رسائل

حكاية لم تنتهِ

«لم تَشِخِ الأرض بعد…

في حكمتها الكامنة تجارب آلاف آلاف السنين، وترابها الحاضن ملايين ملايين العظام والأجساد لمّا يزل يفوح بذواكر لا تنتهي، لإنسان حضارة بذرة القمح الأولى والعنقود الأول لدالية العشق، منذ اختراع الحرف الأول والمحراث الأول والفأس الأولى والبئر الأولى.

على مشارف “أوغاريت” و”رأس شمرة”، رَسَمَ المسمار- قبل وجوده- الحرف الأول، ثم صار يُثَبّتُ الأشياء، فتثبّتت حدائق “بابل” شامخة بين الغمام، وحفظت توابيت “دلمون” و”إيبلا” نقوشها، وشمخت أهرامات النيل يحرسها “أبو الهول” ويروّض النهر العظيم.. لتتوالى حضارات الشام وبين النهرين والنيل الخالد، تقول للوجود: من هنا انطلق تاريخك الأبهى صاعداً، ومن هنا صعدت موجات مجدك مدارج الخلق والإبداع…

ما الذي غيّر النفوس يا صديقي فأمسى الأمان بين الإخوة ضربٌ من الخيال؟ كيف نسي إنساننا حضارة سبعة آلاف عام قبل الميلاد، وعاد وحشاً يقتل بدمٍ بارد، ويبطش ويغتصب وينهب ويبتزّ وووو، دون وازع من أخلاق أو رادع من ضمير؟ كيف أضحت اللقمة تتشهّى قمحها الطري، والمخلوق يركض خلف الرغيف، والخالق فقد السمع والبصر والفؤاد؟»

“طلعت” ، صديقي الطرطوسيّ الشاعر المرهف، ابن “الدريكيش” الباسقة:

«دريكيش يا أرجوحة الدنيا          يا بسمةً صيغت لكلّ فمِ

“فينوس” من مهد الثرى انبعثت     وسَمتْ تمسّ النجم باللممِ

في القمّة الشمّاء طلعتها            تسمو، وتقفو النهر بالقدمِ»

رسالته الأولى هذه حرّكت في خافقي ما لم ينقطع تجريحه منذ سنوات الثورة الأولى، وازداد ولوعاً في سنوات غربتي الطويلة. وصلتني منه على “الواتس أب”، بعد انقطاعٍ ليس بالقليل. أعادتني إلى أسئلةٍ كثيرة خبلت لبّي، ولم تستطع كُتُبُ علم النفس، على كثرتها، الإجابة عليها، فأورى زند العقل والقلب لأجيب- دون إجابةٍ- عمّا لم أكن قد أعددته قبلاً:

رسالة جواب..

«آدم- يا صديقي- ترك في غوطتي “دمشق” جنة الله على الأرض، وقابيل ترك في مغارة الدم، دم أخيه هابيل ليدفنه في قمّة عليّة قرب الزبداني.. إبراهيم الخليل ترك في “حلب” شهباءه تحلب وتطعم كل محتاج وفقير، تماماً كما فعلت نواعير العاصي الشامخة تسقي فتمرع الهضاب والوهاد.. لم يُغرّب التاريخ إلا حين قطعت “الزباء” كراء البنائين، بعد أن استقدمت أشهر رجال الفكر إلى عاصمتها؛ الفيلسوف الأفلاطونيّ “كاسيوس ديونيسيوس لوجينيوس”، المؤرخ “كليكراتس الصوري”، اللغويّ الفيلسوف البيروتي “لوبوكوس”، المؤرخ الدمشقي “بوسانياس”، الفيلسوف الضليع بالإغريقية “نيوكوماخس”….

كم من المجلدات نحتاج لتفنيد مآثر تسعة آلاف عام من الحضارة، في بلاد الرافدين، في بلاد النيل، في اليمن وحضرموت.. أما بلاد الشام، ألم يكفِ ما قاله فيها المؤرخ والمنقب الأثري عالم المسماريات الفرنسي “شارل فيرلو” بعد أن فكّ رموز رُقُم أوغاريت: “لكل إنسان وطنان.. وطنه الأم وسورية”.. عبارة ما فتئ السوريون يتباهون بها؟

الفينيقيون وصلوا الشرق بالغرب حضارةً، سبقتهم “أوروبا” و”صيدون” ليُضفوا على العالم لمسة الشرق المولِّد.. “عشتار” رسمت خيوط البقاء والتجدّد، وتموز لم يمُت حتى أمرعت الدنيا خصباً.. أما “القدس” و”بيت لحم” و”عكا”، مهد الديانات وصوت المآذن والأجراس، فبقاؤها منارة ما دامت الحياة.

هي جذور إنساننا الحامل لحضارة ممتدّة عبر القرون، وإن غربت عنها الشمس، فلا بد أن ينفض الرماد ويخرج يوماً مثل عنقاء الأسطورة».

رسالةٌ ثانية..

«الأفق المسدود الذي وصلنا إليه، غراب بينٍ بجناحين أسودين.. النفوس أخرجت أثقالها من أعمق بئر الخراب، وكأنها طَمَرت على الخلُق التراب، ولو قال الإنسان: ما لها؟ لحال على العالِم الجواب، والحال أضحى من غدرٍ إلى غلاءٍ إلى عذاب. آثار الخالدين من “بصرى” إلى “عين ديوار” إلى “المدن المنسية” أضحت يباباً، جعلها زبانية السلطة نهباً وخراباً. نفط البلاد ساح فوق مروجها، وسمّم ورودها بأريجها، ناهيك عن دمار البلاد وخراب نفوس العباد، وما زالت فوق الرقاب مقصلة الجلّاد…

كيف بُليت بلادنا بهذا البلاء، كأن لم تكن يوماً نبع الحضارة والعطاء؟ كيف تجرّد إنساننا من القيم، بعد أن أهدى المحبة والإنسانية للأمم؟ وكيف غابت معظم النخب والقمم؟».

رسالة جواب:

«تنقطع الأوتار، فتعزف الجوقة لحناً جنائزيّاً.. وتدوّي الطبول الفارغة، رغم الأشجار السامقة الضاربة جذورها في الأعماق.. تصفر الأوراق وتتساقط في خريفنا الراهن والاحتطاب أتى على الباقي كأن لم يكن إنسان ما قبل البترول يحتطب.. إنساننا منح الحياة ثلاثة أقانيم رسمت معالم الخُطا: المحبة الأخلاق الحرف: علّم الحياة كيف تنضج بعطر المحبة، حتى أمست المحبة دين “عشتار” و”تموز”، وأمسى “جلجامش” يبحث عن الخلود فيجده بالمحبة، فأضحت المحبةُ الجذورَ.. وجاءت الأخلاق وفاءً للحب والتجدّد وإخلاصاً للطبيعة وصدقاً في كل ما يرسم معالم السعادة؛ وكلتاهما- المحبة والأخلاق- نثرتا الفرح نوراً عمّ الأرجاء وظلّاً يفيء إليه كلّ من طلب النقاء.. أما الحرف فحدّث ولا حرج، نَبَعَ من المحبة بهدف التواصل فسارت سواقيه تصنع وجوداً للوجود، وترك ظلّاً لكل يومٍ وأسبوعٍ وشهرٍ وعامٍ، راسماً قوس قزح فوق أفق الآتي لتطير العصافير مزقزقةً.

حين تدور العجلات تطحن الأوراق والأغصان والسيقان، لكنها لن تنال من الجذور.. ونحن أوراقٌ وأغصانٌ وسيقان، أما الجذور فستصنع غيرنا بعد أن داستنا البساطير وطحنتنا العجلات، سينتهي خريفنا ويبدأ شتاؤنا، وهيهات هيهات إلى أن يأتيَ الربيع فنزهر.

تقول: بلاء؟؟

لا.. ليس بلاءً، لكنْ رياح الاستهلاك وعبق البارود وشبح الفساد…. العجلات التي عجّلت مسافة الزمن وقصّرت زمن المسافات، قتلت أوراق المحبة وبترت أغصانها وأحرقت سيقانها، ودفنت الأخلاق إلى جانب الجذور وسوف تزهر معها في الربيع المقبل، وحرفت الحرف وسواقيه فغاب قوس قزح وماتت العصافير واختلّت موازين الوجود».

لا أعلم إن وصلتك رسالتي وها أنا ذا أنتظر منذ سنوات. لعل خفر البلاد قيّدوها وساقوها إلى أقبية التعذيب والقتل. أنتظر مقاييس الحاضر لديك ومفاهيم الانبعاث يوماً. وأنتظر عطر أفكارك دون عبق البارود الواصل إلى عروس الجبل الباسقة، ليس كثيراً علينا عمقك الفلسفي كعمق بحر “طرطوس” الجميل. آمل أن تبقى دون قيودهم ومعتقلات الموت لديهم، وأنت الحر الثوري بأفكارك التي هُجرنا بمثيلها، والتي أخشى عليك منها بين أنياب الضباع ورائحتها النتنة العابقة في سراديبهم وأقبيتهم ومتاريسهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة − اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى