خاطرة

تلاوات لعبور آمن

تراصفت فقرات ظهري وتراصت، وبدأت الحرارة تعتري أكتافي ورأسي ووجهي، وتصلبت رقبتي كعامود من الخشب إن تحرك تكسر.. بعد أن اجتزنا الحاجز العسكري سألتني زميلتي عن شعوري لحظتها.. أخبرتها أن فقرات ظهري القطنية تكاد تنهرس لكثرة ما شدت عليها عضلات ظهري؛ لم يكن الموقف على الحاجز التركي الذي تعرضنا له أثناء رحلتنا بين ولايتين في سيارة أجرة مع زملاء العمل يستدعي التوتر إلى هذه الدرجة! لكن تاريخا طويلا من التنقل خفية عبر حواجز مزرعة الأسد المحلية والمعروفة دوليا باسم سورية يثير ذاكرتي.

عندما أوقفنا الحاجز التركي كان هدف الشرطي الحفاظ على سلامتنا لأننا 6 ركاب في سيارة أجرة؛ وللتأكد من أن السائق لم يأخذ فوق التسعيرة الرسمية، ولينبهه إلى الحمل الزائد! حينها استرجعت صورة العسكري السوري عند حاجز الميدان في العاصمة دمشق، الذي صعد إلى باص النقل الداخلي بالعتاد القتالي الكامل، وشاهد فتاة واقفة وبجوارها شاب جالس، فكان أن عبر عن شهامته وطلب من الشاب النزول من الباص وأجلس الفتاة مكانه، ثم غازلها بكل وقاحة أمام الجميع وسخر من قلة مروءة الشاب، وأهانه بكلام كقذارة أسياده، وبعدها طلب من كل الشباب في الحافلة النزول والجثو على ركبهم قبل أن يعطينا درسا في الأدب ويطلقنا، وغادرنا والفتاة لم تحرك ساكنا بل ولم تجرؤ على النظر تجاه الشاب الذي انهالت عليه الصفعات بمجرد تحرك الباص! وما عدنا نعرف ما حل به، كان كل همنا أن نصل إلى وجهاتنا.

لقنتني زميلتي في العمل آية قرآنية قالت إن تلوتها لن ينتبه الجنود لي عند مروري على الحواجز! في الواقع كنت أتلوا الكثير من الآيات في كل مرة.. وقد أضفتها إليها؛ كان ذلك بعد أن وصلت إلى المنزل في السنة الثانية من الثورة حيث وضعوا حواجز جديدة على مدخل بلدتنا! يومها دخلت المنزل فرن هاتفي وتلقيت الاتصال الأول الذي حذرني أن الحاجز يتحقق من الأسماء على الكمبيوتر ليعرف المطلوبين للدولة، وكنت قد قطعته منذ 5 دقائق فقط! عندها بات الحذر واجبا وصار لا بد من خطط للسلامة. بقيت ليلتها أفكر في الطرق لاجتياز  12 حاجز تفصل بيني وبين عملي!

الأشخاص الذين سيساعدونني، وعدد رنات الهاتف ورموزها، والتوقيت، وحتى الجنود على الحواجز وخطط الهرب إن أمسكوا بي؛ كلها كانت بالحسبان ويجري تحديثها باستمرار، لكن التشديد بات خانقا إلى الحد الذي أعجزني عن الاستمرار في العمل، وصارت الطريق إلى دمشق كمن يجتاز حدودا بين دولتين وحرمني النظام زيارة دمشق التي احتضنتني طيلة 11 عاما. 

وصار عقلنا تلقائيا يوقظنا على الجمل الهامة لندونها ونناقشها، أو نعلق عليها ونستفسر أحيانا، ثم تعود الموسيقى، وملامحنا تتجاوب دون أن يكون هناك شك لمن يحدثنا بأننا منصتون لكل حرف! فنتألم، ونبتسم، ونتعاطف، ونضحك لكن كما يفعل الطيار الآلي في الطائرة دون إدراك حقيقي لما قيل.

ويشاء القدر أن أمنح فرصة للعمل في منطقتي بعيدا عن الفيحاء تحت ستار منظمة يرضى عليها النظام ودون أن تعلم إدارتي بوضعي؛ لأستقر شهورا دون الذهاب إلى دمشق، أملأ أحشائي بقصص الناجين والناجيات على كثرتهم في بلدتي، ليعيثوا في رأسي إلى اليوم كوساوس الخناس؛ هناك تعرفت إلى أشخاص قتلن/وا ألف مرة بالبراميل، وطعن/وا ألف مرة بالحراب، وذبحن/وا ألف مرة بالسكاكين، ولا زلن/ زالوا على ذمة الحياة! بصفتهم “مهجرات/مهجرين”! وجوه بسحنات الجثث، تطوف دون خطوات، تبتسم دون شعور، أقنعة على أجساد ناحلة دون أرواح! منهن/م من حملن/وا شفرات ليضربن/وا أوداجهن/م إن اعتقلوهن/م على الحواجز، منهن/م من خرجن/وا من المعتقلات وبهن/م لوثة عقلية، منهن/م من دُسن/داسوا على جثث أهلهن/م ليهربن/وا من القتل! منهن من تناوب عليها الجلادون اغتصابا، منهم من سفحت كرامته أمام عائلته لأجل رغيف خبز.. أسمع وأقرأ وأرى أخبار كهذه يوميا على كل وسائل الإعلام لكن..! لم يعد هناك خبر يؤثر أو يهز الرأي العالمي، لقد اعتاد الجميع على الأخبار حتى ملوا منها. وكذا صرنا في عملنا بليدي الشعور، نعرف ما هو التالي، نعرف تتمة القصة والتشخيص، ونعرف العلاج، لم نعد نتعاطف، يتكلم الناجون/ الناجيات معنا وكأن هناك موسيقى نستمع إليها تخفي القصة الأساسية وتصبح هي الخلفية لما نرى وكأن صوتهم في نفق بعيد! وصار عقلنا تلقائيا يوقظنا على الجمل الهامة لندونها ونناقشها، أو نعلق عليها ونستفسر أحيانا، ثم تعود الموسيقى، وملامحنا تتجاوب دون أن يكون هناك شك لمن يحدثنا بأننا منصتون لكل حرف! فنتألم، ونبتسم، ونتعاطف، ونضحك لكن كما يفعل الطيار الآلي في الطائرة دون إدراك حقيقي لما قيل. كل تلك القصص اعتدنا عليها لكن نتيجة واحدة بقيت هاجسا يؤرقني بعد عشرات الحكايات التي شاهدتها وسمعتها في عملي؛ وهي “الاعتقال”.

ألبس عتاد العمل الأحمر الكامل وأضع اللوحة التعريفية على صدري، وأتأهب للنزول إلى دمشق مجبرا مع باص زملائي الموظفين! لم يخبرني أحدا أن الحاجز العسكري والأمني المشترك الرهيب على مدخل دمشق قد أوقف موظفي هذه المنظمة سابقا! لذا أحسست بنوع من الاطمئنان وحجزت غرفة في الفندق قبل ليلة واحدة من الدورة التدريبية التي تعتبر أرقى دورة في مجال عملي، ولا يجب أن أفوتها، ولا أن أُشعر الإدارة أن لدي خطب ما يمنعني من العمل وإلا سيفصلونني! وأنا بحاجة العمل تماما كما يحتاجني المستفيدون من عملي. انطلق الباص، وبدا أن الأمور تسري على ما يرام، وقبل الحاجز المذكور صاح السائق بنا: “تفييش!” خاطبت نفسي لن يحدث شيء نحن سنذهب إلى الجانب العسكري!.. لكن الجندي المسؤول عن خط السير العسكري، أمرنا بالتوجه إلى الخط المدني ليتأكد من الموظفين أنهم ليسوا مطلوبون، عندها انعطف السائق بسرعة ودخل إلى خط سير الحافلات التجارية والتموينية، ليعجل بالدور! ودقات قلبي صارت بسرعة دوران عجلات الحافلة! وسالت نقطة عرق باردة من فروة رأسي إلى جوار صدغي واختفت تحت ساعد نظارتي الشمسية قبل أن يلمحها أحد من زملائي؛ بينما كنت أفكر في خطة للهرب في هذا الحاجز أو ربما المعبر الحدودي الذي يفصل سورية دمشق عن سورية الجنوبية! أو ماذا سيصير بي؟ وكل قصص الاعتقالات الرهيبة تستفرغ برأسي الذي دار قليلا بعد أن صاح أحد الجنود بنا بعصبية: “لي جيتوا من هون؟” فأجاب السائق: “معي موظفين وبدي فيشهن ع السريع!.”. ليصيح لجندي أخر: “تاع يا محمود فيشلون ع السريع!!” كانت هذه العبارة كفيلة بقتلي لحظتها، بل يبدو أني مت بعد أن سمعت هذه العبارة وحين أجاب القديس محمود: “شو هدول موظفين!! مشيهن مشيهن!!” شهقت وسحبت الهواء لرئتي وكأني اكتشفت ما هو  التنفس.. 

كان الحاجز على مدخل البلدة لا يقل شراسة عن حاجز دمشق الجنوبي، وقد توالت الاعتقالات عليه، وبعد أن أنهيت التدريب وفي طريق العودة، كان الحاجز المذكور يوقف السيارات والأفراد ويدقق هويات الجميع! فنزلت قبل الحاجز بمئات الأمتار وسرت في الحر والعراء قرابة 11 كيلومترا لأتجنب كل الحواجز التي أعرفها وأصل إلى منزلي، ولم يمهلني الوقت كثيرا من الراحة؛ ففي اليوم التالي اتصلت الشرطة بمنزلي وطلبت من أبي الحضور أو من أخي ليمضوا على بلاغ تسليمي، وحين أجابهم أخي أنه قادم إليهم، كانوا بعد أقل من 5 دقائق أمام الباب ليعتقلوني لكنهم وجدوا أخي ولم يجدوني، ودخلوا المنزل ليبحثوا عني، فبدأت آخذ احتياطاتي في موضوع البقاء في المنزل وصرت لا أتردد كثيرا عليه.. بعد شهر تقريبا كرر المخفر الاتصال وأعقب الاتصال بمداهمة لمنزلي وكأن أحدا أخبرهم بتواجدي في المنزل، وكنت قد هربت من الباب الخلفي بمجرد وصولهم إلى الباب ومن يومها لم أنم في المنزل إلا نادرا، وصار رنين جرس الباب أو الهاتف يسبب لي خفقانا شديدا في القلب وذعرا لم يزل حتى اليوم.

على أطراف دمشق الملتهبة تناثرت مراكز الهلال الأحمر للاستجابة الإنسانية، وفي نقطة تعتبر الأكثر سخونة في ذلك الوقت قررت الإدارة أن علي الذهاب إلى التدريب الميداني في أحد المراكز هناك لمدة يوم كل أسبوع، وصار أن أمضيت الكثير من المغامرات، بين الحواجز وكلها كانت سليمة لأن الحواجز أساسا كانت لا تدقق على المارة؛ وفي طريق العودة آخر يوم كنت بالحافلة مرتديا بدلة العمل وبرفقة إحدى الناشطات التي كانت تعرف بوضعي، وعلى حاجز البلدة بدا أن الحاجز أوقف السير وبدأ حملة تدقيق على المارة، فقالت صديقتي بصوت عال حتى لا يشك أحد بسبب نزولنا من الحافلة: “على هذه الحالة سنتأخر، هلم بنا ننزل ونسير” وبالفعل نزلنا ولكنها سارت باتجاه الحاجز بكل ثقة! “أين تذهبين؟” قلت مستغربا! فقالت: “لا تتردد” وأمسكت يدي وبدأت تتصنع الغنج والدلال والضحك! وصارت رويدا رويدا تسير بنا باتجاه الطرف الآخر للشارع، وطلبت مني فورا أن أدخل إلى محل وأطلب منه كرته للتواصل وأن أتحدث معه وأطيل قليلا، بينما هي وقفت تراقب الجو في الخارج، وبالفعل دخلت ولاحظت أن الجنود يراقبوننا! لكنهم بعد ذلك عندما شاهدوا صاحب المحل يمد لي يده بالكرت، غيروا بأنظارهم تجاه الفتاة التي برفقتي، وحين خرجت أمسكت يدي مجددا وسرنا باتجاه الحارات الفرعية بينما صرف الجنود انتباههم عنا واهتموا بالسيارات التي في الانتظار.

ويومها كنت أحس لأول مرة بهذا الضغط على عامودي الفقري وبتشنج رقبتي والحرارة في أذني ورأسي الذي لم يذهب بسبب التوتر الذي رافق مسيرنا على طول حواجز المربع الأمني في قلب دمشق “كفرسوسة” حيث مقر المخابرات العامة،

العمل الإنساني هو لعب بالنار دون أن تحرق أصابعك! سمعت هذه العبارة في إحدى الدورات التعريفية بالمبادئ العامة للعمل الإنساني؛ وقال لنا الخبير الدولي يومها؛ إنه لن يقترب من النار إلا اثنان، مهووس بالنار ومؤمن بها؛ كذا هو العمل الإنساني، فالمهووس بها ستصيبه بالأذى وسيؤذي الناس بدوره! أما المؤمن بها فسيعرف كيف يتعامل معها دون أن تصيبه بمكروه أو تصيب غيره. حين تواصلت معنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين لتمويل أحد برامجنا، كان علي الذهاب إلى وكرهم الذي يشبه فرعا للأمن! ولم يكن هناك أحد غيري ليفاوضهم لأني عارف بكل تفاصيل البرنامج وجاهز أفضل من أي أحد للإجابة والحوار والإقناع حول أي سؤال يتعلق به. حين اتصلوا بي وتبلغت الموعد؛ أغلقت السماعة وبقيت أفكر في تلك المقولة! هل أنا مهووس أم مؤمن؟.. هم يعرفون اسمي تماما! وإن كان لهم علاقة بالأمن! والأمن غالبا على اطلاع بكل مواعيدهم وتحركاتهم.. إذا سيكون دخولي إلى مقرهم كالانتحار! ومع ذلك صوت من داخلي يقول لي اذهب، ورغم كل التوتر كنت مطمئنا إلى ذهابي. وفي يوم المقابلة لبست بذلة رسمية ووضعت ربطة عنق وأخذت هوية أخي احتياطا، وذهبت برفقة صديقي الذي يعمل في إحدى الدوائر العسكرية ولديه صلاحية للمرور على خطوطها، وعلى الحاجز العسكري طلب الجندي هويتي فأخرجت بطاقة أخي وحين دقق ولم يلاحظ الشبه بيني وبينه طلب أن نذهب إلى غرفة قائد الحاجز، وما كان من صديقي إلا أن تحول إلى الخط المدني وسار بسرعة صاروخية حتى وصل إلى خط التفتيش المدني وأبرز بطاقته العسكرية وبما أنني مرتد لبذلة رسمية مع ربطة عنق أحس المجند بشيء من الهيبة فأمر بمرورنا فورا! ويومها كنت أحس لأول مرة بهذا الضغط على عامودي الفقري وبتشنج رقبتي والحرارة في أذني ورأسي الذي لم يذهب بسبب التوتر الذي رافق مسيرنا على طول حواجز المربع الأمني في قلب دمشق “كفرسوسة” حيث مقر المخابرات العامة، ومقر المفوضية والتي كانت تعج بعناصر الأمن والجيش والشرطة وكلاب الحراسة والكاميرات والحواسيب وعليك إبراز بطاقتك الشخصية الصريحة لكل بوابة أثناء دخولك ولا يمكنك إبراز بطاقة أخرى فالمقابلة على اسمك!! بينهم كنت أتجول بكامل هيبتي، ببذلتي وربطة عنقي والتفاتتي الكاملة بكل وقار، والتي كانت عبارة عن تشنج في الرقبة والظهر لشدة التوتر؛ وجلست وحاورت وناقشت اللجنة ورفضوا طلب التمويل، وبقيت تلك الهيبة ترافقني إلى هذه الأيام كلما تعرضت لموقف مشابه.

مع الأيام تصبح قصص الملاحقات والاختباء والهرب مملة؛ فيحدث بعد منتصف ليل كانوني قارس بساعة ونصف وأثناء انقطاع الكهرباء وهطول الأمطار بغزارة تُغرق الشوارع والطرقات الترابية، أن يرسل لك أحد الأصدقاء رسالة على الواتساب يقول فيها: “هناك حظر تجول ومداهمات لمنازل المطلوبين!” ويختفي هذا الصديق عن الاتصال لساعتين قبل أن يرسل برسالة ثانية يجيب فيها على رسائل هلعك ويقول: “هههههه مزحة!!”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − تسعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى