ذاكرة لجوء

حين تكتشف أنك لاجئ أليف

        

            “علينا أن نضع شروطا”، – “ضعها!..”؛ وبتركيته التي تتخللها بعض الكلمات الإنكليزية التي يعرفها من قبيل “نعم ولا..” يرفع نبرة صوته قليلا بشكل استعراضي أمام الموجودين في مقهى ستارباكس، ويقول: “لا زيارات أصدقاء وسهرات صاخبة ومتأخرة، لا أحاديث على الهاتف بشكل طويل وبصوت عالٍ، النظافة جدا مهمة.. الهدوء مطلوب، لأننا طلاب دراسات عليا ويجب أن يكون جونا مريح وجو للدراسة؛ أنا أعرف أن هناك ممارسات من السوريين غير متحضرة! لكنك شخص متحضر ولذلك يمكننا أن نستأجر المنزل سويا! هل لديك أية شروط؟”؛ وافقته على كل الشروط، وكنت على دراية واتفاق معه حول بعض السلوكيات غير المتحضرة ولا المحببة من قبل السوريين، منها ما عايشتها وخصوصا فيما يتعلق بالجيرة والأصوات المزعجة أو روائح الطبخ؛ قبلها لم أكن على علم أن هناك بيئات في سورية بدائية جدا في هذا الصعيد، ولا تعني لها آداب التواصل مع المحيط الاجتماعي أية قيمة يجب مراعاتها. لكني سألته سؤالا واحدا: “هل الجيران هادئون ولا يوجد أي ازعاج منهم؟”، “نعم! كلهم عائلات تركية محترمة!”.

            إنها تجربة جيدة لي أن أنتقل للعيش كلاجئ سوري مع شاب تركي في ذات مستواي العلمي وتخصصي، وفي بناية كلها أتراك؛ قد يكون الأمر بالنسبة لي فارقا إيجابيا، كشخص لا يجب أن تنطبق عليه نفس الصفات السلبية التي يصفون بها اللاجئين السوريين هنا على فاقتهم وحاجاتهم وظروفهم الصعبة. كثر هم الأشخاص الذين صادفتهم وكانوا منذ بدايات موجات اللجوء هنا، وعملوا في مراكز الإيواء ومخيمات اللاجئين؛ أخبروني أنه في البداية قَدّمَ الأتراك الكثير للسوريين، لكن بعض اللاجئين السورين خانوا وأساؤوا للعطايا، وعكسوا صورة لا حضارية ولا أخلاقية عنّا؛ علما أن هناك شرائح كبيرة راقية ومميزة وأخلاقية تحمل مواصفات فريدة، لكنها تتصرف بتهذيب لدرجة أن الأتراك لا يلمحونهم في الشارع، وهم لا يحتكون بالأتراك اتقاء لأي حادث. وجهة النظر المتطرفة هذه كانت ستخضع للاختبار بعد تجربة الإقامة التي خضتها.

            كان موعدنا لننتقل إلى المنزل بعد ثلاثة شهور تقريبا، لكنه أهمل الموضوع في البداية؛ وبعدها بثلاثة شهور أخرى، حادثني بطريقة جدية؛ وتم تحديد موعد جديد. وفي يوم ما وبينما نحن في طريقنا إلى منزل لنراه بدأ يتحدث عن اليسار السياسي وخصائص اليساريين؛ علما أني لست يساريا ولا أقربهم حتى، بل ربما لفته انفتاحي الفكري، وهذا ما وجده مغايرا عن الطابع الإسلاموي المتزمت الذي يتصف به السوريون عموما هنا، فلم يتفهم من ذلك سوى أني يساري؛ وبدأ مقارناته مع الإسلام الأصولي والوصولي،  وكيف أن الأمان بالمسلمين غير موجود!. كان المنزل أول خيار لدينا؛ وكان يقول هناك خيارات أخرى؛ لكني أحسست أنه لا يوجد خيار ثان، حيث دخل على المنزل وهو عارف بكل تفاصيله؛ مفروش ومجهز بكل اللوازم للإقامة، حتى أنه حضر القهوة وسقاني!، وكأنه يريد اقناعي بهذا المنزل وكفى، وبالفعل المنزل مناسب وسعره مناسب وفيه كل احتياجاتنا، واتفقنا أن نستأجره، وعدت لوحدي، بينما قال أنه سيذهب إلى منزله لأنه قريب.

            بعد إسبوعين وقبل الموعد المحدد لانتقالي بأيام، أخبرني أنه سيزور أهله في محافظة أخرى ولذلك لن يتمكن من استقبالي، قبل خمسة عشر يوما! وهنا بدأت في التفكير باستئجار منزل آخر؛ وأخبرته بذلك فوافق، لكن بُعَّيّد لحظات، أعاد الاتصال وقال لي: “حسناً يمكنك أن تأتي في اليوم المتفق عليه”. وبعد يومين كنت في المنزل، وحمل الحقائب معي، ورتب لي مكانا لأنام فيه، وأعطاني الأغطية والشراشف من غرفته؛ وقلت لنفسي لا بد وأنه كان يقطن في المنزل فمن المستحيل أن يأتي ويعرف كل هذه التفاصيل في يوم واحد فقط! بل ويعرف الجيران والكتب الموجودة في المكتبة ومشاكل الكهرباء والصرف والتدفئة في المنزل!.

اعتدت أن أستيقظ كل صباح وأرى المطبخ في فوضى عارمة، كتلك التي نراها في منازل وأوكار العصابات ومتعاطي المخدرات.. بعد أن يتناول الفطار ويغادر دون أن يرتب المطبخ، وإن صادفته وكان متأخرا عموما، يقول لي: “دعه سأرتبه عندما أعود” طبعا غالبا لا أجد مكانا لأتناول طعامي إلا واقفا أمام البراد. ومرة عندما عاد من عمله رمى حقيبته عند الباب ودخل مباشرة إلى الحمام ليأخذ دوشا سريعا، ثم خرج وجلس على طاولة المطبخ يدخن سيجارته وابتسم لي وكأن الأمور عادية، لأني قمت بواجبي ونظفت البيت! وباشر بالحديث لي معبرا أنه اليوم تأخر على غير العادة.. ولذلك ترك المطبخ بهذه القذارة، وهو منظم جدا في حياته ودائما ما يخطط بطريقة جيدة ويلتزم بخطته، ويستغل وقته، حتى أن زملاءه في العمل لطالما حسدوه على ذلك؛ تفهمت الموضوع وتجاهلت ما يحصل. عدت لعملي على البحث وبدا أنه يعد طعامه الخاص بمرض السكري رغم أن طعامه لا يراعي الحمية بشكل ما.. واستغرق وقتا إضافيا في الحديث والقهقهة بصوت عال وتناول الطعام، وهذه عادة أخرى تضاف إلى النقاط التي اشترطها عليّ؛ وعندما دخلت إلى المطبخ بعد ثلاث ساعات وكان ما يزال يتكلم ويدخن ويشرب القهوة والشاي.. قال إن عمله متعب وإن لديه عائلة كبيرة يجب أن يطمئن عليها كل يوم، وبدأ يشتكي من عدم توفر وقت للدراسة لأنه موظف.. ويستغرق الكثير من الوقت في أمور المنزل كالطبخ والتنظيف والغسيل.. ثم قال أنه تعب وغادر لينام.

            بعد أقل من أسبوع أخبرني أن هذا المنزل، للأستاذة الجامعية التي عرفني عليها منذ عام، وهو أحيانا يعيش هنا عندما لا يكون هناك مكان يلجأ إليه، ولذلك هو يعرف كل هذه التفاصيل!. ثم قال إن الأستاذة الجامعية ستأخذ أغراضها من المنزل بعد عشرة أيام!، وعلينا أن نحزمهم لها، ونساعدها في النقل، هنا أيقنت أنه لم يكن لدينا خيار غير هذا المنزل، والتأجيلات كلها ارتبطت بموعد انتقالها إلى سكنها الجديد.. لكن لما كل هذا التكتم؟! طبعا المنزل لا بأس به. إلا أن هناك أصوات ركض دون انقطاع تأتي من الطابق العلوي والدرج، والجيران بجواري أيضا يثيرون صخبا شديدا، نتيجة الأعمال اليومية من التنظيف وخصوصا إزاحة الأثاث وإغلاق الدرف والأبواب والكنس الكهربائي، ولذلك صرت أذهب إلى مقهى هادئ وأمضي بعض الوقت فيه وأعود.

تكرر موقف التأخر الصباحي والمطبخ القذر والحديث والضحك بصوت عال بشكل شبه يومي؛ وضجيج الجيران لا ينقطع إلا ليلا، وفي إحدى المرات كنت أقول له أنه يضيع الكثير من الوقت على الطبخ والطعام والهاتف؛ فأجابني الجواب الذي أحسسته مستفزاً جدا؛ قال الصحة هي أهم شيء بالنسبة لي؛ وتلا علي مقولة لـ “أشو” حول هذا الموضوع!.. حسنا وتدخينك وعدم مراعاتك لصحتي بذلك وضجيجك وطعامك غير المحمي!! كلها تساؤلات دارت في رأسي لكني بقيت صامتا. ثم بدأ يناقشني بالسياسة التركية وتقصير الحكومة وغيرها من الأمور التي تستفزه من الحكومة؛ وأنا أفكر بتأخره شبه اليومي عن العمل وعدم التزامه فيه وتحججه بصحته المعتلة! وهل يطرح نفسه بديلا كعينة عن المعارضة؟! يالخسارة تركيا إن حدث ذلك!.

            عندما بدأت إجراءات الوقاية من الفيروس كورونا والحجر الصحي، كان يتشدق بأنه يحق له أن يبقى بالبيت لأنه مريض بالسكري، ولكنه لا يريد أخذ إجازة، فالعمل واجب أخلاقي ووطني، وهو سيشعر بالملل في المنزل.. وما إلى ذلك من كلام يدل على أنه ينوي أخذ اجازة طويلة.. كان هذا يوم الخميس مساء، وفي صباح اليوم التالي تأخر في الاستيقاظ ثم رتب أموره، ثم جلس على كرسيه في المطبخ وهو يدخن، وقال لي: ” أنا سأذهب إلى طبيبي لأستشيره من أجل وضعي”، وغاب ساعتين ثم عاد مبتسما وبيده ورقة إعفاء صحي من الدوام!.. وبعد قليل قرع باب غرفتي ودخل قائلا: “ستحضر صديقتي بعد نصف ساعة لأخذ الإجازة الطبية! إن أردت شيئا من المطبخ أو استخدام الحمام يمكنك ذلك الآن لأننا سنحضر طعام العشاء معاً ونتناوله في المطبخ! لذلك قد يكون محرجا لها أن تراك!!” أحسست بالإهانة وبنوع من الازدراء فرددت بشكل صارم وبكلمة واحدة: “حسنا”. والتزمت غرفتي طيلة وجودها لمدة أربع ساعات من أجل التقرير الصحي!، وبعد أن تناولا العشاء وتسامرا وهمَّ بالمغادرة معها، وعلى غير عادته في المنزل كلمني بإنكليزيته المبعثرة من وراء الباب قائلا: “هل تريد شيئا؟” فجاوبته بالإنكليزية: “هل أنت ذاهب؟” فصمت لثانية واستشفيت أنه لم يفهم ما قلت، فقال لي: “أوكيه”.

            في اليوم التالي؛ كان يحدثني سعيدا أن زملاءه في العمل يسألونه وهم مستغربون كيف يمكن له العيش مع سوري؟!، فيجيبهم أنني رجل محترم ولدينا نفس العادات!؟، ثم قال أن زميلته تريد التعرف علي! وكنت أعطي ملامح لا مبالاة طوال حديثه وفي عقلي تساؤل واحد، لما يخبرني هذه القصة؟ ثم بدأ يحدثني عن فتاة ثانية وأنه يريد أن أمنحه طريقة ليكون صديقها! وبعد أخذ ورد علمت أنه غير جاد تجاهها وأنها ستكون فتاة في رصيده تتعلق به فقط.. كنت أسايره بتململ في أحاديثه عنها؛ لكني لم أكن أخدمه في نواياه.

            بداية الأسبوع التالي، حضرت زميلته من العمل صباحا دون موعد، وكانت قد اتصلت به عشرات المرات لكنه لم يرد لأنه نائم، استقبلتها وأدخلتها وأيقظته، ثم قال لي أنهم سيتناولون الفطور.. فسبقت عليه بقولي: “حسنا سأتناوله معكم” لأنني لم أكن قد تناولته بعد ولن أنتظرهم لساعات، شاء أم أبى!. فصار يحدثني أمامها بالإنكليزية رغم ضحالتها وفداحة الأخطاء التي يرتكبها، فطلبت منه أن يتكلم بالتركية، فصار يتكلم بطريقة منمقة جدا كما يتكلم أبناء اسطنبول رغم أنه من ولاية جنوبية مغايرة تماما في اللهجة، وكنت أسايره على ذلك حتى لا أحرجه أمامها، ثم تحدث عن الطعام، وأنه يهتم كثيرا بطعامه وما إلى ذلك.. وسألتني زميلته: “هل حقا تأكل بسرعة؟!” أحسست أنه حدثها بشيء قد يكون سلبيا عني.. فقلت لها: “غير صحيح، أنا بطيء، لكني سريع بتحضير الطعام وأخذ حاجتي منه فقط صحيا ولأستغل الوقت على أفضل وجه؛ ولا أضيع وقتي كثيرا في أمور ثانوية إلا عند الحاجة” فرد زميلي بنفس المقولة لـ “أوشو!”: “الإنسان يهدر صحته لأجل المال ثم يهدر المال لاستعادة صحته!!” فضحكت هي؛ فقلت له: “عفوا هذه الجملة للديلي لاما وليست لأشو، وأنت تنفق المال لتهدر صحتك وتدخن، وتهتم بملء الثلاجة بالطعام الصحي لكنك تتناول الطعام والحلويات دون حمية، وهي مقولة ليست صحيحة بمطلقها، فالفقير عموما مضطر للعمل أحيانا بظروف غير صحية لتأمين الحياة لعائلته!” فأبدى إعجابه وتفهمه، وغير الموضوع إلى الحديث عن مساندته لحقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وأنه رجل لن يدع زوجته مستقبلا تعمل في المطبخ وسيساعدها، فصمت وأنا أفكر أنه يبرز نفسه أمامها! وهو يهمل هذا الجانب تماما في المنزل، يتحدث عن النظافة والصحة ولا يمارس الرياضة إلا ما ندر والمنزل مليء بالغبار والدخان.. تناولت الفطور معهما واستأذنت والتزمت غرفتي لحين انصرافها.

            بعدها صرت ألاحظ أنه كان يهتم بالمظاهر بشكل كبير جدا وليس بالمضمون؛ فقد تكرر موقف حديثه معي بالإنكليزية أمام الأتراك عموما وزملائه خصوصا، لدرجة مقززة، حتى أنه طلب مني أن لا أتواصل مع أحد من الجيران، أو العمال والعاملات المسؤولين عن البناء، وعندما حضر العمال لنقل أثاث منزل الأستاذة، وعمال الأدوات الكهربائية! طلب مني أن لا أخبرهم أني سوري!. بعد هذا الموقف بت أعرف أنه خجلٌ بوجودي معه في المنزل، بل وأنه استضافني لسببين الأول لتحسين إنكليزيته، والثاني اخترعه ليغطي السبب الأول، وهو استكمال بريستيجه وإظهار نفسه بأنه إنسان يساري راق وأنه لا يميز بين الناس على أساس الجنسية أو الجنس أو غير ذلك من خصائص اليساريين عموما.. وبلغت به المغالاة في تعويض النقص حد وضع صورة له على الواتس آب خاصته، متصور فيها مع كلب، ويظهر جهاز تعقب البلدية على أذنه، أي أنه كلب شارع؛ فقلت له: “أين وجدت هذا الكلب؟” فقال لي: “هذا الكلب ملكٌ لابن عمي!”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 1 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى