ذاكرة مكان

في إحدى مدارس الجيزة

مرّ الاسبوع الأول بهدوء ، منذ قررت أن أعمل كمعلمة للصفوف الابتدائية في إحدى مدراس الجيزة في ريف درعا، أنا التي درست الصحافة أملا في أن أكون يوما ما مقدمة برامج رياضية في إحدى الفضائيات العربية الشهيرة.

حلمت أن أكون المذيعة الرياضية الأولى في العالم العربي، لكني خسرت هذا الحلم، فمن جهة لم أستطع التخرج حيث توقفت عن الدراسة في السنة الرابعة حين لم أتمكن من العودة لمدينة دمشق إثر اندلاع الثورة ولم أنجح سوى بمادة الأدب والنقد الإعلامي للسنة الرابعة ومن جهة ثانية: لقد ظهرت العديد من المذيعات الرياضيات على الشاشات العربية.

في الحقيقة كان هذا الحلم يشكل رعبا مزمنا لأمي التي كانت دائما تسخر مني ومن أحلامي كلما كنت أرتدي الملابس الرياضية التي تخص أخي الذي يصغرني بسنتين ولكنها في أعماقها كانت تخاف فعلا من حصول هذا الأمر، لذلك وحين أخبرتها بأنني سأعمل كمعلمة ابتدائي في إحدى المدارس البديلة في درعا استمرت ردحا من الوقت تصبّ الدعوات فوق رأسي معلنة شكرها لله عز وجل، “هيتش تكون البنت تشتغل” قالت، بمعنى ما كانت أمي ترى أن العمل الأساسي للبنت يجب أن يكون التعليم في الروضة ولا مشكلة في تعليم المرحلة الابتدائية.

حاول أخي ضاحكا أن يشرح لها أنني معلمة بشكل مؤقت بسبب ظروف الثورة، لكن هذا لم يغير شيئا من فرحتها وهي تذكرني بابنة أخيها التي عملت كمعلمة مؤقتة في مدراس دمشق ثم حصلت على عقد عمل دائم بعد سبع سنوات.

في الحقيقة أنا أكره التدريس، هناك بشر يولدون ليكونوا مدرسين، هذا اختصاص يحصل عليه الإنسان بالجينات لا يكتسبه بالتدريب ولا بالخبرة هكذا كانت قناعتي وهكذا استمرت.

لم أكن بحاجة لكل هذه الحجج لأوافق على العمل كمعلمة، كان الفراغ ينهش وقتي بعدما خسرت الثورة طابعها الشعبي وتحولت نحو المواجهة المسلحة، لقد كنت أبحث عن أي دور لي في هذه الثورة وكنت قادرة على ذلك في بدايتها لكن يبدو أن التسليح يتوافق في مضمونه مع التوجهات المحافظة لدور المرأة في مجتمعاتنا، حسنا، لقد انتصرت رغبة أمي، كان كل شيء يدفعني نحو الدور الوحيد القادرة على القيام به حاليا: أن أكون معلمة أطفال المرحلة الابتدائية.

لكن يجب أن يكون هناك مدرسون و مدرسات لتغطية النقص في أعداد المعلمين في السنين اللاحقة لاندلاع الثورة السورية، كما أخبرني أحد الأصدقاء من أعضاء المجلس المدني لمدينة الجيزة عندما كنا نلتقي غالبا حين كنت أقوم بإعداد تقارير إعلامية عن تجربة المجالس المحلية في ريف درعا، فالتلاميذ والطلاب توقفوا عن الذهاب إلى المدراس في المناطق التي يسيطر عليها النظام لأكثر من سبب: فبعضهم  سيكون عرضة للاعتقال -التنمر على أقل تقدير- لمجرد انتمائهم لعائلة من العائلات المعروفة بمواقفها المؤيدة للثورة وفي نفس الوقت هناك العديد من هذه المدارس قد حولها النظام لثكنات عسكرية و نقاط اعتقال، عدا عن خطورة الطريق إلى هناك في الوقت الذي تحولت معظم المدارس في المناطق الثائرة لمراكز إيواء ومن جهة ثانية توقف معظم المعلمون عن العمل بعدما اشترطت وزارة التربية والتعليم على المعلم الحضور شخصيا لاستلام راتبه، الأمر الذي سيجعله عرضة للاعتقال هو بدوره ولأجل هذه الأسباب كلها بدأت المدارس البديلة تنتشر في القرى والمدن السورية معتمدة على متطوعين بشكل أساسي لا ينتمون لمهنة التدريس وعلى وسائل بدائية من ناحية المكان والأدوات في معظم الحالات.

لم أكن بحاجة لكل هذه الحجج لأوافق على العمل كمعلمة، كان الفراغ ينهش وقتي بعدما خسرت الثورة طابعها الشعبي وتحولت نحو المواجهة المسلحة، لقد كنت أبحث عن أي دور لي في هذه الثورة وكنت قادرة على ذلك في بدايتها لكن يبدو أن التسليح يتوافق في مضمونه مع التوجهات المحافظة لدور المرأة في مجتمعاتنا، حسنا، لقد انتصرت رغبة أمي، كان كل شيء يدفعني نحو الدور الوحيد القادرة على القيام به حاليا:

أن أكون معلمة أطفال المرحلة الابتدائية.

كان طريق الباص القديم ينقلني صباح كل يوم باتجاه مدينة الجيزة قاطعة البساتين المحيطة بمدينة درعا، وكنت أستكمل ما فاتني من نوم في العشرين دقيقة التي كان يحتاجها الطريق على الرغم من القفزات القصيرة المتقطعة التي كان يقوم بها الباص المتهالك الذي كان ينقلنا على حصى الطريق، وفي كثير من المرات كان صوت الطيران الحربي يقطع غفوتي القصيرة لأفتح عيني متلفتة أبحث عن مسار الطائرة أو على الدخان الذي تتركه وراءها.

لكن الطائرة اليوم مرت من فوق رؤسنا تماما مطلقة صوتا لم يكن أقرب منه في المرات السابقة.

كان الغبار يتصاعد من ركام المدرسة لحظة وصولنا بعد مغادرة الطائرة.

“المدرسة هي بيتك الثاني فحافظ عليها”

وقفت أتهجى ما تبقى من هذه العبارة التي كانت مكتوبة على حائط المدرسة الشرقي في المكان المقابل لغرفة المدير، هذه الغرفة الصغيرة التي تحولت إلى كومة تراب وحجارة بعدما سقط عليها قبل قليل أحد البراميل المتفجرة التي أسقطتها طائرة حربية ضلت طريقها عن خط الجبهة.

لا يهم ما هي الجبهة هل هي الحدود مع اسرائيل أم هي مواقع الجيش الحر أم هي الحواجز التي أنشأتها الفصائل الإسلامية التي بدأت بالانتشار مؤخرا في قرى حوران؟ ! 

لكن في الحقيقة يخبرنا التوزع الدقيق لسقوط القنابل والصواريخ والبراميل وكل أسلحة الموت عن مكان الجبهة الحقيقي بالنسبة لهذا النظام، إذ كأن أكثر من تسعين بالمئة من معظم هذه الأسلحة تسقط على المستشفيات والمدارس والمساجد وعلى بيوت المدنيين في الأحياء الثائرة الخارجة عن سلطة نظام الأسد !؟

هل هذا هو الهدف الحقيقي وهذه هي الجبهة بالنسبة لهم ؟

وماذا يعنيهم تدمير مدرسة ! هل كانوا يعتقدون أن المقاتلين مختبئين بداخلها ؟

ولكن المقاتلين منتشرون على الحواجز ولا تخطئهم العين !

في الحقيقة أسئلة كثيرة لم يعد من معنى لإيجاد إجابات لها، بعد أن حول هذا النظام الجيش ليكون العدو الأول للشعب السوري، وبعد أن تحولت المدارس والمستشفيات والمساجد لأكثر المناطق خطرا في الجغرافيا السورية.

وقفت أتأمل بقايا الحائط و أنا أفكر:

لم تكن مدرسة في سوريا قبل عام الثورة لتخلو من هذه العبارة المكتوبة فوق، ولم يخطر ببال أحد أنها ستكون نبوءة لما سيكون عليه الحال بعد ذلك، لقد انتقل معظم السوريون للسكن في المدارس التي تحولت لمراكز للإيواء بعد أن دمرت الطائرات الحربية للنظام وشقيقاتها من الطائرات الروسية حياة السوريين وأرزقاهم وبيوتهم وكل الأمل لديهم.

لقد أصبحت المدارس حقيقة لا مجازا البيوت البديلة لأهالي سوريا الذين دمر القصف بيوتهم، أصبحوا ينامون ويأكلون ويستحمون ويلعبون مع ابنائهم -قبل يومين كان هناك عرس في إحدى المدارس-

منذ تلك اللحظة توقفت عن العمل كمدرسة في مدارس الجيزة التي أعلن مجلسها المحلي عن توقف قطاع التعليم عن العمل، 

في هذه الحرب البائسة لن يبق حلم لأحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × اثنان =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى