ذاكرة لجوء

فرانشيسكو: دمشق – عنتاب

            “سأطلب لك على ذوقي!”.. في تلك السنوات العجاف التي كنت لا أملك فيها في أكثر أيام الرخاء ما يزيد عن 50 ليرة سورية؛ يجب أن أصرفها على يومين في المواصلات! أجلس مع شابين يعمل والداهما في مجال النفط، ويدرسان الهندسة النفطية في إحدى الجامعات الخاصة! وكنت أشعر بالجوع ولم أخبرهما أني كذلك، ولا حتى أني لا أملك شيئا لأطلب طعاما في ذاك المطعم الفاخر، في أفخم تجمعات دمشق السكانية الطبقية، الطائفية، الأمنية.

            يومها سألني أصغرهما وهو يصغرني بعشر سنوات تقريبا! إن كنت سأطلب أي طعام، وأثناء سؤاله كنت أخاطب نفسي بأني بقيت نصف ساعة أسير حتى عثرت على هذا المطعم “المشهور” على حد تعبيرهما.. وأن عددا يصل إلى عشرة أشخاص يقطنون في ذات المكان لم يسمعوا به قبلا.. يبدو أن حالهم كان كحالي! 

            كان لقاء لهدف نشاط سياسي ثقافي قبل الثورة بثلاث سنوات تقريبا؛ حيث كنا في عنفوان شبابنا وكنا لا نهاب الأمن وسطوته رغم كل ما نسمعه.. وكان اختيارهما لهذا المطعم من باب التكريم لي، ومن باب أنه لن يكون مثار شبهات أمنية.. يومها رفضت الطلب بحجة أني شبعان وأكلت قبل أن آتي.. فأصرا على الدعوة وقال لي أصغرنا: “سأطلب لك فرانشيسكو! هذا المطعم أطيب من أعدها في دمشق” في الواقع دُق الاسم في رأسي كما المسمار، وأحسست أني أسمع الاسم لأول مرة رغم كل من حملوا هذا الاسم من الدكتاتور الشهير فرانكو إلى كل لاعبي كرة القدم وغيرهم.. لقد كان لسيل اللعاب أثر جعلني أبلع رياقي تكرارا وبدا بعضه على حواف فمي، وصارت معدتي تصدر أصواتا عجيبة.. وكانت فعلا من أشهى ما تناولته! وبقيت لسنوات أقنع نفسي بذلك، حتى أن هذا الطبق ارتبط عندي بالفخامة والرخاء والجلسات المخملية!.. المفارقة أني كنت أتناول هذا الطبق لأول مرة في حياتي؛ ولذا لم أكن أعلم إن كان فعلا أطيب من أعده في دمشق، أم أنه أسوأها! وكنت بحالة يرثى لها من الجوع والحرمان وأريد أن آكل فقط وبالتالي كان أي شيء أتناوله سيكون غاية في اللذة والطيابة!

            وتطوي السنون أحداث الثورات العربية – السورية، ويبدو المشهد من غازي عنتاب – تركيا بعد اثني عشر عاما مقلوبا.. أجلس في كافتيريا فخمة لا يزورها إلا الرواد الأجانب لذا نسمع فيها من يرطن بكل اللغات.. ويخامرني الجوع؛ ولعلمي وأنا في وسط عملي على بحث علمي أن لا طعام في هذه الكافتيريا الفخمة؛ قصدت الخارج أسعى وراء أي مطعم سوري لأتناول غدائي.. ووفقت بواحد قريب وشبه مخفي في مكان كأنه يقول “لا أريد أن أكون متاحا لكل الناس.. أريد أن أكون مخصصا لبعضهم”. وقفت أنظر إلى قائمة الطعام وكلها أطباق غربية؛ وفجأة لمعت في رأسي تلك الذكرى؛ ربما لأني لم أجد اسم تلك الوجبة في القائمة؛ فقررت أن أطلبها! وربما لأني مللت من التكرارات في حياتي وذات الطعام في كل مطعم.. فقال لي الشيف: “لا توجد، لكن دُلني عليها لأحضرها لك!” وأخبرته بمكوناتها فقام من فوره لتحضيرها.

بقيت ألوكها وأغبط نفسي على هذا الهناء الذي حظيت به وكنت أفتقده منذ سنوات.. لقد أشبعت هذه القضمة فيني جوع حرمان الشباب الذي تجدد مع الثورة وصار وحشا يلتهم كل ما حلمت به، أو ما كنت أستمتع به حتى الذكريات..

            جلست وبعد عشر دقائق أحضر لي ما طلبت؛ وبتلك الشهية التي انتابتني في دمشق كنت في عنتاب أتناول ذات الطبق الذي حضره عامل مطعم سمع باسمه توا! وكان بذات المستوى من الطيابة. في القضمة الأولى عادت إلي الذكرى قبل اثنتي عشرة سنة وكأنني في دمشق.. بقيت ألوكها وأغبط نفسي على هذا الهناء الذي حظيت به وكنت أفتقده منذ سنوات.. لقد أشبعت هذه القضمة فيني جوع حرمان الشباب الذي تجدد مع الثورة وصار وحشا يلتهم كل ما حلمت به، أو ما كنت أستمتع به حتى الذكريات.. في القضمة الثانية بدأت أتحسس بلساني الطعمات المتجانسة والتي تمتزج كما الألوان في لوحة زيتية لتصنع تحفة إبداعية ما؛ وفي تلك اللحظة التي كنت أتأمل فيها التفاصيل كنت أفسد متعتي دون أن أدري.

            بدأ الأمر مع الدجاج، صدور الدجاج ذات طعمة فاهية دون أن تعني شيئا لمتناولها، ولولا هذه البهارات التي تضاف إليها لما كانت بهذا الطعم؛ البهارات التي كانت موضوع نقاش غبي مع طالب دكتوراه في العلوم الاجتماعية تركي متعصب، ويسخر من السوريين ويسيئ إلى عاداتهم لأنهم يستخدمون البهارات في الطعام بكثرة! كان جوابي يومها حاسما ومباشرا ومهددا بمكانته العلمية أمامي، البهارات التي رسمت الكثير من ملامح العصر الحالي إن لم تكن أهم العوامل التي ساهمت بذلك. طريق الحرير، واحتلال الهند واكتشاف رأس الرجاء الصالح، واكتشاف أمريكا نفسها وحتى حفر قناة السويس.. كلها كانت للوصول إلى مصدر التوابل والبهارات في الهند. وكل هذه الأحداث كانت عوامل حاسمة في خارطة السياسة الحالية. كيف لطالب دكتوراه أن ينكر فضل التوابل على العلوم الاجتماعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية؛ وكيف له أن لا يتفهم أن التنوع في الطعام دليل على قيمة حضارية عالية للشعوب! لم يكن يعلم أن هذه النقاط يعلمها أي طالب في الثانوية الأدبية في سوريا! تبا لدولة لا تعتني بطلابها وخصوصا إن كانوا من الجنس البشري العبقري الذي نسميه السوريين.

            القضمة التالية تذكرت أن صدر الدجاج يحتوي على أكبر كمية من البروتين يحتاجها الجسم ويتناولها الرياضيون بكثرة، رونالدو لا يتناول إلا الدجاج على الغداء والعشاء؛ هكذا سمعت! حتى يحافظ على جسم مشدود وعضلات منحوتة؛ تذكرت أن أهلي لا يستطيعون أن يبتاعوا نصف صدر دجاج ليعينهم على رياضتهم في الصعود والنزول على درج البناء ذي الأربعة طوابق وهم المسنون! ابنة أختي ذات الستة عشر ربيعا هاتفتني منذ أيام: “خالي لا يمكننا التفكير بالمستقبل، بل لا يمكننا التفكير بالغد.. كل ما نفكر الآن به هو تأمين طعامنا كل يوم بيومه!.. لا يوجد طعام هنا!”

الخبز؛ قالت لي أختي: “بقينا ثلاثة أيام حتى حصلنا على ربطة خبز واحدة! نمنا ليلتين دون طعام..” في أرض كانت تحمل القمح للعالم بات أهلها جياعا.. الجبنة؛ تذكرت أن والدي لم يتناولها منذ سنوات.. الفطر طبق مميز كانت تعده لنا والدتي ربما نسيت كيف تعده بعد طول انقطاع.

            الذرة؛ حين اجتزت الحدود السورية باتجاه تركيا سرت لساعة ونصف في حقل من الذرة! لم أتخيل في حياتي أن حقلا بهذا الحجم موجود في العالم! وليس أي مكان على الحدود مباشرة مع سورية؛ تنتقل من الصحراء لتجد غابة من الذرة في الأرض التركية التي كانت بالأساس سورية.. بلادنا تصبح جنة في أيدي الأعداء!..

            الخبز؛ قالت لي أختي: “بقينا ثلاثة أيام حتى حصلنا على ربطة خبز واحدة! نمنا ليلتين دون طعام..” في أرض كانت تحمل القمح للعالم بات أهلها جياعا.. الجبنة؛ تذكرت أن والدي لم يتناولها منذ سنوات.. الفطر طبق مميز كانت تعده لنا والدتي ربما نسيت كيف تعده بعد طول انقطاع. حين انغمست بالتفاصيل اكتشف أن شريحتي مخلل كانتا في نهاية الوجبة ولا أظن أنه يوجد غيرهما!، لكنهما كانتا الشماعة التي رميت عليها مشاعر الأفكار التي عكرت صفوي! “سامحك الله.. مخلل مع طبق غربي؟!” وكدت أغص عند ابتلاع آخر لقمة.

            يبدو أننا سنبقى غير هانئين في الطعام حتى تفرج على أهلنا في الداخل؛ في لحظة من الانفعال امتلكت كل كياني وأظهرتني بمظهر المستاء، سألني العامل وأنا أهم بمحاسبته: “كيف كانت؟” أجبته – وملامحي تقول عكس ذلك، وأظنه أحسني أتملقه! لأنه تبرم من ملامحي المتجهمة؛ رغم أني كنت صادقا بكل حرف – قلت وبوجه كما القناع دون مشاعر: “لم أتناول طعاما بهذه الطيابة منذ أعوام!”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × خمسة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى