دليل راقصة التعري إلى علم الأخلاق

شارك القصة

حين مثلت “ديمي مور” دور البطولة في فلم “ستربتيز” وأدت ببراعة دور راقصة متعرية، احتاجتْ قراءة الرواية وزيارة كثيرٍ من أندية التعري في الولايات المتحدة للتعرف الحقيقي بهذه المهنة وممتهناتها. المسألة علم ودراسة، وإن كان بعضهم يرى في هذا نقصا في الموهبة الفطرية أحوجها إلى التعلم بدل الانصياع إلى الغريزة. وقد يفسر هذا لم حاز الفلم جوائز كثيرة: من بينها أسوأ فلم، وأسوأ نص، وأسوأ مخرج، وأسوأ ممثلة.. 

لم يسبق لي أن التقيت شخصيا بمتعرية. لا أعرف أساسا إن كان لهذه المهنة وجود في بلدنا الحبيب، أو إن كان لها نقابة تهتف بحياة الحزب القائد. لكنني عرفت كثيرا من الرجال، وبعضهم رجال دين، ممن كانوا يجيدون قواعد اللعبة:

كوني مثيرة كفخذ دجاج لجائع 
ضرورية كالشمس لسجين
واثقة من نفسك أمام ذلك القطيع الذي يلهث لاحتساء العرق المنسكب على جسمك
أما العمود فيحفظ توازنك ويتيح لك إجراء مناورات تجعل الحضور يصرخ ويصفق انفعالا منه بالجمال النظري الذي نزل من عليائه وتجسد ههنا في الحانة أو النادي أو المخيم
لا بد أن تتلوي مثل أفعى، أن تخلعي عنك ثيابك قطعة قطعة
كوني بطيئة كما الغابة، وتعرَّي برفق كما لو أنك “الموت مستعجلا يأتي على مهل”
استفزينا، استنزفينا، فالعري ــ مثل الرعب ــ ليس هو ما يثير، هو انتظار اللحم وترقبه ما يجعل شفاهنا تتلمظ، وأفواهنا تتحلب، وقلوبنا تشرئب، وعيوننا تسافر، وأكبادنا تتقد، وأيورنا تنتصب.

وقد تدوم الرقصة سنين. تبدأ بتحريضنا على الثورة وتكفير كل من لا يشارك فيها، وتنتهي ــ حين نبلغ الرعشة ونقذف ما في أحشائنا من ماء الحياة ــ بالخلود إلى السكينة والمصالحة والمساكنة تحت سقف الوطن، وتكفير كل من يحرض على الفتنة.

بعيدا عن هؤلاء، عرفت في حياتي بين الكتب كثيرا من الأولياء والصالحين. وحين شرعتُ في بعض سنوات الحصار في دراسة “الفتوحات المكية” عجبت من نفسي كيف لم أزر مقام محيي الدين بن عربي وهو المستوي هنا في دمشق. غداً عندما يسقط النظام ــ كنت لا أزال أحسب سقوطه يسبق سقوط اليرموك ــ سيكون الحج إلى الشيخ الأكبر أول شيء أفعله. لكني لم أقرأ شيئا عن “سِيدي مقداد”، لم يصل إلى علمي شيء من كراماته. ربما دُستُ المكان مرة واحدة في طفولتي حين كنت أعمل في النجارة، المكان الذي سيصبح حداً استراتيجيا من حدود المنطقة الجنوبية. سيلمع اسم حاجز ببيلا-سيدي مقداد. لكل مجتهد نصيب. ورفعنا بعض الحواجز فوق بعض درجات. فهو الذي يكمل الحصار على المنطقة الجنوبية من جهة البلدات الثلاث (يلدا، ببيلا، بيت سحم) ولأنه كذلك فهو يلعب دورا مزدوجا: شريان الحياة، وبوابة الابتزاز. 

جاء في الأثر أنه وُقِّع في مطلع عام 2014 اتفاق هدنة/مصالحة بين البلدات الثلاث والنظام، يسمح فيه الأخير بدخول المواد الغذائية عبر حاجز ببيلا ــ سيدي مقداد مقابل تعهد الفصائل بعدم استهداف مطار دمشق. هذا ما ورد. وسيصبح شريان الحياة هذا بوابة لابتزاز السكان، وفرض الشروط، والضغط على الفصائل. من جرَّبَ المجاعة مرة ونجا متها لن يفكر أبدا في خوضها مرة ثانية، لذا فهو سيرضخ. وهذا قانون اقتصادي اسمه “استثمار حالة الرعب”. سيجوِّع أخاه ليأكل هو. فما عساكم يصنع بـ “الغريب”؟ بالكائن الذي ليس من “أهل البلد”؟ وستكون المعادلة فيما بعد واضحة وبسيطة يحفظها أي طفل: “أغلقوا حاجز العروبة، نفتحْ لكم حاجز سيدي مقداد”. وبذا يتم اغتصاب اليرموك من قُبُل ومن دبُر. وسأكون شاهدا فيما بعد على كون كثير ممن أسميتهم “فلسطينيي يلدا” وراء إغلاق حاجز العروبة، تحريضا أو تواطؤا أو سكوتا.

جاء في الأثر نفسه أنه في نهاية العام نفسه وُقّع الجزء الثاني من اتفاق الهدنة/المصالحة. جن جنون شيء اسمه “الهيئة الشرعية في جنوب دمشق ومجلس شورى المجاهدين”. رفضتْ هذه المصالحة المنفردة، واتهمت من أسمته “المدعو صالح الخطيب رئيس وفد المصالحة” بالتوقيع على مبادرة مذلة، وخيانة الاتفاق الذي نص على عدم خوضهم أي مفاوضات إلا مجتمعين، وضمن الضوابط الشرعية للهدنة.

لماذا أرجع إلى الأثر بدل الاستعانة بذاكرتي؟ لأني كنت حينها مغيبا، ثملا بالكحول والسايدكس والجوع والعمل. الأخبار والمهاترات والقصص لم تكن تنقطع حينها، وكان الإلمام بها يحتاج  فراغ بالٍ ووقت، وذاكرة مميزة، وقدرة فريدة على الإصغاء والثرثرة، وهي أشياء لا أزعم أني تمتعت يوما بها، على الأقل مجتمعة.

في الثالث عشر من آذار عام 2018 فرغت الراقصة أخيرا من أداء عرضها. فقد أصدرت الهيئة العمومية (لبلدة يلدا وليس الأمم المتحدة) بيانها النهائي الذي حسم إغلاق معبر العروبة (كذا اسمه في البيان: معبر مش حاجز) بشكل تام خلال 48 ساعة يسمح خلالها بإدخال الأغذية بشكل اعتيادي مع منع إدخال كميات كبيرة بقصد التخزين. جميل ومنطقي جدا ووطني وإنساني. بعدها بح! يُمنع كل شيء، ويمنع إدخال الجرحى، بل ويمنع ــ وهنا المثير الشائق الماتع ــ إدخال قتلى داعش والنصرة إلى البلدة، والنداء عليهم في المآذن. وهل كان قتلى هذين الشرَّين يُدخلون يلدا ويُنعون عبر مكبرات المساجد؟ بعضهم فقط، ممن هو من نبْت يلدا. فقبيلة تغلب في يلدون الآرامية لم تكن تتنكر قبل هذا التاريخ لأبنائها الآبقين إلى بكر. لكن الفلسطينيين في يلدا كانوا يتنكرون للفلسطينيين الذين بقوا في مضاربهم. قالوا عنهم: دواعش. لا يزال د.معاوية محمد يذكر تماما ــ بفم مبتسم وصدر منشرح ــ كيف استقبله “أهله” حين خرج أخيرا إلى يلدا بقولهم: “أهلا بطبيب الدواعش!” من كان أولئك الأهل؟ نخبة ممن عرفتهم في الأمسيات الأدبية، واجتماعات المجلس المدني، والاعتصامات، والجوع، والمرض. مثقفون، ومناضلون سابقون وحاليون، وأبناء فصائل، وفنانون، وأصحاب نظريات مكينة، ومديرو منظمات خيرية وإغاثية. لم يغادروا المخيم إلا حين استولى جنود الدولة الإسلامية عليه. وكدأب من سبقهم، ومن سيليهم إلى يوم الدين والدينونة، قرروا التبرؤ ممن بقي في المخيم والتبرز عليه. والتبرؤ والتبرز هذان آلية دفاعية تستخدمها النفوس لتتصالح مع انكساراتها وتخليها عن مبادئها، وتتيح لها التوازن والمناورات. هي مثل عمود التعري إذن.

لذا لم يكن مستغربا تأييد “الفصائل الثورية” إغلاق حاجز العروبة. فمن المعلوم بالطبع والضرورة وعلم الإحصاء وعصر التنوير، أنه لم يبق في المخيم غير الدواعش وأنصارهم.

وهم ــ فلسطينيو يلدا مثلا أو النازحون إليها من اليرموك والحجر الأسود ــ في حالهم هذه حالُ العبد الذي يعينه سيده سيدا على بقية العبيد، رئيسا للخدم، فيكون أكثر ملكية من الملك، وصهيونية من هرتزل، ويلدانية من الشيخ صالح الخطيب. أطلق صديق لي على بعضهم لقب: قيء اليسار العربي، وهذا يصلح جدا لليساريين والقوميين منهم. أما اليمينيون والإسلاميون منهم فحثالة، مخاط، أو قيء القيء. ومن ليس لهم اتجاه مفضل، من لا إبرة ممغنطة في بوصلتهم، فهُم من هم.

ها أنا الآن ثمل. لا تدور الدنيا حولي بقدر ما أدور حولها. أستغل خلو العيادة من المرضى فأتجرع شيئا من الكحول. وسكي أم نبيذ؟ لا! كحول طبي. يفيد في تطهير الجهاز الهضمي من الجراثيم، والجهازِ العصبي من الوعي الزائد المسبب للاكتئاب. سبعون في المئة! هذا يناهز ضعف تركيز الكحول في الفودكا. ألا تخشى على مريئك؟ فليذهب إلى الجحيم! خرجتُ مرة من إحدى العمليات في مشفى فلسطين وأنا ظمئ مثل من لم يشرب ماء في حياته المتصحرة. وجدت كوبا ورقيا مغريا مليئا بسائل شفاف. تجرعته مرة واحدة ولم أكد أسيغه. لكنه ماء! ثم دارت بي الدنيا، أو لعلي أنا من دار بها. ثم عشيت عيناي وصرت جاهلا بمكاني. ثم أصابني ألم حاد فظيع. و”ثم” لا تفيد التراخي، بخلاف عادتها. إذ لم أعد أشعر بالزمن آنذاك. من يشرب السايدكس يكتشف أن الكحول لعبة صبيان. لكنها كانت مفاجأة سارّة، إذ عندنا سايدكس! سيكون أفضل من إشعال النار في الأدوات الجراحية بغية تعقيمها.

ربما سيتمزق مريئي، لكن الأرجح أن هذين التخريش والكيّ سيحدثان تضيقا دائما. ستعاني من عسرة بلع، ستغص بطعام يراوح بين الشح والغياب. لم يحدث هذا إلى الآن، يبدو أنني نجوت.

لو بغير الماء حلقي شرِقٌ … كنتُ كالغصّان، بالماء اعتصاري

كنا نغص بالهواء الذي نتنفسه أو يتنفسنا، سائل أو صلب لن يحدثا فرقا ذا بال.

ديمي مور، التي مثلت ابنتها ذات السنوات السبع معها في الفلم نفسه، قالت: “نحن نحب الجسد ونحتفي به، نراه شيئا طبيعيا وجميلا. أنا أستحم دائما مع أطفالي، وأسير في البيت عارية”.

لا أحسد أطفال ديمي على أمهم المثيرة، وإن كنت أجد الاستحمام معها أمرا مفيدا للصحة. لكني ألعنني على المتعريات اللائي حظيت بهن في مواخير الحصار.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

كم الساعة الآن في قلب الفراشة؟!

أخطأتُ بلفظ اسمي مرات عديدة، و أمسكت بأطراف الحروف أستجديها، لما تهربين، صحبة عمر تجمعنا منذ أشرقت مدينة دمشق في عيني، منذ اعتدت اصطحاب الكتب كل مساء بدل أحاديث النسوة في قريتنا، و كتابة أحلامي في قصيدة عبثية بدل الإسرار بها لفتاة ثرثارة من بنات الجيران. فهناك لا وقت للثرثرة،عليك أن تعرف من أنت و […]

اعرض المزيد

أثداء القاضية وثلاث ساعات في القصر العدلي

كنتُ أقفُ على حافة الهاوية، كأنني ذلك الشبح، مصفرَ الملامح .. نعم أوائل عام 2012، استحالت ساحة الأمويين هاويةً في تلك الظهيرة، حوالي الساعة الثانية، ولم يحطني آنذاك سوى الدهشة، وضجيج أبواق السيارات.. وعابرون يتفرسون وجهي، ويتساءلون في أنفسهم” من هذا الذي يقفُ كالبهلول، بثيابٍ رثّة ووجهٍ صفعته جميع كفوف الزمن! بعد أن شدّ أحد […]

اعرض المزيد

سقوط الجهات في مخيم اليرموك

كان عليه أن يأخذ موقعه كالصياد الحاذق لكي يفهم دمشق جيداً، فلا هي تبتلعه إذا يغشاها طافح الشوق واللهفة ولا هي تنكره إذا انزوى عنها مثقلاً بوجل الفلاح وريبة الريفي، لذلك انتقى أن يركن إلى قاع سرها وقبة كنهها، اختار الخاصرة حيث الرؤية الأوضح في النقطة الأكثر صفرة، اختار مخيم اليرموك. في الواقع لم يكن […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories