ذاكرة مكان

مدينة تطفو على الجثث

بعد ذلك اليوم تحول كل شيء، لقد خسرت البرود الذي كان يدمغني به كل من عرفني، لقد خسرته ولكني لم أكتسب عكسه أو أي صفة أخرى، باختصار أشعر بأنني تحولت لشبح مرئي يمشي دون كلام ودون أي رد فعل على أي شيء، لقد فقدت السيطرة على انفعالاتي وعلى جملتي العصبية بردود أفعالها كلها..

الجثث المتراصة قرب بعضها البعض، تطفو في مخيلتي كل صباح، كتلك الجثث التي كانت تطفو على النهر في ذلك اليوم الشتوي. 

لم يكن قد مضى على استئجاري لهذا المنزل سوى سنة واحدة حينما اندلعت الاحتجاجات المعارضة لنظام الحكم في سوريا وللأمانة فقد كنت حياديا بطريقة أو أخرى تجاه هذه الاحتجاجات المتصاعدة. 

كنت أسمع من أصدقائي الغاضبين من طريقة إدارة البلاد حججهم وأعجب باندفاعهم وبأحلامهم ولكن لشيء ما لم أكن أمتلك التفاؤل الذي كانوا يعيشون فيه، في الحقيقة ربما كانت التربية العائلية الصارمة التي كان والداي يمارسانها داخل المنزل هي السبب في ذلك، وفي الوقت نفسه كنت أسمع حجج أعمامي المعارضين لهذا الحراك من بدايته ولم أكن أقتنع به.

كان أحد أعمامي يحتج دائما بالتطور الحضاري الذي وصلته سوريا والذي لم تصل إليه أي من الدول العربية المجاورة حتى أنه قد وصل الأمر به في أحد النقاشات الصاخبة بالقول بأن معظم البلدان الأوروبية تطمح للوصول لمستوى الأمان الاجتماعي الذي نعيش فيه.

عمي هذا كان مختار إحدى القرى الملاصقة لمدينة دير الزور حيث كانت تسكن عائلتي كان يرفض فكرة أن الجسر المعلق في المدينة مبني قبل عصر الحركة التصحيحية، ولكن كل هذا النقاش كان يجري بعيدا عني.

في الحقيقة، باستثناء الاهتمام بعصافير الكناري التي كان يضمها منزلنا في حي الحويقة والتي جلبت معي زوج منها إلى حلب حيث بدأت بدراسة الهندسة لم يكن يشغل اهتمامي أي شيء آخر.

كان بيتي المستأجر قبل سنة في بناء مرتفع يقع في حي الأنصاري المجاور لبستان القصر مكونا من غرفة كبيرة تطل على الشارع حيث تظهر من بعيد مئذنة مسجد قباء، ذلك المسجد الذي كانت تبدأ قربه المظاهرات التي أعلنت عن وجه آخر ارتدته هذه المدينة، وجه تلون بالحزن حتى الأبد.

في ذلك اليوم خرجت مبكرا نحو الجامعة، كان الامتحان الأخير في ذلك الفصل الدراسي، دخلت قاعة الامتحانات دون الحديث مع أي من أصدقائي وخرجت أفكر في الأجوبة التي كتبتها.

كان الطريق للوصول إلى هناك ساعة تقريبا من المشي على الأقدام، لم نتكلم أي شيء خلال الطريق، كان يمشي بسرعة أكثر مني أحيانا وكنت أسبق أحيانا، لم أفكر بأي شيء تركت لنفسي حرية الخيال عن معنى وجود جثث تطفو على نهر في مدينة وادعة تسمى مدينة حلب.

لم أنتبه لما كان يدور حولي من همهمات، وحين حاولت الاستفسار من صديقي سعيد الساكن في حي بستان القصر عن إجاباته في الامتحان، صرخ بوجهي شاتما الجامعة والامتحانات ولا مبالاتي.

لقد كان يخفي دموعا لكنها غالبته ليحاول أصدقاء آخرون إبعاده داخل الحمامات، ومن ثم علمت بالأخبار التي تقول بحصول شيء يخص جثثا تطفو في نهر قويق الذي يمر من بستان القصر، عاد سعيد من الحمام والماء يقطر من جبهته وكان صوته أكثر ثباتا وهدوءا هذه المرة.

سأعود للبيت، لا معنى لبقائي هنا قال سعيد وهو يبتعد خارجا.

لحقته صامتا وبقي هو صامتا لم يسألني شيئا ولم أطلب منه شيئا.

كان الطريق للوصول إلى هناك ساعة تقريبا من المشي على الأقدام، لم نتكلم أي شيء خلال الطريق، كان يمشي بسرعة أكثر مني أحيانا وكنت أسبق أحيانا، لم أفكر بأي شيء تركت لنفسي حرية الخيال عن معنى وجود جثث تطفو على نهر في مدينة وادعة تسمى مدينة حلب.

وادعة لدرجة أن والدي كان مطمئنا أن الحالة الأمنية هناك ستظل الأهدأ مقارنة ببقية المدن السورية.

خطر ببالي في هذه اللحظة الاتصال بأبي شامتا، تذكرت عصافيري في البيت حيث كنت أفكر بوضعهم لدى سعيد عند عودتي لدير الزور حتى بداية الفصل الدراسي الجديد.

في الحقيقة كنت أحاول الهروب من تخيل ما سأراه بعد قليل والذي سيلازمني كابوسا لم أدر وقتها ما سيصنع بي.

وصلت للشارع المقابل للملعب البلدي عندما اكتشفت أنني لم أجد سعيد أمامي أو خلفي، لقد ضعنا عن  بعض في زحمة الأفكار هذه.

لم آبه وتابعت طريقي نحو بستان القصر ودخلته من حاجز المشارقة الذي لم يكن مزدحما على غير عادته، أو ربما كان مزدحما لكن العناصر الأمنية المتواجدة عليه لم تكن تعيق حركة الداخلين والخارجين هذه المرة !

كان البشر جميعا يتوجهون هناك نحو جسر السنديانة كما كان يطلق عليه. 

كان منسوب الماء مرتفعا على  غير عادته، كان عقلي يرفض فكرة أنني سوف أرى جثثا للمرة الأولى في حياتي. 

جثثا وليست جثة واحدة ! 

عقلي حتى الآن يرفض التصديق، حتما هناك خطأ ما، اقتربت من الماء أكثر متجاوزا البشر المتجمعين هناك، لم أبحث عن سعيد، كنت أحاول الابتعاد عن الناس كي لا يروا ملامح الخوف التي تقول أمي أنها تظهر على وجهي بطريقة غير رجولية.

لك صارو تلاتين ….. صاروا خمسين… لك يا الله ما لنا غيرك يا الله…

كان النهر هادئا و من بعيد هناك بشر يمدون قصبا نحو الماء، وبعضهم الآخر يخوض في الماء حتى وسطه، كانوا يخرجون الجثث من النهر ويضعونها بالقرب من بعضها على ضفة النهر فيما بعضهم كان يحصي ويصرخ:

لك صارو تلاتين ….. صاروا خمسين… لك يا الله ما لنا غيرك يا الله…

حاول آخرون الوصول أبعد في النهر لانتشال جثث تطفو من بعيد، لكن رصاص القناص المتمركز في مبنى الإذاعة كان يحاول قنص الأحياء وربما كان يتسلى بقنص الجثث السابحة في مجرى النهر.

لقد كان الهواء بطعم الموت في ذلك اليوم.

شاحنات صغيرة بثلاثة عجلات مع عربات الخضار تكفلت بنقل الجثث من ضفة النهر نحو مدرسة اليرموك القريبة من المكان.

وهناك في باحة المدرسة حيث أخذتني قدماي دون إرادة مني كانت الجثث مكدسة قرب بعضها، معظمها مكبلة اليدين نحو الخلف بحزام بلاستيكي وآثار رصاصة حفرت عميقا في الرأس، معظم الجثث كانت لرجال أعمارهم تتراوح بين العشرين والخمسين مع جثث لبعض النساء والأطفال. 

لم يطل الأمر طويلا حتى بدأت الأهالي تصل المكان بحثا عن أبنائها. 

كانت امرأة عمرها يناهز الستين عاما مغطاة الوجه تماما وقد رفعت غطاء وجهها وهي تسير بين الجثث بخطى ثابتة، تميل نحو الأرض كل قليل وتتأمل جثة.

لقد كانت تبحث عن ابنها بين الجثث لكنها لم تجده. 

في الوقت نفسه كان رجل يبكي وهو يضم جثة يحملها ويضعها قرب جثة أخرى ثم يضمهما معا، لقد كان يبكي ولديه الاثنين الذين اختفيا على حاجز المشارقة قبل أسبوع.

كان هناك بشر كثيرون يقلبون جثثا مشوهة المعالم بحثا عن أخ أو ابن أو صديق.

كان الحقد يملأ قلبي بطريقة لم أعرفها من قبل، شيء ما تغير فيّ للأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى