ذاكرة طبيب

عصر اثنين أحمر

دخل التلفاز لأول مرة غرفة الأطباء المقيمين في مشفى الكُلْية الجراحي في الثلاثين من آذار عام 2011. وكان الحدث جللا، وكان دافعه أجلّ: فالسيد الرئيس سيلقي كلمة يطمئن بها الشعب، ويجلي له حقيقة التطورات الحديثة. وكانت التطورات الحديثة تعني بطبيعة الحال شغباً أثاره بدايةً مندسون في درعا والحريقة والحميدية وأمام السفارة الليبية، ثم توجوه بجمعة عزة في الخامس والعشرين من الشهر ذاته. شغب جعلَنا نحن المواطنين الصالحين نسأل أنفسنا ذاك السؤال المحرَّم: أهي الثورة؟ 

الغرفة الصغيرة البائسة التي لا يصلح حجمها لسجين سياسي يريد بعض الخصوصية أثناء تبرّزه، اكتظت بكل من يرتدي ثوبا أبيض. لأول مرة أشعر، وأنا الطبيب المقيم عامذاك، باتحاد حقيقي يجمعني مع المتخصصين والممرضات وفنّيّي التخدير. توقفت الحياة، وتُرك المرضى كالعِشار المعطَّلة، فصحّة البلد مقدمة على صحة قاطنيها، وإظهار ولائك أهم من إبراز كفايتك. وكانت البهجة عارمة: ها أخيرا من سيضع النقاط على الحروف، ويُحْكم المتشابه، ويرد التأويل.

وكان الخطاب ــ كعادته ــ فعالا: صرنا ننظر في وجوه بعضنا، بحثا عن كل خائن لوطنه لا أخلاق له ولا دين، وعن كل من يعرف مشاركا في المظاهرات ولا يكتب فيه تقريرا.

وكان الخطاب ــ كعادته ــ بديعا، تستطيع تلمس ذلك من الروحانية التي استولت على المستمعين كما لو كانوا في جلسة ذكر صوفية. وكان الخطاب ــ كعادته ــ  واضحا وقاطعا: “ما يحدث فتنة يجب وأدها، والفتنة أشد من القتل كما أخبرنا القرآن الكريم، ووأدها هذا واجب وطني وأخلاقي وشرعي، وكل من يستطيع أن يسهم في وأدها ولا يفعل فهو جزء منها، لا مكان لمن يقف في الوسط”. وكان الخطاب ــ كعادته ــ فعالا: صرنا ننظر في وجوه بعضنا، بحثا عن كل خائن لوطنه لا أخلاق له ولا دين، وعن كل من يعرف مشاركا في المظاهرات ولا يكتب فيه تقريرا. ثم أتى نيسان ربيعيا بحق، فكان اعتصام “ساحة الساعة” في حمص، وكانت “الجمعة العظيمة”، واندلعت مظاهرات حاشدة في دمشق ودوما وبانياس وحماة ودير الزور وإدلب. كان دخول التلفاز إذن أول إنجازات الثورة، لكنه لم يكن آخرها. اختلى بي صديق طبيب آنذاك وأسمعني تسجيلا للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي يرجع إلى مختتم عام 2010. يقطع الشيخ درسا كان يفترض أن يتحدث فيه عن قضية معاصرة تتعلق بالاضطهاد الذي مارسه الخليفة المأمون ــ ومن خلفه المعتزلة ــ على الحنابلة وأهل السنة في مسألة خلق القرآن. ثم يقول إنه استخار الله بشأن الحديث عن نازلة ألمّتْ بنا في ذلك العام، ويقصد بالنازلة شح الأمطار ــ وهل عندنا نوازل سواها؟ ــ كان الشيخ غاضبا وهو يتحدث عن أسباب هذه العقوبة الإلهية، ويضع ثلاثة شروط لا بد منها إن أردنا أن يُستجاب لصلاة استسقائنا. وإلا فإن الأمر لن يقتصر على شح المطر، والآتي أدهى وأمرّ، ثم إن “رؤيا” أكدتْ له ذلك.

ما كان عندي وأنا أصغي لصوته أدنى شك في شدة غضبه وألمه، لكن أهذان هما ــ وفق مصطلحات الطب ــ التشخيص والعلاج؟ ثم آه لو أن النظام استجاب مبكرا لطلبات العلامة البوطي! فأغلق كازينو دمشق، واستتاب مخرج وممثلي مسلسل “ما ملكت أيمانكم”، ودعا إلى صلاة استسقاء وفق “المأثور عن المصطفى”، وأعاد المعلمات المنقَّبات إلى مدارسهن، لكان جنّب أرض الأمويين الخراب الذي سيحل بها، ولكان “الرخاء قد عاد”. وللإنصاف، قام النظام بعد أشهر بكثير من هذه التغييرات الراديكالية، بالضبط في نيسان الربيعي حين كنت أسمع التسجيل، لكن الأوان كان قد فات، ولم يعد الرخاء.

في تلك الشهور كانت عندي عادة غريبة في العودة من المشفى الواقع في حي ركن الدين سيرا على الأقدام متوجها صوب مخيم اليرموك، وحين وصولي مستهل شارع الثلاثين أتسلح بعبوة من مشروب طاقة، ثم أتابع سيرا لا تنغصه مفاجآت. لكن السادس من حزيران من العام نفسه، عام 2011، كان مختلفا. الوقت عصر، أعود من مناوبة الاثنتين والثلاثين ساعة، وأستطيع سماع إطلاق نار ورؤيةَ دخان آتيين من نهاية شارع الثلاثين حيث ينعطف ليصب في نهره الأم، شارع اليرموك. في منتصف ذلك المنعطف الجغرافي، يقع “مبنى الخالصة” التابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ القيادة العامة، أو “جماعة جبريل” في اسمٍ أوجز وأدق. 

سأعرف لاحقا ما حدث، ففي اليوم السابق توجه آلاف الشبان الفلسطينيين والسوريين إلى خط الفصل في هضبة الجولان، أو خط وقف إطلاق النار، لإحياء الذكرى الرابعة والأربعين للنكسة، مسيرة العودة كما أسموها. 

كيف جرؤوا على فعل ذلك؟ الجواب بسيط: فقد سبق لهم أن فعلوه، في ذكرى النكبة من العام ذاته. وتم ذلك وقتها برعاية كريمة من النظام وفصائله الفلسطينية. أحدهم كان يريد صرف الأنظار عن بطش النظام الممانع بمواطنيه الثائرين. لكن الشبان نزعوا الشريط الشائك، وتوغلوا في الأرض المحتلة. ولدهشتهم، اكتشفوا أنه لا حقول ألغام، ولا بطاريات صواريخ، ولا أنهار من تماسيح وحمض مركز، ولا عاهرات يهوديات مزنرات بقنابل نووية، ولا شيء مما بخشوا مؤخراتنا به على مدى عقود يحول دون تقدم جنودنا البواسل، شريط شائك فحسب كالذي تسيج به حديقة منزلك، يا من ليس لديك منزل ولا حديقة. 

كان الوعي قائما منذ مسيرة ذكرى النكبة أن هناك استغلالا من النظام والفصائل الفلسطينية الحليفة التابعة له لهذه المسيرات بهدف التغطية على الأحداث في سوريا. أرادوا خروجه من المقبرة، رفض، أطلق حارسه الرصاص في الهواء لإبعاد المشيعين المحتجين، وهُبْ! بدأت الحفلة، وأكثر حفلاتنا دامية.

الأرض المحتلة فعلا على مرمى حجر، ولا يحتاج الأمر جيوشا تستعبدنا وتستنزفنا بحجة الاستعداد للمعركة ومتطلبات التحرير. يومها قُتل أربعة شبان برصاص الاحتلال. في ذكرى  النكسة كان “جيش الدفاع” أو “تسفا هاجاناه ليسرائيل” قد تعلم من المفاجأة واستعد لها جيدا: كان هناك أربعة وعشرون قتيلا، وأصيب العشرات. الشهداء فلسطينيون وسوريون، وأكثرهم من مخيمَي اليرموك وخان الشيح. في السادس من حزيران إذن، كان أهل اليرموك يدفنون قتلاهم في المقبرة الجديدة. موكب من سيارات فارهة لحق بهم. كان فيه فيمن كان القيادي ماهر الطاهر، وهو واحد من “جماعة جبريل” تخال إذا سمعته أنه كان من بين البلاشفة الذين فجروا “ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى”. كل ما أراده المسكين هو إلقاء كلمة، فهذا ما يجيدونه حين يجيدون فعل شيء. وُوجِه هذا بالرفض من المشيعين الذين اتهموه واتهموا فصيله بالعمالة والمتاجرة بدماء الناس. كان الوعي قائما منذ مسيرة ذكرى النكبة أن هناك استغلالا من النظام والفصائل الفلسطينية الحليفة التابعة له لهذه المسيرات بهدف التغطية على الأحداث في سوريا. أرادوا خروجه من المقبرة، رفض، أطلق حارسه الرصاص في الهواء لإبعاد المشيعين المحتجين، وهُبْ! بدأت الحفلة، وأكثر حفلاتنا دامية.

 توجه المشيعون إلى مبنى الخالصة. كان موجوداً فيه آنذاك الأمين العام، أحمد جبريل ما غيره، ونائبه، وسواهم. تعرض المتظاهرون للرصاص الذي أوقع عدداً من القتلى والجرحى، فأحرقوا المبنى وسيارات كثيرة تابعة “لجماعة جبريل” يعرفها ذوو الشأن من أرقامها، وفرّ الأمين العام وسائر القادة في سيارات الإسعاف. كذا كان الوضع حين عدت عصر ذلك اليوم من مشفى الكلية الجراحي. بعد تعريجة قصيرة على المنزل ذهبت إلى مشفى فلسطين. لم أكن أعمل فيه، كان فيه في تلك الأيام من الكادر الطبي من يكفي جائحة. أردت رؤية الوضع، وكان كارثيا، وكانوا بحاجة لأي متطوع في قسم الإسعاف، فالجرّاحون كلهم في غرف العمليات.  بقينا في مشفى فلسطين حتى ساعات الليل المتأخرة نستقبل المصابين. كنتُ غض العود بعض الشيء حينها، فلم يبد لي أن للأمر نهاية. لكن المطمئن في الموضوع هو أن معظم ما سبق كان يتم على مرأى من “قوات حفظ النظام” التي هرعت إلى المخيم، لكنها آثرت عدم التدخل في إشكال فلسطيني- فلسطيني!

ومثل كل مجتمع ديمقراطي شعبي كمجتمعنا، يتلو كلَ حادث مفاجئ حفلةٌ من التهريج الرديء. منذ اليوم الأول تحدثت إذاعة “القدس إف إم”، وهي نسخة القيادة العامة من جريدة البعث، عن مسلحين ومندسين. منذ اليوم الثاني تكشّف لدى المتحدث باسم القيادة العامة أنور رجا أن “المجموعات التي قامت بمثل هذا العمل لا تمت للمشهد السياسي الفلسطيني بأية صلة، وقد ثبت أن عددا منهم له علاقات مشبوهة بالداخل”، وهذا الداخل هو مرة سلطة عباس، ومرة محمد دحلان. منذ اليوم الثالث هرع أحمد جبريل وقادة حماس والجهاد وجبهة النضال الشعبي (نعم! عندنا فصيل بهذا الاسم) إلى نوبة إبداعية من الكذب والهذيان. والكذب والهذيان عَرَضان يشيعان عند الخوف. جبريل كان دقيقا: تحدث عن تتبعهم خط أموال من السعودية إلى اليرموك عبر رام الله، ووعد بكشف التفاصيل، ولست أدري إن فعل. بل إنه تبرأ من مسيرة ذكرى النكسة واتهم رئيس «حركة فلسطين حرة» ياسر قشلق  ــ وهو بالمناسبة من أذناب النظام ــ بجلب الحافلات وأخذ الناس إلى الحدود.

كنتُ محظوظاً أن وقع بين يدي الكتاب الطريف /المخزي/ المؤلم الذي أصدرته جماعة جبريل بعد ذلك لتشرح فيه أحداث الخالصة. فهذا الكتاب يشكل في مجاله تحفة فنية بكل المقاييس تُبين ما تمارسه الأنظمة الشمولية المستبدة وتوابعها من تشويه للوعي، وتحريف للحقائق، وصناعة للتاريخ الزائف.

مشكلة كثيرٍ من الفلسطينيين تجاه جماعة جبريل مزدوجة: فهم أولا جماعة جبريل، وثانيا فصيل فلسطيني.

ولأن التاجر إذا أفلس فتح دفاتره القديمة، ولأن الفصائل الفلسطينية أفلست، تراها تعود إلى إستراتيجيتها البقريّة المفضلة المتمثلة باجترار إنجازاتها. فصائل لا تعتمد في مواردها على شعبها، ولا تأخذ في انحيازاتها السياسية واصطفافاتها الإقليمية مصالحَه. فصائل تتحدد مكانتها على الخريطة الفلسطينية بحجم أموالها وبقدرتها العسكرية ودعمها الخارجي، لا على حجمها التمثيلي عند الشعب الفلسطيني. هي أنظمة عربية مصغرة، ليس في معجمها السياسي المعاصر غير “إما معي أو ضدي”، يترعرع فيها الفساد وتنتشي الزبائنية، لا تُسأل عما تفعل، لا هي تبني وطنا، ولا هي تحارب عدوا، ولا هي تشهر أعضاءها التناسلية إلا في وجه شعبها. يعرف كل شعب عربي معنى أن يحكمك نظام عربي، فكيف بك بشعب  يحكمه أربعة عشر نظاما عربيا معا، زائد خمسة؟

مشكلة كثير من الفلسطينيين أنهم لا يقرؤون تاريخهم، مع أنه أقرب إليهم من يومهم الذي يعيشونه.

تصميم الصورة: المأمون محمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × اثنان =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى