ذاكرة لجوء

بعضٌ من سراب

«رائعٌ أخي “أبو تيم”…

سائق حافلةٍ للنقل الداخلي، عملٌ جميل ومردوده جيّد…».

بين القادم المجهول والغابر إلى غير رجعة؛ حكايةٌ، تحملها أجنحة الحاضر لترتسم هيئة المعيش اليوميّ على لوحة حياتنا فرحاً أو حزناً أو ألماً أو كراهيةً أو أسفاً وقلقاً واكتئاباً…. وتموج الذكريات بألف حكاية تتفجّر من طيات تراب المحفوظ في اللاوعي وصخوره؛ ينابيع شتّى لرسوم الماضي، تسيل جداول تروي ظمأ الحاضر من الحنين.

حين عرجت إلى الحافلة، لم أنظر في وجه السائق، إذ لم يخطر ببالي التعرّف إليه أو أنني أعرفه؛ وهمّي كان أن ألحق بالحافلة المتّجهة إلى “نيرزن (Niersen)”، في ريف مدينة “منشنغلادباخ (Mönchengladbach)” الجميل، بعد أن شجعني على رؤيته أحد الأصدقاء، لخصوصيته بالهدوء والجمال ونقاء الهواء.. فقط أريته بطاقتي مع عبارة: طاب يومك (Guten Tag).

لم يعرفني هو؟! بالتأكيد لن يعرفني، كان همّه أن ينعطف إلى موقف الحافلة الذي سبقني إليه بأمتارٍ، ليلتقط من يعدو تحت المطر يريد أن يسبقه إلى الموقف، كما أن الكمّامة كانت تلتهم ثلثي وجهي، وقبّعة المعطف تغطّي ما تبقّى، والمطر الغزير المنهمر بللها وبللني، حتى النظارة الطبية التي أضعها فوق أنفي كانت مبرقعة بالقطرات، وزادها غباشاً البخار المتصاعد لحظة ولوجي الباب. أجاب السلام هامساً: (Guten Tag)، وانطلق، في حين توجّهت إلى مؤخرة الحافلة، وجلست على مقعد مرتفع بجانب النافذة، لأرى جمال الريف الألماني الذي يخلب اللب.

“أبو تيم” رجل سوريّ أربعينيّ، يحمل شهادة البكالوريا العلمية، قضى جزءاً من حياته مغترباً في إحدى دول الخليج العربي، جمع خلالها ما يكفي لحياة كريمة، ليبدأ حياته في مدينته “درعا”، لكنّ الحرب الدائرة هناك منذ سنوات عديدة بعد ثورة الربيع السوري، هجّرته كما هجّرت الملايين من السوريين. اختار ألمانيا مستقرّاً له ولعائلته، آملاً بحياة كريمة ومستقبل مشرق لأبنائه. بعد عراك سنوات مع اللغة الألمانية الصعبة على المشرقيين عموماً، حاز شهادة اللغة التي تؤهّله ليعمل سائقاً عموميّاً في شركة النقل الداخلي، والتحق بدورة اختصاص للسائقين في الشركة لعدّة أشهرٍ.

الحافلة تعدو منسابة بين البلدات الريفية، تنتهك أزقتها القديمة وبعض ملامح عصورها الغابرة، لتنطلق بين الحقول والغابات فاردةً جناحيها للهواء والبرد، والمطر يرسم قوس قزحٍ جميلاً فوق السهوب، ويغتسل برذاذه المنساب الشجر والطرقات والبيوت.

بعد أقلّ من ساعة بقليل، أفقت من شرودي على صوت السائق، ينبّهني إلى أننا وصلنا المحطة الأخيرة، ظانّاً أنني سهوت أو غفوت. أجبته أنني سأعود معه إلى المدينة، ومع عبارة الشكر التي ختمت بها جملتي ولم أتمّها، كان خارج مقعده، يتّجه إلى الباب للخروج من الحافلة، لاستراحة دقائق ريثما يحين موعد انطلاقه في خط العودة، وليدخّن سيجارته.. التقت أعيننا بدهشة وصاح بالعربية: أهذا أنت؟ وأنا صحت: “أبو تيم”؟

تصافحنا واحتضن أحدنا الآخر، رغم تحذيرات التباعد والكمّامة بسبب جائحة “كورونا”، والمخالفة الكبيرة التي يدفعها المخالف، مستغلّين أنّه لم يكن في الحافلة غيرنا.. منذ أشهر لم نلتقِ بسبب الحجر الصحيّ، وكان اللقاء مفاجأة جميلة وغير متوقّعة…

عرفت “أبو تيم” منذ ثلاث سنوات، حين كان يحضر لامتحان اللغة الألمانية، ومنذ سنة أنجز شهادة القيادة في النقل العام، وبدأ مشوار تقديم طلبات التوظيف، في أكثر من شركة وفي مختلف أرجاء المقاطعة، متناسياً عمله السابق في العلاقات العامة، الذي استلم فيه مدير العلاقات العامة لسنوات في شركة خليجية ضخمة، قبل عودته إلى سورية.. لكنّ المعاناة التي يعانيها المرء هنا؛ تكمن حقيقةً في أنهم لا يريدون منك أن تعمل على شهادتك، وإنما في أيّ عمل خدميّ، مهما كانت مصاعبه، دون النظر إلى الشهادة التي تحملها، ولم تتسنَّ الفرصة إلا لمن رحم ربّي ليعمل على شهادته واختصاصه. عامل اللغة له الدور الأصعب في المسألة، يأتي بعده الحظّ والسعي.

العمل ليس عيباً، بالتأكيد.. لكنْ، أن يعمل الإنسان في غير اختصاصه الذي أمضى من ريعان شبابه سنوات طوال من التحصيل العلمي فيه، فأرى أنه انتقاصٌ من إنسانيته وحقّه في ممارسة المهنة التي يعرف ويحبّ.

الكثيرون من حملة الشهادات العليا يعملون في غير اختصاصهم.. صديقي “زيد” مثلاً يحمل شهادة الماجستير في الرياضيات، وكان معيداً في جامعة سورية، ابتسم له الحظ ليعمل محاسباً في إحدى الشركات الصغيرة، براتب مقبول نسبياً، رغم أنه سعى جهده ليعدّل شهادته ويعمل مدرّساً.. وصديقي “سامر” يحمل شهادة الماجستير في التاريخ، وكان معيداً جامعياً أيضاً، استطاع الحصول على وظيفة مع جهة حكومية في الترجمة ومساعدة اللاجئين، بعد أن تفوّق باللغة وحاز فيها مستوى جيداً.. صديقي “أيسر” مهندس ميكانيك، ما زال ينتظر منذ سنوات جواباً من أكثر من أربعين شركة سيارات وآليات، أرسل إليها طلبات توظيف، رغم تفوّقه في مجال اللغة، ومتابعته لدورة تخصصية في اختصاصه…. والقائمة تطول وتطول.

كثيرون يعملون في مجالات بعيدة كل البعد عن اختصاصهم، خرّيج كلية حقوق ويحمل شهادة قاضٍ متدرّب من مجلس القضاء الأعلى في سورية، يعمل في معمل تغليف وتعليب.. قاضٍ آخر اتّجه ليعمل شريكاً وبائعاً في سوبرماركت، حيث تيسّر له من يدعمه ببعض المال.. في حين نجح صديقي “سمير” طبيب الأسنان في تعديل شهادته، والحصول على الدورات والامتحانات اللازمة، وعمل لأكثر من سنة في عيادة تخصصية، والآن افتتح عيادته الخاصة.. أما صديقي الآخر “فراس”، الحائز ماجستير في الاقتصاد بتخصص محاسبة من جامعة “دمشق”، وبعد أن حاز مستوى عالياً في اللغة الألمانية ودورات تخصصية في المحاسبة وتدريباً طويلاً في شركة كبيرة، وحاز تعديلاً لشهادته باللغة الألمانية؛ فما زال ينتظر فرصة العمل، بعد أن أرسل عشرات طلبات التوظيف إلى العديد من الشركات.

العمل ليس عيباً، بالتأكيد.. لكنْ، أن يعمل الإنسان في غير اختصاصه الذي أمضى من ريعان شبابه سنوات طوال من التحصيل العلمي فيه، فأرى أنه انتقاصٌ من إنسانيته وحقّه في ممارسة المهنة التي يعرف ويحبّ. إلى أين نحن ماضون؟! وماذا ينتظرنا في بلاد قدّمت لنا ما لم يقدّمه الأشقاء، ولم نشعر بعد نحوها بالانتماء التام؟! كل شيء يقول لك إنك غريب هاهنا.. كيف ستلوي بنا الحياة بمنعرجاتها ومحطّاتها، قبل بلوغ المحطّة الأخيرة؟؟!!

“أبو تيم” نزل معي من الحافلة في محطتها الأخيرة، حيث انتهى عمله لهذا اليوم، كان مرتاحاً وفرحاً بتحقيقه لعملٍ محترمٍ وذي دخل جيد، وقال باعتزاز: «سأعرّفك ببعض السوريين الذين أثبتوا جدارتهم، وحازوا ثقة شركة النقل الداخلي، بخبرتهم ولغتهم، وأصبحوا سائقين لحافلات النقل الداخلي». كانوا أربعة يقفون على رصيف المحطة: “باسل” الذي كان في سنته الجامعية الأخيرة بالتجارة والاقتصاد في جامعة “دمشق”؛ و”أحمد” طالب دراسات عليا في الجغرافية، و”أحمد” أيضاً خريج معهد متوسط بالسكرتاريا وإدارة الأعمال، وشابّ آخر- نسيت اسمه- كان في سنته الأخيرة في الهندسة المعمارية.

– «الحمد لله.. العمل عملٌ أيّاً كان في النهاية أخي “ماجد”.. المهم أن يشعر الإنسان بالاستقرار والأمان». قالها المهندس- الذي نسيت اسمه- دون أن تخفى علامات الحسرة والامتهان والانكسار على محيّاه.

في المحطة، أحرقنا لفافات التبغ في دقائق، وانطلق بنا “أبو تيم” في خط العودة. جلست في المقعد المجاور له، ورحنا نتجاذب أطراف الحديث دون أن نشعر بطول المسافة..

و”الحافلة” تمضي بنا إلى مستقرها الأخير…..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × واحد =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى