ذاكرة طبيب

أشبال الخلافة وطلائع البعث

نون شين كاف ريه

نشكر نشكر نشكر هيه

يولَد السوري ومن في حكمه رفيقا طليعيا، ثم يتعرض لغزوات التأسلم أو التمركس أو اللبرلة، فينحرف عن الجادة التي اختطها له الحزب القائد والقائد الحزب، ويخرج مطالبا بإسقاط الطاغوت، أو بالعدالة الاجتماعية، أو ترسيخ حقوق الإنسان. ويصبح من واجب حزب البعث تطهير هذه العقول الغضة مما التاثت به من مفاهيم تعكر صفو العيش الرغيد الذي كنا ننعم به. لذا، وبعد غياب دام سبع سنوات سمان، عادت أجواء “طلائع البعث” من جديد تنشر البهجة والوعي في مدارس الغوطة الشرقية. ففي شهر تشرين الثاني من عام 2018 ــ وما أدراك ما تشرين التصحيح؟ ــ أقيمت حفلات تنسيب طلاب المرحلة الابتدائية في مدارس دوما وسقبا إلى منظمة “طلائع البعث”، وتعلم التلامذة شعارات جديدة عليهم تمجد السيد الرئيس، بعد أن كانوا يشتمونه ويلعنون روحه وروح والده؛ وتشيد بتضحيات الجيش، بعد أن ظنوا مخدوعين أنه هو من أهلك الحرث والنسل. ثم اكتشفوا الحقيقة الجديدة ــ ونحن في بلد تتكاثر فيه الحقائق المتعارضة كما لو أنها تحدرت من سرطانة خصيوية ــ أن كل هذا الدمار الذي حل بهم كان من فعل الإرهابيين.

كان الثابت فيها قولها المتكرر: “الواحد ما بتنفعه إلا شهادته وعلمه” تصوغه بتنويعات مختلفة تُظهر كُنْه هذا “الواحد” الذي تقصده: فهو أنا، وهو الفقير، وهو الفلسطيني، وهو اللاجئ. وإخالني ــ دون حاجة لدراسة إحصائية ــ قادرا على تخمينٍ يقارب اليقين بأن كل الأمهات في اليرموك أو جلهن كن يلقنَّ أبناءهن التعاليم إياها.

ومنذ أن كنتُ بُرعما طليعيا حتى شب عمرو عن الطوق، دأبت أمي على استخدام شتى الوسائل لتشجيعي على الدراسة. كان الثابت فيها قولها المتكرر: “الواحد ما بتنفعه إلا شهادته وعلمه” تصوغه بتنويعات مختلفة تُظهر كُنْه هذا “الواحد” الذي تقصده: فهو أنا، وهو الفقير، وهو الفلسطيني، وهو اللاجئ. وإخالني ــ دون حاجة لدراسة إحصائية ــ قادرا على تخمينٍ يقارب اليقين بأن كل الأمهات في اليرموك أو جلهن كن يلقنَّ أبناءهن التعاليم إياها. لذا لم يفاجئني نشر هيئة الإذاعة البريطانية فيما مضى دراسة تظهر أن معدلات التعليم في مخيم اليرموك هي الأعلى في “الشرق الأوسط”. كان للأونروا وحدها ثمان وعشرون مدرسة في المخيم. ومنذ تلقيه الضربات العسكرية الأولى، طال الدمار ست عشرة مدرسة منها. لا شك عندي في كون الأسلحة التي تمتلكها جيوشنا العربية ــ شراء وودائع ومساعدات ــ  أسلحة في غاية الذكاء، لكنها ترفل في مستنقعات الجهل. وعلى الرغم من حركة النزوح ــ أي التهجير ــ الهائلة التي شهدها المخيم، ظل فيه قرابة ألف وخمسمئة طالب. بدأت منذ مطلع 2013 تظهر بعض المدارس البديلة التي تقوم عليها هيئات وناشطون ومعلمون متطوعون. لا يحتاج أحدنا سيجارة حشيش ليتخيل حال الدراسة في مكان يعاني القصف والجوع والأمراض ونقص الكتب وشح القرطاسية، لكنه مخيم اليرموك بحلوه ومرِّه.

وبمناسبة العام الدراسي الجديد 2016 زف “تنظيم الدولة” بُشراه للمسلمين في مخيم اليرموك عن عزمه إغلاق هذه المدارس البديلة التي تعلّم الشرك وعلوم الطبيعة ومادة التربية الدينية والاختلاط. ومن يريد تعليم أولاده فعند التنظيم مدرستان، واحدة للذكور وثانية للإناث تستخدمان أحدث المناهج التربوية: “لديك اثنتان وأربعون طلقة لسلاح بي كي سي وأمامك سبعة من الكفار (ويظهر الشكل المرفق بهذه المسألة الحسابية أنهم مرتد وصليبي وسلولي وملحد ورافضي وصَحَواتي وجاسوس). المطلوب منك توزيع الطلقات بالتساوي لقنص هؤلاء”. ولم تكن، والحق يقال، كل وسائله ترهيبية أو إرهابية كما يدعي الحاقدون. فقد عرض على المعلمين من أهل المخيم إمكانية العمل مدرسين في مدارسه بصفة مدنيين دون ارتباط مع التنظيم، ومقابل راتب شهري قدره 25 ألف ليرة (لعلها كانت تعادل آنذاك خمسين دولارا)، وبذلك يكسب الجميع دنياهم وآخرتهم.

لم يستسلم المسلمون، كانوا أقل إسلاما من تنظيم يدعي أنه دولتهم. فكان أن امتنع كثيرٌ منهم، بل أكثرهم، عن إلحاق أبنائهم بمدرستَي داعش. صار تسعمئة طالب يعبرون يوميا، جيئة وذهابا، حاجز العروبة للوصول إلى مدارس في البلدات الثلاث. يضطرون يومياً لتحمل إذلال ومزاجية ومواعيد القائمين على الحاجز بشقيه الداعشي واليلداني. منع التنظيم المعلمين المقيمين في المخيم من التدريس في مدارس البلدات الثلاث، واستتابهم، وجعلهم يوقعون تعهدات بذلك. أما الطلاب فكانوا يفتَشون دائما، ويُمنعون من المرور بشكل تام أحياناً، أو تصادر كتبهم وتمزق دفاترهم وحقائبهم المدرسية أحيانا ثانية وثالثة وعاشرة. وكان أن ضاق كثير من الأهالي صدرا بذلك، وكانت موجة نزوح جديدة نحو البلدات لمتابعة تعليم أبنائهم. ​في واقع الأمر، مذ دخل التنظيم المخيم في نيسان 2015 وحتى مفتتح العام الدراسي 2017-2018 في أيلول، غادر قرابة عشرة آلاف من سكان اليرموك منازلهم صوب البلدات.

كثيرا ما أرعبني هذا السؤال، طفلا كنتُ أو بالغا مبلغ الرجال. فهو يفترض أن لديك أحلاما وإرادة، ثم يفترض أن مجتمعك حين يسمع آمالك العريضة تلك سرعان ما يهرع لمساعدتك في تحقيقها. لكنه ثاني سؤالين لا بد أن نسألهما لكل طفل، أولهما: مين بتحب أكتر، ماما ولا بابا؟

زعموا أن الإنسان حيوان ناطق، أي عاقل. وإذا كان أشد ما يستعبد الإنسان هو الخوف، وكان الخوف وليد الجهل ورضيعه الأثير، كان العلم بمعناه الواسع شرطا لتحرر الإنسان وسعادته، أو هذا على الأقل ما يزعمه أبيقور. لكن فعلا، كيف يمكنك أن تسيطر على شعب يعرف حقوقه، يعرف أن هناك بشرا تعيش أفضل مما يعيش، يعرف أن هناك شيئا اسمه حياة، أن هناك فتاة اسمها حرية، ويعرف أنك ــ وإن كنت تسمي نفسك زعيمه المفدى، ومؤسس دولته الحديثة وأجهزة أمنه العصرية ــ مجرد إنسان مثله، كائن فان أناني يمرض ويجوع ويشخ ويضرط ويغلط ويحابي وينحاز ويرتكب الآثام والجرائم ويسرق ثرواته؟ لكن ما علينا، بالمناسبة، ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟

كثيرا ما أرعبني هذا السؤال، طفلا كنتُ أو بالغا مبلغ الرجال. فهو يفترض أن لديك أحلاما وإرادة، ثم يفترض أن مجتمعك حين يسمع آمالك العريضة تلك سرعان ما يهرع لمساعدتك في تحقيقها. لكنه ثاني سؤالين لا بد أن نسألهما لكل طفل، أولهما: مين بتحب أكتر، ماما ولا بابا؟

كان برنامجا من أربعة أيام ذاك الذي أقمناه مرة لأطفال اليرموك علّهم يشعرون بمذاق مخلوق يسميه أهلهم عيد الأضحى. ألعاب، هدايا، أغان، أفلام رسوم متحركة، معرض للوحاتهم التي كان علينا شراؤها في مزاد… أجواء لم تجر في الهواء الطلق الذي كان عالي الخطورة، لكنها حاولت أن ترسم “بسمة عيد” كما سمينا ذلك البرنامج حينها. متبعا تقاليدنا السخيفة وبرامج الأطفال المترجمة، أسأل طفلا ذا خمس سنوات أو ست لم يذهب البؤس بعد باكتناز وجهه وبراءته:

ــ شو بدك تصير لما تكبر؟

فيجيبني من تلقاء لسانه:

ــ جبهة نصرة.

لم تكن دُرجة داعش راجت بعد، وحين فعلتْ، جعلتْ من جبهة النصرة حركة إباحية. كان علي توقع إجابة مثل تلك لو لم أكن مسطولا بما يكفي. ولو لم أكن مسطولا بما يكفي، ما سألت سؤالا مثل ذاك بحجة أن هذا ما وجدنا عليه آباءنا. حين يخبرك أب أن ابنه تعلم العد من واحد إلى عشرة باستخدام رصاصات فارغة، وتعلم كيف يقرأ الوقت عبر ساعة مثبتة على حزمة متفجرات؛ وحين تخبرك أم أنها لا تثق في ابنها الذي يتدرب في معسكر، ويرسم عبوة ناسفة تنفجر بالكفار؛  وحين تأتيك في عيادتك فتاة متزوجة فيمنعك أخوها الذي لم يبلغ الحلم من فحصها لأن “هذا حرام”، وتتذكر أن زوجها الداعشي الذي صحبها في كل المرات السابقة لم يقل لك هذا؛ تظن لأول وهلة أنك لا تزال ذلك المراهق يقرأ في عطلته الصيفية رواية جورج أورويل “1984” التي لم يكن نظام “الأخ الكبير” فيها نظاما إسلاميا أو على منهاج الخلافة.

كثيرا ما أرعبني هذا السؤال، فهو يفترض أن الطفل الذي تسأله سيكبر.

ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟

كثيرا ما أرعبني هذا السؤال، فهو يفترض أن الطفل الذي تسأله سيكبر. أعرف أطفالا لم يكبروا، وأطفالا كبروا قبل الأوان، وأطفالا لم يولدوا، وأطفالا لم يسمعوا “ماما زمانها جايّة”، وأطفالا لا يعرفون آباءهم، وأطفالا لا أسماء لهم، وأطفالا لا قيود مدنية تثبت وجودهم، وأطفالا لم يأخذوا شيئا من لقاحاتهم، وأطفالا يحسبون كل قذيفة عليهم، وأطفالا يهتفون بحياة من أمَاتَهم، وأطفالا يُلقَّنون كل يوم حقيقة تخالف ما قبلها، وأطفالا هم مثل ثمرة رمان أنجبتها شجرة كينا: ومن يساوي بأنف الناقة الذنَبا؟

.

الصورة من تصميم: المأمون محمد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × اثنان =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى