ذاكرة شخصيه بورتريه

بانتظار جودو

“عم استنى مرسوم رئاسي لأتسرح”، غالباً ما ينهي حديثه معي بجملته تلك، التي اعتدت عليها طيلة سنوات وجوده في الخدمة العسكرية. لأمرن نفسي لاحقاً على الاتصال به في أوقات متباعدة علني أجده ينتظر شيئاً مختلفاً، كانتظار تخرجه من الجامعة، أو انتظاره لرؤية حبيبته، أو عدم انتظاره لأي شيء.

في كل مرة أتحدث فيها معه يصلني صوته مرتجفاً، وهو يقف هناك في قلب المجهول والعدم، في الفراغ والخوف من كل شيء، مُكرهاً على الابتعاد عن الحياة وعن نفسه، ليتحول داخله إلى خواء يمتد ببطء إلى كامل تجاويف روحه. رغم محاولته جاهداً أن يشعرني بأن أموره جيدة، وأن هناك تسريبات تفيد بأن التسريح “قاب قوسين أو أدنى”، كي لا أدخله في دوامة الحوار التي مراراً ما أقوده إليها “حاول أن تهرب ولا تعود مرة ثانية”.

أنا متأكدة من أنه لن يفعلها مرة أخرى، بعد أن خاطر بنفسه قبل سنتين باتخاذه قرار الهروب وعدم العودة، علَّه ينجح بشيء ما، أو يتغير أي شيء على أرض الواقع، لتأتي كل التوقعات مخيبة لآماله.

منذ قراره الأول بالالتحاق في الخدمة العسكرية عام 2011، لم يكن يدري أن الأمر سيصل به إلى الثبات في مكانه تسع سنوات، مكان محاط بالموت من جميع جهاته، إن نظر إلى الأعلى يمكن أن يتلقفه أي صاروخ أو قذيفة، وإن نظر إلى الأسفل ستكون الألغام في انتظاره، وإذا تلفت يميناً أو يساراً سيرى أشخاصاً يشبهونه في حالة الفزع والخوف.

تسع سنوات كفيلة بأن تمحو أحلامه وأفكاره التي كان دائماً يحدثني عنها مذ كنا صغاراً، أستحضر سنوات صداقتنا التي أمضيناها معاً في المدرسة واللعب والضحك، كان يحب قراءة الشعر، يسابق كي يفوز بقراءة النصوص الشعرية أثناء الحصة المدرسية، يقرأها بشغف وكأنه شاعر يقف على المنصة ويلقي على الجمهور بشعره، ونحن نصغي إليه بكامل إحساسنا.

كبرنا وأصبحنا شباباً وبدأت الحياة تتدفق من جنباتنا ونغزو العالم بغرورنا وكبريائنا، ليذهب كل واحد منا في طريقه للدراسة في الجامعة، ولكن لم نلبث أن نلتقط أنفاسنا حتى تنبهنا أننا في بداية الدخول لمتاهة الحرب والاغتراب عن أنفسنا، والتيه في احتمالات الحياة وفي قرارات يمكن أن تبعدنا عن الذي كنا نطمح أو نريد الوصول إليه، لنصبح مرتهنين للواقع بكل فجاجته.   

“ولماذا أستيقظ، ماذا سأفعل إن استيقظت باكرا، كل شيء مغلق أمامي، ولا أستطيع أن أتخطى حدود بلدتي؟” كان جوابه جاهز لأي شخصٍ يسأله عن حاله. 

عندها بدأ يفكر بذهابه إلى الخدمة العسكرية، في وقت كانت الأحداث في سوريا تنحو باتجاه تصاعدي، والمظاهرات تنتشر وتتوسع بكامل المحافظات السورية، “لماذا الآن وبهذا الوقت، انتظر قليلاً كي تتوضح الأمور أكثر، إلى أين ستلقي بنفسك؟” يصغي إلي وأنا أتحدث إليه، وبعد فترة صمت طويلة يهمس “الأمور واضحة وجلية، حتى لو خرج جميع الشعب السوري إلى الشارع، من المستحيل أن يسقط هذا النظام، أريد أن أنتهي من حالة التشتت والضياع التي أعيش فيها، سأحاول أن أنهي جامعتي، وكوني أدرس تعليم مفتوح سيسمح لي بهذا، وفي نفس الوقت أنهي فترة الخدمة”.

بعد فترة قصيرة من نقاشنا هذا أسمع أنه اتخذ قراره والتحق بالخدمة العسكرية، تاركاً كل شيء خلفه في مهب الريح، لم أره طيلة الأربع سنوات التي بقي فيها صامداً رغم قساوة الظروف التي مرت عليه، كنا نتراسل بأوقات متباعدة لأطمئن أنه بخير، لكنه في كل مرة يزداد تشتتاً وضياعاً، وعدم معرفة وقدرة على اتخاذ قرارٍ بأي طريق يسلك، طريق البقاء أم طريق الهروب، أصبح رأسه فارغاً من أي صورة، لم يعد أمامه سوى اختيار واحد من سجنين.

كانت البلاد في وقتها غارقة في الدم والموت وبعيدة عن التكهن لما ستؤول إليه الأمور، فوجد نفسه في متاهة لا نهاية لها، ولم يستطع الانفكاك منها سوى بهروبه من مكان خدمته وعودته إلى بلدته ليبقى حبيس المنزل.

ليتكشف له لا حقاً أن الواقع بات مختلفاً عما كان قبل ذهابه، وأنه تحول إلى سجن مختلف عن السجن الذي كان فيه، سجن تغزوه البطالة، العزلة، الخوف من بعضنا، والاغتراب عن أنفسنا. 

خلال تلك الفترة لم أره يوماً مبتسماً، كان دائم الخوف والارتياب من كل شيء حوله، حتى بات عنده الماضي والمستقبل حلقة متواصلة بلا نهاية، والليل والنهار سواسية. يبدأ النهار عنده عندما يَشرَع الناس للدخول في وقت الراحة بعد يوم من العمل الطويل

“ولماذا أستيقظ، ماذا سأفعل إن استيقظت باكرا، كل شيء مغلق أمامي، ولا أستطيع أن أتخطى حدود بلدتي؟” كان جوابه جاهز لأي شخصٍ يسأله عن حاله. 

عدم امتلاكه لأي رغبة في الحياة جعلته شخصاً غير قادر على تحمل المسؤولية، وفاقداً للقدرة على التواصل مع الآخرين، فعندما وجد عملاً في إحدى محال بلدته لم يستطع الاستمرار به طويلاً، ليعود إلى سهره وسباته بانتظار المجهول، ويدرك أنه في زنزانة والزنزانة في سجن والسجن محاط بالمجهول.

لم يشعر بالأمان طيلة السنتين اللتين هرب فيهما من الخدمة، فإحساسه بأنه ملاحق وقد يتعرض للاعتقال بأي وقت كان هاجسه الوحيد وخوفه الدائم، الذي أوصله إلى تدهور في قدراته الذاتية والإحساس بعدم الجدوى من أي شيء يحاول أن يقوم به، حتى باتت حياته مقتصرة على الالتحاق أو عدم الالتحاق، ليختزل وجوده القائم بهذا المعنى، ومن هنا يعود إلى جملته “عم استنى مرسوم رئاسي لأتسرح” بعد عودته من جديد من خلال صدور مرسوم للعفو العام، ليكمل ما راكمه من سنوات في الخدمة، دون أن يتعرض للمحاسبة أو للعقوبة نتيجة فراره. على أمل أن يغير ذلك الالتحاق من شيء في حياته، بدل البقاء في المنزل دون جدوى.

تسع سنوات من الضياع والتشتت، خسر فيها شبابه وأحلامه والرغبة في الحياة، بانتظار فكرة  سيطرت على كامل عقله، “العيش بالانتظار شيء يبدو لي مريعاً، لكن لا مفر لي منه”، يقول لي هذا ويذهب بعيداً ليعيش داخل شرنقته التي صنعوها له ليجتر الانتظار تلو الانتظار.

اللوحة “رجلان يتأملان القمر” لكاسبار دافيد فريدريش والتي قال سامويل بيكيت إنها ألهمته لكتابة مسرحية “بانتظار غودو”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى