ذاكرة حدث

أليس في ليالي العجائب

علا صراخ ملهوف، وتبعه أنين موجوع! “يا أهل الدار حلفتكم بالله تساعدوني..!” ليلة صيف هادئة كنا نتسامر فيها في غرفة الجلوس ونتذاكر أخبار المعارك الدائرة، على أنغام الاشتباكات المتقطعة القادمة من بعيد من حدود الغوطة. نبرة المستغيث وحدها كانت كفيلة بأن تستفز فينا كل قطرة شهامة رضعناها، فننتصب على أقدامنا تأهبا لما حلّ.

            خرجنا ننظر ما الخطب! فوجدنا في عتمة الفلاء خلف المنزل كومة لحم بشرية تحاول الوقوف فتسقط، ثم تتابع زحفها تجاهنا. قفزت وأخوتي في محاولة لمساعدته، وكان رجل أربعيني يداه موثوقتان إلى الخلف بحبسة بلاستيكية كالتي يستخدمها الأمن والجيش، كان حافٍ، وقد عصبت عيناه، وابتل كله بالماء، وكساه الطين من أسفل قدميه إلى أعلى رأسه. ولكن ما أصابنا بالهلع ما شاهدناه على بدنه من آثار للتعذيب والضرب الواضح بأي أدوات كان يتلقاها؛ فقد تورمت ذراعاه وظهره لدرجة جعلت لباسه الصيفي يبدو صغيرا عليه بدرجتين، وخرج لحم عضديه بعلو  إصبعين خارج سعة كم القميص. 

            سارعنا لرفعه وحل وثاقه وعصبته، وأدخلناه منزلنا؛ 

– من أنت؟

– فلان من البلدة المجاورة! “التي كنا نستمع إلى الاشتباكات فيها وقتها!”

– لما أنت هنا ما حل بك؟

– لدي في بلدتكم دكان أتعيش منه.. منذ ساعات وقفت أمام دكاني سيارة جيب سوداء نزل منها رجال ملثمون بلباس أسود، وبلمح البصر اقتحموا محلي ووضعوا قميصي على رأسي وقيدوني، وأصبحت في سيارتهم مع نقودي وبضاعتي! وانطلقت السيارة بسرعة دون توقف، وبعد ربع ساعة وجدت نفسي أطلع أدراجا أحسست أنها درجات بناء مهجور، وضعوني أرضا وسكبوا فوقي الماء وانهالت علي لسعات أكبالهم وسياطهم، على كل جسمي.. بقوا هكذا لنصف ساعة أو ربما أقل لكني أحسستها أطول ولم يقولوا لي شيئا حتى غبت عن الوعي. واستيقظت بعد أن أعادوا سكب الماء عليّ من جديد.. كنت أستحلفهم بكل غال ونفيس أن يتوقفوا لكنهم لم يشتموني حتى أو لم أسمع منهم أنفاسا أو لهاثا! وكأنهم شياطين!

– ألم تعرف من هم وماذا يريدون؟

– بعد أن استيقظت بدأ اثنان منهم بالحديث واستجوابي. لم أكن أعلم من أسئلتهم هل هم من الأمن أم من الجيش الحرّ! كانوا يقولون لي: هل تصور الحواجز العسكرية؟ هل تخرج في المظاهرات؟ هل تقوم بتبليغ الجيش الحر عن تحركات الجيش؟ ثم يقلبون الأسئلة! هل تصور عناصر الجيش الحر وحواجزه؟ هل تخرج في مسيرات؟ هل تقوم بإخبار الجيش عن تحركات الجيش الحر؟ هل تبلغ عن المتظاهرين؟ ما علاقتك بفلان؟ وقد يكون فلان من المعارضة المسلحة! وما علاقتك بفلان؟ وقد يكون من الأمن!.. لم أكن أعلم من أي اتجاه هم لكني كنت أتلقى على كل إجابة سياطا جديدة، إن قلت نعم وإن قلت لا وإن قلت لا أعلم.. 

وبكى وجعا وقهرا.

            قمنا بما يجب أن نقوم به؛ بلغنا ذويه وطلبنا منهم أن يلاقونا إلى أقرب ساتر ترابي بين بلدتينا؛ لكني تحسبا أبلغت بعض أصدقائي فقدموا بسياراتهم لمرافقتي، فقام أحدهم بإبلاغ الشرطة في منطقتي دون أن يعلمنا! فقدمت الشرطة على الفور وقطعت موكبنا؛ وطلبت منا أن نرافقهم إلى المخفر! وهنا انتهى دوري وتواريت عن الأنظار حتى لا يتم اعتقالي؛ ودفعت أصدقائي للمتابعة؛ وكبرت القصة فحضر الدفاع الوطني وعناصر الأمن.. وتم اتخاذ إجراء أمني وكتابة محضر شرطة، وتسليمه إلى ذويه، بعد منتصف الليلة الأولى.

فقال إنهم سيهاجموننا لاحقا ولكن علينا أن نسبقهم بالهجوم، وعلينا خطف أشخاص منهم أحيانا واحتجازهم أو قتلهم أو تسليمهم للأمن! وسيكون لي راتب مقطوع وكمية من الذخيرة وسلاح في المنزل، ولكل مهمة سلاحها وذخيرتها وراتبها الخاص!

            بعد أيام كلمني أحد أصدقاء بلدتي وطلب مقابلتي بسرعة؛ وحين ذهبت إليه في ليلة صاخبة، كان يحمل في يده رصاصة سلاح رشاش! وظرف رسائل فارغ! قال لي: وجدتهم على بابي البارحة صباحا!

– وماذا يعني ذلك؟

– يبدو أنه تهديد بالقتل!

– أوف كيف؟

– منذ أيام حضر إلى منزلي فلان “وفلان كان يخدم في الحرس الجمهوري، ومعروف أنه بقي على علاقة بالأمن بعد تسريحه، وصار قائدا لفصيل يتبع لجمعية البستان بتمويل رامي مخلوف، ثم قتله قناص على حدود الدويلعة” حضر وطلب مني أن أنضم لجماعته لكوني اسماعيلي! وقال إنه بصدد تشكيل فصيل من الأقليات ليتصدى لهجمات الجيش الحر على بلدتنا!

– لكنهم لم يهاجمونا.

– أعلم وقلت له ذلك، فقال إنهم سيهاجموننا لاحقا ولكن علينا أن نسبقهم بالهجوم، وعلينا خطف أشخاص منهم أحيانا واحتجازهم أو قتلهم أو تسليمهم للأمن! وسيكون لي راتب مقطوع وكمية من الذخيرة وسلاح في المنزل، ولكل مهمة سلاحها وذخيرتها وراتبها الخاص! ورفضت العرض. فقال لي: “لا تخبر حدى لكان وبلا ما يصير عليك وع عيلتك شي!”

– تهديد؟!

– بالزبط.

            في الليلة التالية، انتشر خبر على صفحات البلدة المجاورة لنا، والتي طردت وقتها الجيش والأمن من داخلها وأعلنت تحرير البلدة، أن عددا من سائقي حافلات الركاب قد اختفوا، وسهرنا ليلة نتابع الإشاعات حول مصيرهم والاتهامات التي عزوها لشباب بلدتنا والوعود بالرد؛ لينتشر فيديو على تنسيقتهم حول مصير هؤلاء السائقين وهم ميتين وقد نُكِّلَ بجثثهم وماتوا تحت التعذيب، ولا أزال أذكر بشاعة المشهد كيف أن يد أحدهم خرج عظم عضدها من جهة الإبط نتيجة لإصابة شقت اللحم وكسرت العظمة مع حروق نتيجة التعذيب. لنتفاجأ أن أحد الحسابات الوهمية يعلق على الفيديو  أن مجموعة من شباب بلدتنا هي التي نفذت هذه الجريمة! وأنه شاهدهم بأم العين في مكان مهجور! وليبدأ سيل الوعيد والتهديد، وتحشد كتائب الجيش الحر أكثر من 200 سيارة بهدف اقتحام بلدتنا عند صلاة الفجر! لكن شيوخ الجوامع اعتلوا المنابر وخطبوا بالناس متوسلين إياهم العودة؛ وكان أن ردوا فتنة لما عرفنا بعدها هل ستبقى خارطة منطقتنا على حالها أم كنت سأكون موجودا لأكتب هذه الحادثة؟!

            ويحدث أن تدخل كتائب الجيش الحر العاصمة دمشق ليقفل الطريق بيننا وبينها لأكثر من أسبوع؛ في الليلة الأولى التقينا بأحد عناصر تنيسيقة بلدتنا فقال أن الجنوب كله تحرر، وأن نأخذ حذرنا الليلة! ثم صعد “جعارة” وبدأ بالجعير على شاشات العربية والجزيرة عن هزيمة بشار والمعركة الأخيرة في القرداحة!!!.. وتحسبا نمنا في منزل تم استئجاره لمثل هذه الحالات خشية من أي مشاكل انتقامية. لكن أصوات القذائف وقربها وهولها لم يسمح لنا البقاء خارج المنزل؛ فذهبت إلى المنزل مع صديقي وسهرنا للصباح مترقبين بقلق ما يجري. 

            ولأن موقع منزلنا يطل على مساحة كبيرة من دمشق والبلدات التي تشهد المعارك؛ صار سطح دارنا ليلا منتدى لكل من يود متابعة الاشتباكات، وترافقت سهراتنا بلعبنا للشطرنج في غالب الوقت؛ وكنا نعد الزمن بين مشاهدة الانفجار في الأفق وبين سماع صوت الانفجار والذي غالبا ما يهز جدران منزلنا رغم أن الانفجارات قد تبعد حسب ما نستنتج من زمن وصول الصوت 30 كم! 

            إحدى الليالي كانت أصوات الاشتباكات قريبة وتبدو على حدود بلدتنا ولم تهدأ حتى أن الجيش الحر أطلق النار على متطوعي الهلال الأحمر ومسعفيهم، وبعدها جرى طردهم من قبل جيش وعصابات النظام!. وصارت الحواجز المنتشرة محاكم للإعدامات الميدانية! وكثيرا ما كنا نشاهد جثثا مرمية على أطراف الطريق بالقرب منها، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب؛ حتى أننا طاردنا مرة كلبا يحمل ساعد امرأة، ولا نعلم من أين أتى به، ويبدو محبس الذهب عليه وكان ساعد اليد اليسرى مما يعني أنها متزوجة! وصرنا نخشى شراسة الكلاب المفاجئة وانتشرت إشاعات أنها أكلت لحم البشر فصارت ترانا فرائسا!

            كان اللاجئون من البلدة المجاورة في قمة الأسى وهم يرون بلدتهم تُدَكُ بكل أنواع الأسلحة، لكنهم لم يكونوا لِيَقووا على شيء وهم يرون بلدتنا تعج بكل عناصر فروع الجيش والأمن المختلفة.. وكانوا يتعرضون للكثير من الإذلال والإهانات والاستقواء من قبل عصابات النظام وخصوصا من يعمل في الأمن منهم. ونذكر أن أحد اللاجئين وكان عاملا ومستأجرا لمنزل على غرار اللاجئين الذين يقطنون في بيوت الإنشاءات غير المكتملة أو مراكز الإيواء؛ حيث أتت دورية أمن مشتركة عند منتصف ليلة إلى باب منزله، وطرقوا الباب ولما خرج لهم سألوه هل أنت فلان؟ قال نعم! وكلفته هذه النعم نصف ساعة من الضرب المبرح من قبل خمسة أفراد مسلحين بالكثير من الأشياء، لدجة أن علامات الانتفاخ على وجهه وجسمه وآثار الكدمات بقيت سبعة شهور واضحة كأنها حدثت لتوها. هذا الرجل اختفى بعدها بعام تقريبا على حاجز مع ابنه الشاب، تاركا عائلته دون معيل، ولينتشر خبر أنه وابنه ممن عرضت جثثهم بين صور قيصر.

            بعد أن خفت حدة الاشتباكات وفتح الطريق إلى دمشق، بقيت البلدة المجاورة لنا محاصرة، وجرت عدة حالات خطف بيننا، لكن عناصر الشرطة في يوم من الأيام اشتبكت مع جماعة خاطفة وقتل على إثرها شرطيان وجرح آخرون؛ بعدها ألقي القبص على الخاطفين، وتمت تصفيتهم في فرع الأمن العسكري. وحصل أن أعاد الجيش الحر عدة مرات مخطوفين لبلدتنا من خلال وساطات بيننا؛ لكن الإشاعات والجهات التي كانت تحاول زرع الخلافات بيننا كانت تشيع الكثير عن ممارسات الدفاع الوطني، وبالعكس. عندها، أخذت على عاتقي كشف تلك الشبكة.

“بعدين هنت حاطط صورة بروفايلك استقالة شكري القوتلي! بدك الرئيس يستقيل يعني؟! أكيد نحنا مع الديمقراطية، والسيد الرئيس مع الديمقراطية، بس هلق ما عاد في اعتقال متل قبل، شوفة عينك صايرة القصة قوس وامشي!”

            بدأت بجولة على معارفي في البلدة، وبدأت بإخبارهم عما حدث ثم بطريقة غير مباشرة أوصلت الأخبار للدفاع الوطني والفرق الحزبية من مصادر قوية بالنسبة لهم، وختمتها بزيارات رجال الدين، وكان أن كللت هذه الجولة بإنشاء خط للتنسيق بين البلدتين عند وجود أي مشاكل بينهما، وهو خط بين رجال الدين، شرطه الأساسي أن للبلدتين موقفا معارضا من الاقتتال بين الجيران، وعند وجود مسلح من أي من البلدتين بنية سيئة في بلدة الآخر فدمه مباح.

            لكن هذا الكلام الذي قبله الشيوخ لم تقبله الفرقة الحزبية، ولا فروع الأمن، رغم أن الدفاع الوطني وقف مع رغبة رجال الدين، وحين بدأت الحلقة تضيق حولي، أخبرني أحد كبار بلدتي أن فلان من المخابرات الجوية يريد الالتقاء بي وزيارتي؛ بعد نصف ساعة، وبالفعل قدم لوحده وبلباس مدني، وأول ما كلمني به، أنه كان بصدد اعتقالي، لكن لي حظوة بين كبارية البلد، لذا طلب منه أحدهم أن يجلس معي لنتفاهم، ودله على منزلي! بقيت أربع ساعات أستمع فيها إلى خطب بعثية تمجد بالقيادة الحكيمة والانتصارات والقضاء على التكفيريين وقوة الجيش والقائد. وفي ختام حديثه قال لي: “بعدين هنت حاطط صورة بروفايلك استقالة شكري القوتلي! بدك الرئيس يستقيل يعني؟! أكيد نحنا مع الديمقراطية، والسيد الرئيس مع الديمقراطية، بس هلق ما عاد في اعتقال متل قبل، شوفة عينك صايرة القصة قوس وامشي!”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × واحد =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى