ذاكرة لجوء

بعوض الإنسانية

            “علينا أن نعلم النسوة مهارات الحياة! كالطبخ والأعمال اليدوية!!” وأردف أحد مريديه مضيفا: “وتربية الأطفال والأعمال المنزلية..” وفي الوقت الذي فتحت فاهي منشدها لهول الكلام الذي تفوه به مديري وتابعه! كانت بقية جموع الموظفين تهز برأسها متحمسة لتلك الخطبة العصماء! في يوم مفتوح لترفيه الموظفين في احدى حدائق تركيا الغناء.. بينما أدندن بيني وبين نفسي طقطوقة زياد الرحباني “أنا والله فكري هنيك! يعني وهني أهلـ… بلدي فيك..”.

            قبلها بشهور كنت مع ثلة من أبناء الحياة في قلب معاقل النظام نعمل تحت ستار المنظمات المرضي عليها! لنساعد الأطفال وذوي الإعاقة ممن تخلت عنهم المنظمات اللاإنسانية؛ ونقدم خدمة تطوعية لا تقل جودتها عن جودة أي منظمة على وجه الأرض؛ وبدون مقابل! ولا نسمح لمتطوع مهما بلغت كفاءته من التواصل مع طفل واحد من أطفال مراكزنا خلال الأنشطة، قبل اكمال حزمة من التدريبات التي قدمتها نخبة من اختصاصيي ذاك المجتمع.

            عندما افتتحنا المركز الثاني للأطفال كنا نشحت من المنظمات شوادر لننشئ غرف الأنشطة! ولكنهم رفضوا لأسباب شخصية وغير شخصية لها علاقة بالكلام الفارغ حول أحقيتنا كمركز صديق للطفولة بهذه الشوادر التي خصصتها مفوضية اللاجئين لمثل حالاتنا، و”لأسباب شخصية!” تعود لوقوفي في وجه فساد المنظمات متمثلة بالعلقات التي تستلم إداراتها. وقفنا وحدنا بدعم من آمن بنا من أبناء ذاك المجتمع وبدعم أصدقائنا وأقربائنا أمام محاربة كل من ادعى الإنسانية من أبناء المنظمات والمجتمع وأصدقائنا وأقربائنا! وفرت لنا احدى الصديقات ما نريده على اسمها الشخصي؛ وافتتحنا مركزا من الخيم لنتابع به أطفالنا؛ ووقفنا بكل فخر بمخيمنا أمام جموع المدعوين إلى الافتتاح رغم أننا كنا نستجدي المعونة، ونعاني النقص في كل شيء.

يومها علمت أين كانت تذهب كل تلك التمويلات الضخمة التي رصدتها المنظمات والاتحادات والدول لإغاثة سورية، عندما صدعت رؤوسنا دول العالم الحرّ التي تدعم الأطراف المتصارعة بالسلاح والمنظمات الإنسانية بالمواد الإغاثية!

            في مكتب منظمة ما بتركيا أفرك عيناي بيدي وأنا أنظر إلى موازنة مشروع تجاوزت ميزانيته ربع مليون دولار يهدف لتقديم عشرات الأنشطة بكلفة 100 دولار للنشاط وبرواتب موظفين بلغت آلاف الدولارات. يومها علمت أين كانت تذهب كل تلك التمويلات الضخمة التي رصدتها المنظمات والاتحادات والدول لإغاثة سورية، عندما صدعت رؤوسنا دول العالم الحرّ التي تدعم الأطراف المتصارعة بالسلاح والمنظمات الإنسانية بالمواد الإغاثية! ويعتاش موظفوها من رواتب خصصت استجابة لنداء دمائنا ومصائبنا. مئات ألوف الدولارات وعشرات الموظفين والإيجارات لإقامة أنشطة لا تتجاوز قيمتها 10 آلاف دولار! ومتطوع ذاك المركز/المخيم كان يوفر باليوم الواحد على المهجرين واللاجئين عشرات آلاف الليرات السورية في جلسة التأهيل للإعاقة الواحدة المجانية! ودون أن يأخذ أبناء المركز ليرة واحدة لقاء عملهم.

            في مقالة أكاديمية ما كتبت في العام الأخير من القرن الماضي، مررها لنا بروفسور مختص في السياسات الاجتماعية، جادل كاتباها أن أزمة المنظمات الإنسانية لا تفي بالاحتياجات الحقيقية للمجتمعات التي تدعي أنها تهتم بها! ويقولان إن تلك المنظمات تخطئ وربما عن قصد في تلبية تلك الاحتياجات من خلال تبني الطرق الخاطئة في رصد وتقييم الاحتياجات حتى لا تنتهي الأزمات التي تبرر بقاءهم وبالتالي تبرر استمرار وظائفهم ومعاشاتهم الخرافية.. بعد عشرين عام لا نزال في ذات الخراء.

            عندما أتممت تدريب مهارات الحياة بداية العشرية الثانية من هذا القرن التعيس، تغيرت نظرتي للحياة والعلاقات الاجتماعية تماما؛ صرت أرى المحيط من خلال مهاراتي على الحياة وأرى علاقات الناس من خلال مهاراتهم! وفي ذاك اليوم التاريخي حيث وقف مديري ولاعق حذائه يخطبان بنا كنت أغير نظرتي بكل مهارات الحياة التي اعتنقتها؛ إن التسويق اليوم هو الحياة! فأنت تستطيع أن تسوق لنفسك على أنك عسل وتقنع الزبائن بأنك كذلك حتى لو كنت بقايا عشاء البارحة في مرحاض الصباح.

راتب واحد تبقي فيه مركزا وحيدا يقدم مجانا خدمات التأهيل للأطفال المعوقين والأميين لستة شهور ومع 20 موظف براتب لا بأس به، رغم أن خدماتهم تفوق بأهميتها تاريخ أولئك الجحافل من البعوض الذي يمص دماءنا تحت مسمى الإنسانية.

            ذلك المتحذلق لم يكن على الخبرة بشيء حول ما يمكن أن يكون عليه العمل الإنساني، حين تعلم أن إحدى الجهات تبرعت لك بمبلغ لتستطيع أن تكمل عملك وتبقي المركز مفتوحا لبضعة شهور؛ ولكن الوسيط الذي سيحضر النقود اعتقل وهو في طريقه إلى المركز! ولا تعلم ماذا سيترتب على هذا الاعتقال وأن 40 متطوعا قد يلاقون ذات المصير؛ حين لا يهنأ لك نوم لشهرين وأنت في بلد وذووك في بلد آخر تحت حراب الجلادين؛ حين يؤنبك ضميرك كل ليلة على أنك صرت هنا وهم لا يزالون هناك. حين تغامر بحياتك بكل ما تعنيه الكلمة لتستطيع تأمين مبلغ لا يتعدى راتب موظف في UN لشهر واحد! يريح مؤخرته السمينة على كرسي مدولبة وراء طاولة تفصله عن واقعنا وكمبيوتر يعتبره المنبر الذي يطالعنا من خلاله بأرقامه وإبداعاته وربما قلقه.. راتب واحد تبقي فيه مركزا وحيدا يقدم مجانا خدمات التأهيل للأطفال المعوقين والأميين لستة شهور ومع 20 موظف براتب لا بأس به، رغم أن خدماتهم تفوق بأهميتها تاريخ أولئك الجحافل من البعوض الذي يمص دماءنا تحت مسمى الإنسانية.

            قبل دورات لبنان كان لدينا نشطاء مجتمع مدني؛ بعد دورات لبنان صار لدينا نشطاء مجتمع مدني درجة أولى! بعد دورات تركيا، صار النشطاء يتحدثوا باسم الدول والقانون الدولي ونسوا أبناء المجتمع المحلي الثائر! وباتت الأجندات السياسية والأيديولوجية والدينية “على عينك يا تاجر”؛ وياللي متلنا تعوا لعنا.. لا تتفاجئ حين تصل تركيا أن تجد مكاتبا فارهة تدعم مراكز في الداخل السوري بالخفاء وتعطي مرتبات لـ”متطوعين” وتستثني آخرين منها! فقط لأنهم ليسوا ضمن الأجندة السياسية أو الدينية ذاتها ودون دراية ممن لا يصلهم أي دولار!

            يصبح الدعم النفسي الاجتماعي والعنف القائم على النوع الاجتماعي وحماية الطفل والأبحاث الاجتماعية عمل من لا عمل له! ويصبح أبناء الاختصاص محاربين! تسمع من إحدى المديرات على مشاريع اختصاصية جملة “إنت عم تحكيني بعلم الفلك” حين تناقشها بمجال عمل المشروع الذي تشرف هي عليه! وقتها سترى أن أبناء المناطق الواحدة يتسترون على بعضهم في المنظمات إن تحرش موظف ما بإحدى المستفيدات! إيمانا منه بالعمل الإنساني داخل المنطقة/ العشيرة/ الطائفة / الحزب/ الدين.. وليس الوطن.. ولا تستغرب أن يكون المشرف الاختصاصي قادم من اختصاص آخر؛ ولا أن يقول لك مدير في مشروع للصحة العقلية يوما ما بسخرية واستهزاء أمام باقي “الاختصاصين – دون أن يكون أيا منهم كذلك”: “رجاع لعند المعالج النفسي تبعك!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − تسعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى