ذاكرة لجوء

مدفن يليق بذكرياتنا

إنها المرة السادسة التي أنقل فيها منزلي خلال ثلاث سنوات ونصف؛ لقد فرضت عليّ ظروف الدراسة والعمل هنا التجوال وراء المشاغل التي تملأ حياتي من ولاية لأخرى؛ ألملم أغراضي بعناية وأوضبها بطريقة تضمن وصولها دون تلف إلى وجهتي؛ بعض الأغراض لها قيمة معنوية كبيرة، كالتذكارات والهدايا والتفاصيل الصغيرة التي تشكل ذروة الفخر في كل منزل نزلته سابقا، حيث أحرص على أن أخصص لها زاوية أنيقة أرتبها فيها فتظهر كلها بطريقة مميزة؛ من بينها مجموعة فريدة تحمل أثقل المعاني والآمال والذكريات العبقة، هذه تحديدا أتحاشى النظر إليها والإطالة أو التفكير بمعانيها، جربت مرة أن أدقق فيها وأسترجع لحظاتها، فاستغرق الأمر مني نصف يوم لأستعيد أجزاء روحي وأعاود الوقوف على قدماي مجددا.

على طريقي أحمل الأشياء القيمة في حقيبتين، وأحاول أن أداريها طوال الرحلة، داخل واحدة منها صندوق من الورق المقوى، فيه باقة ورود حمر ووردة حمراء منفردة ومحبس؛ مسألة انفصالنا لن تحدث أنا على يقين، هو توتر وسيمر كما مر غيره بالصّبر والمراعاة والودّ.

            هناك سعادة تسري ببطء في خلجاتي، ربما هي العودة إلى عنتاب التي اعتبرتها مدينتي الثانية بعد دمشق، عنتاب التي احتضنتني أول وصولي إلى تركيا، وكانت مدخلا لعلاقاتي مع المجتمع هنا، فيها أكبر تجمع للأصدقاء والمعارف الذين صار قسم منهم أخوتي دون فرق، عنتاب كأن أهلي فيها. على طريقي أحمل الأشياء القيمة في حقيبتين، وأحاول أن أداريها طوال الرحلة، داخل واحدة منها صندوق من الورق المقوى، فيه باقة ورود حمر ووردة حمراء منفردة ومحبس؛ مسألة انفصالنا لن تحدث أنا على يقين، هو توتر وسيمر كما مر غيره بالصّبر والمراعاة والودّ.

            بعد تعارفنا وارتباطنا، قررنا أن نقضي أول عيد للحب في منتدى راق أقام حفلة في هذا اليوم؛ فاجئتني وقتها حين اتفقت مع إدارة المقهى وزينت طاولتنا بالشموع والورود، والجدار الملاصق لنا ببوالين من القلوب الحمر، وحتى أنها اتصلت بأفضل مطعم أحبه وأحضرت لي وجبة كبيرة من صنفي المفضل؛ واهتمت بأدق التفاصيل في سهرتنا بلباسها وشعرها وهديتها؛ كنت في هذه السهرة كمن تعرف على مفهوم جديد لم يعرفه سابقا، أو طقس وسلوك أو حتى انكشفت بصيرته عن بعد آخر في الحياة؛ بعد عام صرت في تركيا، اتفقت مع صديقي ووالدتها وودت أن أرد لها الفضل فيما علمتني، رتبنا لسهرتنا عبر الهواتف النقالة حيث وضّبّتْ غرفتها وزينتها لنسهر سويا في هذا اليوم، فدعتها والدتها للغرفة الثانية، وهناك كنا قد هيئنا الجو لمفاجئتها وللاحتفال، وحاولنا أن نحتال على البعد قدر الإمكان وأمضينا سهرتنا سويا؛ قبل السهرة اشتريت باقة من الورود الحمر مع رسالة حب، أهديتها إياها، وضعتها في غرفتي في أعزّ مكان لأعاود إهدائها عندما تأتي إلى هنا.

            ليس أخطر على الحب من البعد، فإن ترافق بجهلنا لذواتنا وأثر المسافة على أرواحنا، تحول الشوق إلى حمل ثقيل لا نعبر عنه إلا بالشجار والحساسية الزائدة، وتصبح المواقف على تعنتنا ذات قوائم ودعائم ليست لها، لنقول للناس أنّا على خلاف وأنّا نكره الطرف الأخر، لأنه لا يهتم بنا، وفي دواخلنا حبٌ كبيرٌ وشوقٌ أكبر يحركنا دون أن ندري أن هذا الطفل الذي يبكي هو الذي يحرك عدوانيتنا كوننا لا نعلم كيف نُسكت جوعه، فنخلق شجارا لا داع له، ونتمسك بموقف دون قوائم؛ لم تعلمنا مجتمعاتنا كيف نحب، بل علمتنا كيف نكره ونعادي، ونأخذ حقنا من عدو، وغالبا ما يكون قريبا مع الأسف، وحين نريد أن نعبر عن حبنا لزميل الدراسة في الإبتدائية، نجد أنفسنا نتشاجر معه، أو نُقَبّل طفلا صغيرا بعنف على خده فيبكي ثم نعنفه ليسكت، ولا نفهم حب الزمالة والصداقة في المراهقة خاليا من مشاعر جنسية، نحن قوم ربطنا الحب بالجنس، والتعبير بالعنف، والعلاقة بالحذر والتخوف، وثقافتنا الاجتماعية حرمت الحب في الخفاء وحللت القتل في العلن؛ إننا قوم نجهل سلوكنا لجهلنا بحاجتنا ومشاعرنا، وإن علمناها لا نعلم كيف نعبر عنها أو نرضيها، ولإن علمنا كيف نعبر ونرضيها، لن نجد المجتمع الذي يمكن له أن يتفهمها، وهو حاضنة الأزمة ومولدها.

            ست مرات وأنا أحرص على ألا يصيب هذه الباقة أي مكروه، رغم أن أوراقها جفت وأصبحت سهلة الكسر؛ وفي عيد رأس السنة، اشتريت وردة حمراء وكلمتها لأهديها لها، لكن شجارا غبيا وتافها حدث بيننا، فأبقيت الوردة بيني وبين نفسي مع الباقة.. تطورت الأمور بيننا حتى وصلت لنضع محابسنا جانبا فترة من الزمن، وطالت الأحداث وتراكمت وبلغت حد طلب الانفصال، ورُفِعَت الدعوى.

            لم يخالجني شكٌ وأنا عائد إلى عنتاب أننا قد ننفصل؛ وتعقدت ظروفي هنا، وظروف ذويي في الداخل، ولم تكن الأخبار تصلني بشكل منتظم وواضح عما يحصل في علاقتنا، شهران وأنا أحاول أن أوازن أموري، وما كنت أخطط له لم يحدث، وكنت أعتقد أن هناك من سيبلغني قبل القرار النهائي، لأتفاجئ بصدور القرار بالفصل نهائيا، رغم أن القاضي وضع شهرا للطعن بالحكم لكني لم أعلم به. 

            حيث بلغني القرار، وكنا لم نتحدث منذ سبعة شهور، سبقتها أشهر من الاضطرابات، أخذت نفسا عميقا، وحاولت جاهدا تمالك كياني؛ تركت الموضوع ينساب من عقلي بهدوء حتى أهون على نفسي. كنت أريد للاوعي أن يمتص الخيبة وأن تخرج ردات الفعل بطريقة لا انفعالية. لطالما نسخت كل الصور من هاتفي إلى كمبيوتري، لذا، حذفت بسرعة كبيرة كل ما يذكرني بها عن هاتفي لأتجنب مواجهة مع الصدمة في غير وقتها. وكنت أعلم أن هناك ثلاث جولات ستكون صعبة.

وفي طاقة شبه منتهية فتحت الصندوق مجددا ووضعت في ذاك المدفن الملكي اللائق لذكرياتنا عبارة “سأشتاق لنفسي معك”  التي كانت كالضربة القاضية في هذه المواجهة بيني وبين الجرح الذي أراد انتزاع قلبي ودفنه في الصندوق اللائق.

            كثيرة هي المشاغل التي مرت منذ شهر على صدور القرار، والتي أبعدتني عن مواجهة الأمر رغم أني لم أنجو من مواجهات غير محسوبة الحساب لكني كنت أتحاشاها وألتف عليها؛ الآن وأخيرا استقريت في منزل، وبدأت أرتب أغراضي وأخرجها من حقائبي، اشتريت لوازمي، جهزت كل شيئ، وبقيت المرحلة الأخيرة؛ في مكتبتي القصيرة الجديدة وضعت كتبي وأوراقي، وأفردت السطح لتذكاراتي،  وبدأت أخرجها بالطقوس المعتادة مذّ كنت في سوريا، وأرتبها بالأناقة والإهتمام ذاته.. أجلت التذكارات التي ستؤلمني قليلا، وصرت أخرجها على مراحل حتى أمتص ثقل اللحظة؛ هناك نصف قلب نصفه الآخر عندها، وعليها حرفينا، هناك فتاة صغيرة تمسك نصف قلب ومكتوب عليه نصف كلمة أحبك، والقسم الآخر صبّي يكمل المشهد موجود لديها، هناك مجسم لدراجة عليها اسمينا، هناك ساعة هدية خطبتنا، هناك ساعتها التي أهدتني إياها، هناك صور صغيرة لاصقة، مفتاح لقلب موجود عندها، غلاف لجهاز ما.. فتحت الصندوق ورتبت الباقة والوردة وأمسكت بالمحبس، ارتديته لآخر مرة، طوال فترة تفقدي لتذكاراتنا، كنت أتمالك نفسي حتى ارتديته، شعرت بغصة ما، وتذكرت يوم اشترينا محابسنا، كانت لحظات سعيدة، وتذكرت أنها لم تُعِّد المحبس مع أغراضي بحجة أنه ضاع، لكني متأكد أنها احتفظت به للتذكار، فلقيمتهما لدينا ما يفوق مفهوم الحرص، ومفهوم الملكية.

            صرت أضع الأغراض في الصندوق واحد تلو الآخر، وأودعها، وبلحظة ما تراءى لي مشهد من يضع التذكارات في قبر شخص عزيز عليه قبل دفنه، راعني المشهد، وتمالكت نفسي حتى أمسكت بقوس للشعر كنت قد تمنيته لأني لم أجده في تركيا، ثم عثرت على ما يشبهه، وعلمت أنها بحثت عنه كثيرا لتجده في دمشق، وأرسلت لي صورته لكنها لم توفق بإرساله إليّ، وقد هزني القوس رغم أنه ليس منها لكني وضعته في الصندوق؛ وعندما أحسست أني انتهيت من هذه التذكارات، قلت في نفسي ستنتهي الجولة الأولى بسلام وتنفست الصعداء، وبُعيد لحظة وبغتةً عثرت على محرمة كَتَبَتْ عليها بخط يدها وتًرّخَت.. كان ذلك قبل أيام من سفري، حدث أن عدت تماما في المشهد الوداعي ذاك، للحظة كتابة الجملة والتي حملت معها موجة من المشاعر صدمتني بشكل لم أستطع معه البقاء على قدمي، فاستلقيت على فراشي وبللت أكمامي وياقتي وأنا أحاول كفكفة كل ما أملك من مخزون في عيناي وأكتم صوتي كي لا ينتبه زميلي في السكن إلى ما يجري، وبعد محاكاة وجدانية عميقة ومؤلمة جدا للماضي، نهضت كمن يخرج من شجار عنيف متعبا محطما ويجر نفسه زاحفا إلى المخرج، وفي طاقة شبه منتهية فتحت الصندوق مجددا ووضعت في ذاك المدفن الملكي اللائق لذكرياتنا عبارة “سأشتاق لنفسي معك”  التي كانت كالضربة القاضية في هذه المواجهة بيني وبين الجرح الذي أراد انتزاع قلبي ودفنه في الصندوق اللائق.

عنتاب 02-04-2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 5 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى