ذاكرة طبيب

سيكون هناك دم

وجاؤوا على قميصه بدم كذب. وقالوا: أكله الذئب. وكان الذئب أخا لي في الرضاعة والدم، لكنه تأثر كثيرا بأفلام دراكيولا: حيث الدم الذي يحفظ نضارة الجلد، الدم الذي يستعيد الشباب، الدم الذي له مفعول الهيرويين، الدم الذي يضمن لك الخلود. “لم تُبقِ في شفتيكِ لذّات الدِما … ما تذكرين به حليب المرضعة” وتأثرَ كثيرا بشعائر بني إسرائيل وشريعتهم، فالدم هو نصيب الرب من الذبيحة التي يسعده لونها وتلذ له رائحة شيّها. الرب قطع العهد مع بني إسرائيل بالدم. كل شيء يتطهر بالدم. الخطيئة الأصلية بدم المسيح، والخطايا الفرعية بدماء الخراف، وخطيئة الكرامة بدم المطالبين بها. ثم ردد معهم: ملعون من يمنع سيفه عن الدماء. فاستل سيفه، وذخر بنادقه، ولقم قاذفاته، وحشا براميله، وزرع ألغامه، وأخذ يفسد فيها ويسفك الدماء.
فسالت الدماء أنهارا، وصارت الأنهار دما، فأنتنت، وماتت الأسماك، ولم تنبت بعد شقائق النعمان. هذا زمان البق والعلق والبعوض وخفافيش العالم الجديد تغتذي بالدم لتعيش وتتكاثر. هذا زمان الأحمر، من ذا يقاوم إغواءه؟ الليالي الحمراء، ذات الرداء الأحمر، أحمر الشفاه، الحرية، السماء عند الغروب، أكسيد الحديد، الخمر، النار، الشهيد، العشق الإلهي والحب البشري، طمث الخصوبة، لون الدم، إذن الحياة، إذن الموت.

والدم لا يصير ماء، كذا قالوا، لكنه قد يصبح كحولاً يتبخر في درجة حرارة الغرفة فيصبح ابن عمك في حل من التزامه نحوك ونحو الإنسانية.
والدم هو النفس، هو الحياة التي تسيل في عروقك، ثم تسيل منها إن أسلمْتها لمن لا يراعي حرمة الحياة.

وكان يستحسن ألا يكون المتبرع قد طرز جسده بوشوم خضراء رديئة تمثل خريطة الوطن السليب، أو اسم أول حبيبة من قبيلة متيماته العذارى، أو كلمات من قبيل: “باطل” و”أبو عذاب” و”يا عين صُبي دمع”. لكن هذه الوشوم عند كثير من شباب المخيم زِي، تراث، نمط حياة. وكان يستحسن ألا يكون متعاطيا حاليا أو سابقا، لكن التعاطي في المخيمات نمط موت. ثم من أين نأتي بمتبرعين؟ هؤلاء هم القذرون من أبناء اللجوء الذين بقوا معنا وأنقذونا بدمائهم بعد أن غادرنا النظيفون.

“لا الماء عندك لا الدواء ولا السماء ولا الدماء” والدماء جمع الدم الذي نحتاجه في غرفة العمليات فتصدح المآذن: نحتاج دما زمرة Aإيجابي. فيهرع المتبرعون. لا أحد منهم يعرف لمن سيذهب سائله الثمين، لا أحد منهم يريد جزاء أو شكورا، لا أحد منهم تلتقط له العدسات صورا يحلب بها ضرع الداعم ويمن بها على رب الشعب، لا أحد منهم يعرف زمرة دمه. عليك فحص الجميع بمواد لست متأكدا إن كان سوء التخزين وتقادم العهد أفسداها أم هما على وشك فعل ذلك. ولأنه لا وجود لأكياس الدم، يكون النقل مباشرا من المتبرع إلى المتلقي. لذا يكون المتبرع حاضرا معنا في غرفة العلميات كما لو كان كبير استشاريين. غرفةِ العمليات التي فقدت مكانتها ورهبتها منذ زمن بعيد. وكما لو كنتَ في القرن السابع عشر حيث جرت أولى التجارب الموثقة في نقل الدم: تمتلئ المحقنة بخمسين سنتمترا مكعبا من السائل الأحمر اللزج الشهي، ثم تُفرغ مباشرة في أوردة المريض. تتكرر العملية تسع مرات ــ إن لم يُغم على المتبرع ــ  إذ الرياضيات تؤكد لك أنك بذلك تحصل على وحدة دم كاملة.

الرياضيات سهلة في مخيم محاصر، لكن البيولوجيا لا ترحم. لا شيء يضمن لك أنك لم تنقل مثلا فيروسات التهاب الكبد Bأو Cإلى جسد تعيث فيه الأدوات الجراحية وتعبث. المسألة سؤال وجواب. يسأل الممرضُ المتبرعَ الكريم: عندك التهاب كبد؟ يجيب المتبرع الكريم الممرض بكل ثقة: لا. هذا كل ما في الأمر. وكان يستحسن ألا يكون المتبرع قد طرز جسده بوشوم خضراء رديئة تمثل خريطة الوطن السليب، أو اسم أول حبيبة من قبيلة متيماته العذارى، أو كلمات من قبيل: “باطل” و”أبو عذاب” و”يا عين صُبي دمع”. لكن هذه الوشوم عند كثير من شباب المخيم زِي، تراث، نمط حياة. وكان يستحسن ألا يكون متعاطيا حاليا أو سابقا، لكن التعاطي في المخيمات نمط موت. ثم من أين نأتي بمتبرعين؟ هؤلاء هم القذرون من أبناء اللجوء الذين بقوا معنا وأنقذونا بدمائهم بعد أن غادرنا النظيفون.

عند مريض نزف ريثما تم إسعافه إلى المشفى، ثم فَتحتَ بطنه ليبق الدمُ في وجهك بعد أن شكل بركة تسبح فيها الأمعاء، ثم اكتشفت أن كبده ممزقة والطحال قد تهتك، عند مريض مثل هذا لا يكون نقل وحدة دم أمرا ذا بال. أي أن هذا النقل، وفق اصطلاح علماء الجرح والتعديل، ليس بشيء. تحتاج اثنتين، ثلاثا، خمس وحدات. أي تحتاج متبرعيَن، ثلاثة، خمسة متبرعين. ومع كل عملية نقل يزداد احتمال حدوث واحد من المضاعفات الكثيرة غير المرغوبة (بافتراض وجود مضاعفات مرغوبة). ومع كل عملية نقل تزداد الصورة السريرية ضبابية، وتصبح غير قادر على معرفة ما حل بالمريض: تحسس بسيط؟ صدمة تأقية؟ تنافر في الزمر المفحوصة أو غير المفحوصة أدى لانحلال دم؟ وذمة رئوية؟ إنتان جرثومي حاد؟ كرياتُ المتبرعين البيضاءُ عابرة الحدود تهاجم جسم المريض؟ أم أن هناك نزفا لم تتحرَّهُ بعد أو لم تسيطر عليه؟ ولا يكون الأمر أفضل كثيرا في الساعات الأولى بعد خروج المريض من غرفة العمليات، تظل الاحتمالات السابقة قائمة، وتظل الخطورة.

لكن المنطق الذي تحاكم فيه الأمور واضح: “أُنقِذتْ حياة المريض، نقل الدم كان حتميا، ليس بالإمكان أفضل من هذا، الآن نراقب المريض بحذر، ونعالج المستجدات فور حدوثها”. أليس هذا ما يسمونه عبور النهر بتلمس الحجارة؟ ولعله هو ما تسميه الكتب بجراحة الحد من الأضرار Damage control surgery. لا أدري.

على الضفة الأخرى من نهر الدماء، في مخيم محاصر، كان هناك حصار آخر مصغر. فبعد القتال بين داعش وجبهة النصرة في نيسان 2016، انتحى مقاتلو الجبهة وعائلاتهم الإقليم الشمالي الغربي من قارة مخيم اليرموك، المعروف أيضا باسم “ساحة الريجة”، وحوصروا مع من تبقى من السكان الأصليين (كذا كانت التقسيمات في ذلك الزمن الجميل).

إذا كان هناك حكومات داخل الحكومات، وأحزاب داخل الأحزاب، ودول داخل الدول، وجيوش داخل الجيوش، فلم لا يكون هناك حصار داخل الحصار؟

أخبرني أن أمه لما يئست من محاولة ثنيه عن الالتحاق بتنظيم الدولة، اكتفت بتوصيته ألا يسفك دما. ويبدو أن هذه الوصية هي ما جعلته يختار العمل مسعفا، ثم جعلته يترك التنظيم كله.

نظر الدواعش إلى أبناء الجبهة بوصفهم مرتدين، ونظر أبناء الجبهة إلى الدواعش بوصفهم خوارج. فانقسم مخيم اليرموك إلى أرض رِدّة وأرض خروج، وكما يكون بين أي أرضين على هذا الكوكب المذهل، كان هناك حدود وحاجز. الحواجز إنجاز معماري فذ في بلد الأمن والأمان، ستصنفها اليونيسكو ذات يوم ضمن الإرث الثقافي للبشرية. أصيبت امرأة في أرض الردة بنزف تناسلي شديد. أبو أحمد، المسؤول الداعشي عن الحاجز، سمح لها بالمرور إلى أرض الخروج لتلقي العلاج. كان أبو أحمد يعرف طبعا أن الحاجز وجد لمنع العبور، فهذه وظيفته التطورية. وكان يعرف أن الأوامر بهذا الخصوص واضحة، بل وبديهية. لكنْ ههنا حالة طبية إنسانية، هو لم يسمح بتسلل مقاتلين مفخخين، بل امرأة مريضة قد تموت بين لحظة ولحظة. جن جنون أبو مجاهد، الرجل الثاني في داعش اليرموك، وأقسم أن يجعل من أبو أحمد عبرة. ويبدو أنه بر بقسمه. ثم أكد: لا يفتح الحاجز حتى لو وصل الدم إلى الركب. ولسبب ما، أحب أن يبرر تصرفه هذا لي. قال: “أنا مثلك دكتور معاوية، أحب الدماء”. أبو مجاهد عميق التفكير والإجرام دون شك، ومن شدة عمقهما خَيَّلا عليه أني أحب الدماء لمجرد أن مجموعة هائلة من المكابرات والتخبيصات جعلتني جرّاحا. أنا لا أحب الدماء، لا مسفوكة على طريقة أبو مجاهد ومعلمِه “الطبيبِ الأول”، ولا مطهوة في أطباق طعام شرقية وأوروبية. أعرف أنهم يعدون من الدم حساء وسجقا وحلوى بودنج، لكن لا يعجبني هذا، ولا أفكر بتناوله. ذوق شخصيّ. أعرف أن الشريعة الإسلامية حرمت تناول الدم، وحرمت أكثر سفكه. الدم الحرام. أعرف شابا كان متطوعا من بين المسعفين مع الدواعش. أخبرني أن أمه لما يئست من محاولة ثنيه عن الالتحاق بتنظيم الدولة، اكتفت بتوصيته ألا يسفك دما. ويبدو أن هذه الوصية هي ما جعلته يختار العمل مسعفا، ثم جعلته يترك التنظيم كله. يذكرني أخي بحديث النبي: لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما. 

أثناء الدراسة الجامعية، أعجبتني كثيرا أمراض الدم. بدا كل شيء منطقيا، مفهوما، وهذه أشياء نادرة في الطب. أعجبتني بوصفها علما، لا أدواء تنهك البشر بطيف يمتد من الأنيميا إلى اللوكيميا. أعجبني أن معرفتنا بأسبابها وإمراضيتها، أتاح ويتيح لنا علاج المرضى وتحسين نوعية حياتهم. ثم أعجبني في الجراحة حرصها على إبقاء المياه تتدفق في أنهارها.

لكن من أُحدّث؟ أبو مجاهد؟ اكتفيت بأن قلت له: أحب الدم الحلال فحسب.

.

اللوحة من تصميم مأمون الملاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى