ذاكرة حدث

عاد إلى الحياة

“يقولون إن أخا عماد قد توفي لكنني لم أعرف أيُّ أخٍ له هو الذي توفي، تأكدي وأخبريني…”

كانت تلك الكلمات التي نطق بها أخي عبر الهاتف كافية لتنقلني من جلسة هادئة وكسولة في منزلي، إلى حالة فزعٍ وانهيارٍ وهيجان لم أعد أعرف بعدها ما أفعل، فسقط مني الهاتف ببطء دون أن أكمل سماع ما يضيفه أخي. فشقيق عماد هو صديقي الذي يخدم في صفوف الجيش في دير الزور، صديقي منذ الطفولة، فما كان بي إلا أن فزعت وصعقت وذهبت روحي إلى حيث هو. يا إلهي لا بد أن معركةٌ ما قد أودت به هناك، فهو يخدم في منطقة قريبة من تواجد عناصر داعش، أما شقيقه الثاني فهو صغير ولا يتواجد في مكان خطر مثله بل هنا في القرية.

كان زوجي بجانبي ولاحظ انهياري المفاجئ، فحاول أن يفهم مني ما سمعت على الهاتف وما الذي حل بي، لكن الكلمات خانتني لحظتها وعجزت عن التفوه بكلمة أو التعبير عما ينتابني، وبالكاد أوصلت له أن علي الاتصال بصديقي سامر وهنا أخرجت رقمه من الهاتف للاتصال به، فكانت المفاجأة أن خطه مقفل.

نعم كان خطه مقفلاً، وذلك ما زاد يقيني بصحة الخبر، فهممت للاتصال بزوجته، ليعطي النتيجة نفسها أيضاً (مغلق)، وهنا عجزت عن تذكر أي شخصٍ جديد يمكن لي الاتصال به والتأكد عما إذا أصابه شيء أم لا.

كان سامر قد زارني قبل أيام وتحدث لي عن رغبته بترك الخدمة الاحتياطية، بعد أن مل انتظار مرسوم تسريح جديد، فشجعته أنا وزوجي على ذلك، متسلحين بأن غالبية الشبان في المحافظة لا يلتحقون بالخدمة، وأن عليه أن يلتفت إلى ابنته الصغيرة والوحيدة التي لم يتسنَ له رؤيتها كثيراً منذ ولادتها قبل سنتين. لكنه كان قلقاً على خسارة وظيفته في التعليم التي يحبها ويرغب ألا يفصلوه منها بسبب عدم التحاقه بالجيش، ويرى فيها عملاً مناسباً له كونها تتيح له الحرية في فصل الصيف مما يمكِّنه من العمل في معهد التعليم الذي أنشأه في القرية، وأن فصله من الوظيفة سيلقي به في أعمال تحتاج منه الالتزام طوال العام وتبعده عما يرغب أن يكونه.

اتصال أخي أعادني إلى تلك الزيارة، التي لم يقتنع فيها بكلامنا كثيراً فعاود الالتحاق، أو ربما استطاع تجديد أمله بمرسومٍ جديد، أو ربما هو الكسل أو الخوف من المغامرة. فشعرت حينها بتمني لو أني حبسته في منزلنا ولم أتركه يذهب، لو أني وقفت بوجهه ومنعته من المغادرة، لو أني كبَّلته من يديه أو ضربته حتى يتكسر عظمه ويعيقه عن الذهاب ولم أسمع خبراً سيئاً عنه كالوفاة.

يا إلهي كم باتت تحتاج هذه البلاد إلى شخصيةٍ متشعبة ومعقدة قادرة على استيعاب مئة حدث وذكرى بلحظة واحدة.

كم شعرت بالندم، والقهر والإحباط أمام واقعنا هذا، وأمام يوميات حياتنا التي باتت مجبولة بالموت أو الخوف من الموت على أبسط تقدير.

تجمعت كل تلك الأفكار والذكريات في رأسي بينما أنا أحاول الاتصال به مجدداً، ليأت الرد بأنه مغلق أيضاً.

يا إلهي أين رميتنا في بلادٍ ممنوع على أبنائها العيش، مجرد العيش، ممنوع عليهم أن يكونوا لجانب أبنائهم وأصدقائهم. ألا يكفينا من غادر البلاد وتركنا مع ذكراه، ألا يكفينا من رقدوا تحت التراب قهراً أو قتلاً في السنوات الأخيرة، متى تنتهي هذه الحرب اللعينة، ألم تشبع من دماء أبنائنا بعد؟

ألا يكفينا آهات المعتقلين التي وإن أبعدناها عن تفكيرنا جاءت في مناماتنا، ألا يكفينا كل ما حدث وحصل من مآسٍ وأهوال؟

أعاود الاتصال به مجدداً، لكن المفاجأة هذه المرة أنه يرن، نعم إنه يرن، في هذه اللحظة بالذات شعرت أن رنة الهاتف تطول وتطول معها أنفاسي التي توقفت، وكأن الحياة كلها اختصرت برده على الهاتف، لأرى هل سيرد وهل أصابه مكروه حقاً، وفجأة تتم الإجابة لكن بصوت أخيه المتعب:

“ألو …”

فقط ألو. لماذا لم يرد سامر، الخبر صحيح إذاً ها هو هاتف سامر بيدي أخيه الكبير، فسامر كان يجيبني دوماً بفرحٍ وابتهاج، وينطق محتفياً بظهور اسمي على هاتفه: “أهليين إم اللول” نعم هكذا كان يرد، الخبر صحيح إذاً، فيتركني مشدوهة لا أجيد الكلام، لكنه يقول فجأة:

“ألو لمى وينك”

يا إلهي لحظة من فضلك، إنه صوته، صوته هو لا صوت أخيه، نعم حقاً صوته لا صوت أخيه، فأسارع إلى سؤاله: “مين معي سامر؟”

“نعم سامر سامر”

إنه هو حقاً ويبدو الخبر كاذباً، فأسارع بالقول له:

-“لك كيفك يا كلب”

-“ماشي الحال …”

-“شو وينك انت؟”

-“أنا عالطريق من الخدمة عالبيت”

-“إي منيح يعني رح نشوفك”

-“ما بعرف ما بعرف، يا لمى دخيلك يا لمى، اتوفى أخي الصغير يا لمى”

-“عن جد …”

-“إي والله يا لمى”

وهنا يبدأ هو بالبكاء، وأبدأ أنا بفهم ما حصل، نعم حقاً الخبر صحيح وقد توفي شقيق عماد، لكن لا شقيقه صديقي، بل شقيقه الأصغر والذي لم أتوقع أن الخبر عنه، فهو هنا في القرية ولم أسمع أنه مريض أو ما شابه، يا إلهي لكن كيف ذلك، فأسأله ليجيبني بأنه توفي بنوبة قلبية، علماً أنه لا يتجاوز الثلاثين.

نعم هكذا بات الموت يهاجمنا دون أسباب واضحة، ودون مقدمات، فلم يعد من الضروري أن يتحجج بمرض شخصٍ ما كي يأخذه من بيننا، بات يعمل دون أية تصريحات أو ورقة رسمية، كمقيمٍ غير شرعي وصاحب عمل غير شرعي، يعمل متى يشاء وكيفما يشاء دون استئذان أحد.

نعم لقد مات شقيق صديقي، لكن صديقي عاد إلى الحياة إذن بعدما ظننته هو من مات، لم أعرف كيف أكمل مكالمتي معه، فهل أقول له مثلا الحمدلله أنه شقيقك لا أنت؟ كيف لي أن أوصل له أن مصيبتي كانت أكبر فيما لو هو الذي مات، كوني لا أعرف شقيقه كثيراً، كيف لي أن أعبِّر هكذا وهو المكلوم الآن بوفاة شقيقه وعليَّ أن أواسيه بذلك الآن كونه صديقي المقرب.

يا إلهي كم باتت تحتاج هذه البلاد إلى شخصيةٍ متشعبة ومعقدة قادرة على استيعاب مئة حدث وذكرى بلحظة واحدة.

فاكتفيت بالقول: “الله يرحمو” وأغلقت الهاتف وأنا أبكي وأبكي وأبكي .. لكن لا تسألوني على ماذا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى