ذاكرة حدث

السقوط عند الحاجز

لقد كنت في انتظار دوري في المستوصف ولكن عيناي كانتا تجولان في كل زاوية في المكان، أراقب الجميع كيف يعملون بلا مبالاة واضحة للعيان، مرت بالقرب مني امرأة تشتم على الهاتف، يبدو أن الجميع هنا ولست وحدي من يتأفف من الانتظار ومن تجاهل موظفة الاستقبال لانتظاره الطويل هنا.

يبدو أو لا أحد من هؤلاء الموظفين وقف على حاجز، سواء أكان للنظام أم للمعارضة من قبل، تجربة الوقوف على حاجز، تجعل من صاحبها إنسانا حذرا جدا مع الوقت. 

من الصعب اختصار الحديث عن معابر حلب بسهولة دون استحضار التجربة ذاتها وكأنها حدثت للتو، تحتاج ذاكرة من نوع خاص كي تستطيع التخلص من طيف تلك المعابر التي تحولت من حد فاصل بين أرض الحرية وأرض النظام ومن ثم أصبحت معبرا تجاريا بين شطري المدينة المقسمة يعبره شتى أصناف البضائع  وبين الحين والحين كانت ساحة معارك بين الجميع.

أرض مرصودة من قناصين لا يعرف لأي صف ينتمون، -أخبرني أحدهم لاحقا بأن القناص في صف الموت فقط-

مشينا باتجاه المعبر من محاذاة جسر السنديانة حتى وصلنا لساحة واسعة تحت مرمى أكثر من فوهة بندقية، كان الجميع مكدسين خلف بعضهم بعضا بانتظار فتح الحاجز، بعضهم يحمل حقائبه على عربة صغيرة وبعضهم يجر أبناءه بيد ويحمل أكياسا باليد الاخرى، الجميع كان يحمل ملامح خوف على وجهه والدور ممتد إلى ما لا نهاية.

في ذلك اليوم لم يستطع مروان شريكي في السكن النوم من شدة الألم في بطنه ولا يوجد أي طبيب هنا في منطقتنا، كنا اثنين ندرس نفس الاختصاص وكلانا قادم من ريف دير الزور، كنا غرباء عن هذه المدينة.

غادرنا المنزل في الساعة الثامنة صباحاً، مشينا باتجاه المعبر من محاذاة جسر السنديانة حتى وصلنا لساحة واسعة تحت مرمى أكثر من فوهة بندقية، كان الجميع مكدسين خلف بعضهم بعضا بانتظار فتح الحاجز، بعضهم يحمل حقائبه على عربة صغيرة وبعضهم يجر أبناءه بيد ويحمل أكياسا باليد الاخرى، الجميع كان يحمل ملامح خوف على وجهه والدور ممتد إلى ما لا نهاية.

كان جسدي يهتز بعنف مع دقات قلبي حتى شعرت بأن رأسي سيسقط عن كتفي وكان مروان يلتوي قربي من ألم معدته محاولا عبثا التقيؤ مع كل مرة نسمع فيها صوت رصاص آت من بعيد، شعرت بحاجتي للقيء أيضا.

شعرت أنني منذ دهر أقف على هذا الحاجز ولم أكن أدر من قبل بأنه قد يكون خطرا لهذا الحد.

رشقات رصاص من بعيد، يبدو أنها سقطت قربنا، وبدأ الجميع بالجري أمسكت مروان من كنزته الصوفية وبدأنا بالركض مع الراكضين، الأصوات تملأ الآذان:

روحوا عاليمين… لا تروحوا عا البساتين …انبطحوا عا الأرض

لقد كان أكثر من قناص من أكثر من اتجاه يستهدفون الناس الراكضة بعشوائية في جميع الاتجاهات.

كأن حملة السلاح كانوا يتراهنون على عدم بقاء أي شخص ممن يتواجد في الساحة:

-امرأة تركض بكيس دون أن تنتبه بأنها أسقطت جميع أغراضها وراءها 

-دماء تسيل من كتف شاب يحمل طفلا سقط في منتصف الطريق

-أصوات تأتي من بعيد نحو شخص ينزف بغزارة ملقى على الأرض بعيدا تطلب منه التشهد

-امرأة تصرخ على رجل يقف وراء الرصيف يبدو أنه زوجها أو أخوها: ابني ابني هونيك

بقيت أركض وقتها دون أن ألتفت حولي، حتى مروان لم أجده خلفي. 

كنت أغمض عيني كلما سمعت صوت الرصاص، في الخطر يشعر الشخص برغبة أن لا يرى شيئا.

أن لا يرى موته ربما…

مرت رصاصة بالقرب مني، سمعت صفيرها، أغمضت عيني ثانية، تعثرت ولم أدر كيف نهضت وركضت من جديد تاركا خلفي رجلا على الأرض يصرخ، ربما كانت هذه الرصاصة من نصيبه.

سمعت صراخ الناس:

مات الزلمة مات الزلمة

انعطفت إلى اليسار في مدخل بناية مهدمة، وقفت ألهث من التعب، كان هناك خمسة رجال في المدخل، يبدو أن الخطر قد زال هنا.

وقفت أختلس النظر لبعيد لأرى ما حل بالرجل الذي سقط خلفي، كان هناك ثلاثة شباب يحاولون سحبه بواسطة سيخ معدني من منتصف الشارع وصوت الرصاص يذكرهم كل قليل بأن القناص لم يغادر موقعه.

لا يمكنك إذا كنت تركض مع صديق لك وأصابته رصاصة في هذا المعبر، أن تحاول إسعافه، أو حتى الاطمئنان عليه؛ و إلا ستكون الضحية التالية على إشارة التقاطع في بندقية القناص.

ابتعدت عن الخطر لكن صوت الرصاص لم يهدأ في ذاكرتي وهو يشق الهواء نحوي.. 

مشيت قدما نحو الحاجز الثاني، حاجز النظام، لقد كان دورا طويلا آخر لا منته وكان هناك ممران للتفتيش أحدهما للرجال وآخر للنساء.

كانت الناس تمشي على أرض زلقة بفعل الخضار والفواكه المتعفنة الملقاة هنا وهناك، روائح العفن تسد الأنوف فيما يقف رجال النظام من اليمين والشمال يقيسون الناس برغبة واضحة باعتقال أكبر عدد منهم، أي شخص على الحاجز يتأفف يكون عرضة للاعتقال.

التأفف والتململ على الحاجز تهمة في قوانين النظام تعرض صاحبها لعقوبة الإهانة والضرب وربما تصل العقوبة حد الاعتقال إن كان مزاج رجال الحاجز ليس على ما يرام.

لا يزيد عرض الممر المخصص لمرور البشر عن مترين يمر خلاله الجميع، أطفالا ورجالا ونساء وشيوخ ومرضى وصناديق بأطنان الكيلوغرمات من الخضار والفواكه والوقود يوميا فيما عناصر النظام من الجانبين لا تتوقف عن الصراخ والشتيمة.

أخرجت بطاقتي الشخصية مع البطاقة الجامعية وقدمتها لعنصر الحاجز الذي كان مبتسما لسبب ما، أخذ بطاقة الجامعة وأمسكها بالمقلوب ومن ثم حاول قراءتها كما هي وهو يضحك:

ما تقرا هندسي ؟؟!

لم أجرؤ على النطق بنعم، أصوات الرصاص في أذني ما زالت تمسك لساني عن الحركة.

هززت رأسي بنعم، والعنصر يمسك بالبطاقات بيده، قرب يده قليلا معلنا موافقته على وجودي في هذه الحياة، مددت يدي والتقطت البطاقتين منه وأكملت قدماي مهمة خروجي من هذه المتاهة.

وصلت حي الأنصاري حوالي الخامسة مساء، أعدت ترتيب ثيابي وذهبت باتجاه المستوصف الذي اتفقت أن آخذ مروان إليه، وصلت هناك ولم أجد مروان، بقيت ساعة أخرى ومن ثم ذهبت لأجد ما آكله، كنت منذ الصباح بلا طعام.

كان علي أن أجد مكانا أنام فيه اليوم لأن المعبر يغلق في الساعة الخامسة مساء ولا مجال للعودة هذه الليلة، كان منزل صديقنا محمد الشاب القادم من دمشق لدراسة الطب يقع في الجهة الأخرى من المدينة وخطر ببالي التوجه هناك مشيا على الأقدام.

لقد كانت حلب مدينة أخرى تماما، لا تشبه مدينة الرصاص التي عبرتها هذا الصباح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى