هذي الأدوية”.

لا أزال أحتفظ بصورة التقطتها لتلك الأدوية: أشربة خافضة للحرارة ومسكنة، مضادات حيوية، مراهم، كريمات، مطريات، تحاميل، قطرات عينية، قطرات أذنية، بخاخات موسعة للقصبات…

وقد استفاد من هذه الأدوية أطفال كثر، بل وكبار مصابون بأمراض جلدية كالإكزيما والصداف. السمكة رمز تاريخي للخصوبة. كان ذلك في 17 آب 2015.

قبل ذلك بأسبوع جاءتنا مسنة ببعض الأدوية تتبرع بها. “لكنك قد تحتاجينها يا ختيارة!”. “بس أحتاجها الله بيدبر”

في السادس عشر من آب عام 2015، وبعد عدة اجتماعات ملحمية مع ممثلي المؤسسات والهيئات الإغاثية والخيرية العاملة في المخيم، لم أتمالك نفسي: “أعاجزون أنتم عن تأمين مبلغ 150 ألف ليرة شهريا تنقذ أهلكم؟” ثم كان أن تطوع كل منهم بما تيسر لديه، وهكذا تكرمت سبع مؤسسات بمبلغ كلي: ثمانون ألف ليرة. يومها كتبتُ على صفحة المجمع الطبي عن ذلك، مشيدا بهذه المؤسسات، مصرحا بالمبالغ المتبرعة (من قبيل التعرية وليس شفافية) ومختتما بالصيغة التقليدية التعريضية: “نيابةً عن أهلنا الصامدين في المخيم، والمتشبثين بحقهم، وأصالةً عن أنفسنا، نشكر كل المساهمين الذين تعهدوا بجمع هذا المبلغ شهرياً”. كان يفترض أن يتم ذلك كل شهر إذن. التزمت مؤسستان أو ثلاث فقط، بينما أخذت البقية بالتقاعس والتأخر والتهرب والتذرع حتى فكرتُ جديا في جمع أموال من الناس والتبرع بها لهذه الهيئات.

في الثالث من أيلول 2015 تمكنا أخيرا من إدخال أدوية خاصة بعلاج الحمى التيفية التي تفشت حينها. لم تكن بالكمية الوافية، لكننا كنا نعوذ بالتميمة التي يضحك بها الفقراء على أنفسهم: أول الغيث قطرة.

كذا بالإجمال كنا نتدبر أمورنا الدوائية في تلك السنوات: يوما بيوم، علبة فعلبة، حبة ثم حبة، حقنة في إثر حقنة، تسولا وتوسلا، منة وإحراجا، تجاهلا لتواريخ انتهاء الصلاحية… وببركة الأسماك والسوسنات وعجائز المخيم.

حاشية:

“هيجيا” هي إلهة الصحة والدواء عند الإغريق، صاحبة الرمز الصيدلاني الشهير.

الصورة من تصميم المأمون محمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى