ذاكرة لجوء

ملاقاة ملتجي

وللملاقاة أنواع؛ بعضها وقائية وبعضها إرشادية وبعضها علاجية؛ وبعضها بحثية، وبعضها للتعارف وبعضها للتوظيف وبعضها لدراسة الحالات النفسية.. في هذا الفضاء الشاسع مع اللجوء، نصادف كل أنواع اللقاءات إلا لقاء ذاك المجتمع الحميم الذي سلخونا عنه.

            تصدر من فمه بلكنة تركية يقول “مولاكات” ويقصد بها “الملاقاة – المقابلة” ويشرح وضعي بلفظة عربية “مولتجي” ويقصد بها “لاجئ” ليكون موضوع مقابلته “مقابلة لاجئ” صحفي تركي شاب، يجري مقابلة مع اللاجئين السوريين ليسألهم عن أحوالهم ويجري تحقيقه الصحفي حول الاندماج السوري بين المجتمعات التركية في عنتاب.

– ماذا كنت تعمل قبل أن تأتي إلى هنا؟ 

– كنت أعالج الأطفال الذين شوهت الحرب مجتمعاتهم ونفسياتهم، وأهتم بأجسامهم التي تمزقت، وتصرفاتهم التي انحرفت! وأعتني بذويهم، وأعيد لهم مرونتهم.. 

ماذا تعمل اليوم في تركيا؟ 

– أعالج الأطفال الذين شوهت الحرب مجتمعاتهم ونفسياتهم، وأهتم بأجسامهم التي تمزقت، وتصرفاتهم التي انحرفت، وأعتني بذويهم، وأعيد لهم مرونتهم!

– ماذا ستعمل في المستقبل؟

– سأعالج الأطفال ونفسياتهم وأجسامهم وسلوكياتهم وذويهم! “تبا من هو الذي بقي مكانه؟! أنا أم الأطفال أم ذويهم أم مجتمعهم أم كلنّا علقنا في نقطة زمنية!؟..”

– ماهي دراستك؟ هل تدرس اليوم؟ كنت أيضا لا أزال عالقا في ذات التفصيل.. تلك السنوات وقفت مكانها رغم إحساسنا بالمدة التي مرت بها مضاعفة! كنت ولازلت أدرس في ذات المرحلة وذات التخصص؛ ما تغير هو الجامعة واللغة والمدرسون!

– لماذا خرجت من سوريا؟ ماذا أقول له وكيف أشرح أن إبليسا جمع شياطين الأرض، يحكم من تحت الأرض من هم فوقها؛ ويتصرف بهم كما لو كان “زيوس” كلّي الجبروت ذاته! وأن شياطين آخرين كانوا في جحور تحت الأرض خرجوا من غابر الزمان وعادوا ينحرونا وينقبوا نسائنا، ويسبوا كل من خالفهم ويغتنموا أرزاقه ويذبحونه كالشاة! تلك الشياطين تقتتل بشكل صوري على الشاشات وتسحل بثقلها كل من بقي في ذاك السجن/المزرعة الذي يسمى مجازا/مهزلة: “وطن”.

بالإضافة إلى خاتم خطبتي وتذكارات خطيبتي ومنمنماتها، وساعة أخي وقلم أبي، وفنجان صديقتي وعليقة مفاتيحي الفارغة، وولاعة سجائري الفاخرة، وآخر عملة ورقية ومعدنية بقيت معي، حملت اسمي وثلاثة وثلاثون سنة وهويتي.

– هل تحب وطنك؟ لم أعلم لما كان لهذا السؤال من فم تركيٍ وقعٌ أفاض كل جروحي كما لو أنها ينابيع تفجرت! حاولت أن أوقف ما سيحدث لكن عيناي آلمتني، وبدا عليهما الاحمرار كما على وجهي، فغادرت الطاولة معتذرا حتى أتمالك نفسي بعيدا عن المقابلة. في الحقيقة لا أعلم إن كنت أحب وطني أم أنني كرهته لكثرة خيبات الآمال التي علقتها على مجده واهما، ومن يأسي من التغيير الذي حلمنا به.

– كيف هي علاقتك بالأتراك؟ “كنت أجول بذاكرتي في سؤاله لكن في اتجاه علاقات التنافر الحاصلة بين أبناء الوطن المقتلين!” إنها جيدة عموما معي، لكن أبناء وطني لطالما اشتكوا من العنصرية التركية تجاههم!” وغصصت قبل أن تخرج من فمي جملة “في الواقع إننا عنصريون تجاه بعضنا البعض أيضا!” ولم أقلها.

– هل حملت أي ذكريات من سورية؟ بالإضافة إلى خاتم خطبتي وتذكارات خطيبتي ومنمنماتها، وساعة أخي وقلم أبي، وفنجان صديقتي وعليقة مفاتيحي الفارغة، وولاعة سجائري الفاخرة، وآخر عملة ورقية ومعدنية بقيت معي، حملت اسمي وثلاثة وثلاثون سنة وهويتي.

لا أعلم لم أحسست بثقل كبير هبط على مزاجي، عندما أنهينا المقابلة! غادر الصحفي ومترجمه الطاولة وبقيت وشعور من الإهمال ينتابني، ولا يخامرني أدنى شعور بالرضى كوني كنت قبل دقيقة واحدة محط اهتمام الصحفي ومرافقه لساعتين ونصف! بقيت لحظة أحاول تفسير ما بيّ؛ وأربط الصورة بكليتها بالذكريات والخبرات والتجارب المؤلمة، علّي أرسى على تفسير ما! من قال إن استرجاع الذكريات المؤلمة والتحدث عنها قد يصيبنا بالراحة؟! كل من عرفتهم ممن عملوا في هذا الاختصاص! لكنهم ربطوها بعدة شروط؛ أولا، أن يكون محاورك يملك مهارات التواصل، كالاستماع الفعال، ولغة الجسد، والتفهم، وعدم الحكم وغيرها.. ولكن الصحفي ومرافقه يملكانها! ثانيا، أن يكون الجو يساعد على التواصل، لقد كان الجو هادئ والموسيقى لطيفة والتواصل على أتمه! ثالثا، أن تكون عملية الاسترجاع منظمة ولها هدف واضح وهو التبصر بالذكريات المؤلمة التي تبقى تعمل وتنشط في الخفاء وتعكر صفو مزاجنا؛ وهذه أيضا كانت متوفرة فقد كانت الأسئلة محكمة ومتسلسلة! إذا ما بي؟

باتت حياتنا كلها مقابلات؛ بشكل شبه يومي، نقابل أناس نعرفهم أو لا نعرفهم؛ نتقدم إلى وظيفة ما ونجري مقابلة عمل، حين نكون في المقابلة تكون الأسئلة عموما: ماذا عملنا سابقا؟ ماذا نعمل الآن؟ والسؤال الغبي أين ترى نفسك بعد خمس سنوات! دراستك والتدريبات التي خضعت لها! على ما يبدو  إن دسّ مسبار في عمق تاريخنا لاسترجاع وكشف خبراتنا السابقة يحمل  في طريقه إلى الخروج خبرات وتجارب أخرى مرتبطة بالخبرات التي دَسّ المقابل مسباره لأجلها، تلك الخبرات الثانوية التي خرجت عادة ما تكون مؤلمة تعود وتحرك علينا مشاعرها دون أن ندري، تمر بجزء من الثانية ذكرى مزعجة تترك في مزاجنا نتفة ثلج تتدحرج من قمة لتكبر وتصبح كتلة وتلم حولها كل الذكريات السلبية المتشائمة الجارحة المحبطة.. يخرج المرء من المقابلة حاملا كل تاريخه وحتى ظله على ظهره جارا نفسه على طول الطريق ولا يعرف لم! وتعود نتيجة المقابلة بالرفض إن لم تكن هناك “واسطة”.. ومع تكرار السيناريوهات؛ مقابلة مُتعبة نفسيا، ورفض! يدخل الإنسان في حلقة مفرغة، ويولد الإحباط أداء أقل جودة في المقابلات، والتي تعود بالرفض فيزيد الاحباط! وهكذا دواليك.

ينعكس ذلك على علاقاتنا، خصوصا مع الشركاء المحتملين، فإن ثقل الرفض في مقابلات العمل، يفرض معايير معينة وعبارات وكلمات مفتاحية وحتى إيماءات جسدية وتعابير وجه ونبرات أصوات تشير إلى رفض محتمل قادم! وقد يكون التفسير الذي وصل إليه الإنسان من خلف هذه المحذرات كلها خاطئ تماما، لكن المغامرة برفض جديد قد تغرق المركب، ولذا يكون الانسحاب هو الخيار الأسلم، وتوفير الجهد والوقت حتى ولو على حساب الخيار الأفضل. ربما هذا هو الاكتئاب، وربما إن تلك المجموعة من المنبهات إلى احتمالية رفض قادم كانت حصيلة خبرات مع الرفض حيث ارتبطت كل واحدة منها برفض ما. 

ليس الأمر محصورا في مقابلات العمل والمجتمع وحسب، بل ومع أنفسنا! كل مقابلة عارية بيننا وبين أنفسنا قد تثير عاصفة من الأوحال التي كانت مترسبة في قعر صدورنا، تضيق علينا أنفاسنا دون أن نحس بها! نحن نكره النقد وإعادة التفكير بقيمنا، ومراجعة عاداتنا، وأنفتنا ترفض الاعتراف بالخطأ، والاعتذار ضعف في عرفنا! والتحضر خروج من عباءة هويتنا، والثقة قُربةٌ ملئت زفيراً, وعلاقتنا بالشريك مبنية على التسلط؛ وعلاقتنا بالآخر قد تكون تزلفا، نحمل هوية غير هويتنا، وندعي ما ليس فينا، ونتمرجح على حبال الحيّل، وأهدافنا أنانية بحتة ومغرقة في فرديتها وسخامها! ولا تعبر عن اتساق بين قيمنا وهويتنا وسلوكنا مما يبدو منّا.

وحين تنقلب الأدوار؛ ونكون المقابِلين! تتفتأ جروحنا مع كل ذكرى وحدث وخبرة نسمعها أو نشاهدها، فترن على أخواتها في حوافظنا ليخرجن إلى ساحة الشعور، وندمع في الخفاء.. صارت الملاقاة هنا حديث مختصر؛ يكفي أن نرى آخر ظهور على الواتساب أو الحالة التي شاركنا بها مُقرب، أو دائرة خضراء في زاوية الفيسبوك لنطمئن على أصدقائنا، نكتفي بمن بقي منهم، ونبتعد عند أقل اتصال سلبي ببعضهم؛ ونتجنب التعارف! كان الاغتراب مصطلح يقال عمن يحس بغربة وهو في وطنه، فلا ينال حقوقه ولا ما يستحقه، وليس لديه مجتمع يحتضنه، وقيل هو أن تتغرب عن مجتمعك فتذهب عاملا أو لاجئا أو هاربا إلى مجتمع غريب؛ ثم عادوا ليقولوا إن من يتغرب قد يُكَوّن مجتمعا جديدا في الغربة ويتجاوزها؛ أما حالنا، فنحن ورغم وجود مجتمع كامل من اللاجئين، يملك كل مقومات المجتمع الذي عشنا به وأكثر، لم نستطع تجاوز الاغتراب في مجتمعاتنا الجديدة. بقيت أفكر بكل هذا بعد أن انصرف ذاك الشاب عن طاولتي، وقبل أن يغادر طلب مني صورة لتذكاراتي التي حملتها معي من سورية؛ وكم كانت أساريري منفرجة حين أعطيته بعض الصور، لأن معرض التذكارات الصغير الخاص بلاجئ، لم يبقى حبيس زاوية بيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × أربعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى