ذاكرة مكان

ذكريات حيٍّ من حيٍّ منسيٍّ

«الشارع الضيّق لا يكاد يتّسع لشاحنتين صغيرتين تتعاكسان بالاتّجاه، والنوافذ التي تسترق النظر إليه لا تتجاوز الأربعة في كل منزل، إذ يندر أن تجد بيتاً في شارعنا بثلاثة أدوار».

هكذا يحلو لصديقتي “عبير” أن تصف الشارع في الحيّ الذي ولدت فيه، في الثمانينيات المتأخّرة من القرن الماضي- القرن العشرين، والذي شبت فيه عن الطوق، وأنهت دراستها الجامعية وهي فيه، وتركته عام 2009، لتنتقل إلى بيت الزوجية في “ركن الدين”. تصف بيتها بشاعرية وحزنٍ على ما فات:

«البيت عشّ حمام بأربعة صناديق، وفسحة دارٍ تغطيها شجرة النارنج، تزاحمها الياسمينة على الجدار الأيمن وتسبقها إلى المدخل، لتطلّ برأسها على الشارع من كسور البلّور المستطيل الذي يعلو بوّابة الدار الحديدية الخضراء.

الدرج الصغير في زاوية الفسحة اليسرى لا يستقبل أو يودّع شخصين معاً، يرتقي إلى الطابق الثاني بارتفاعٍ حادٍّ نسبياً، ويتابع إلى السطح مُغيّراً اتجاهه أمام غرفتي ليظلّل نافذتها المفتوحة على الفسحة.

أمّا غرفتي فكانت وسع الكون على ضيق مساحتها، أشبه بمعرض تحفٍ شرقيّة مع لمسة فرح وجمال، السرير المزركش يحتلّ الزاوية اليمنى مقابل الباب تحت النافذة اليتيمة التي يعلوها الدرج، وطاولة الدراسة في الزاوية المقابلة من صدر الغرفة، في حين تشكّل الزاوية اليسرى غرفة ملابس بخزانة صغيرة، تجاورها المكتبة برفوفها الستة الضيّقة من جهة الطاولة، في حين يجاورها من جهة الباب الكومودينة التي تحتوي كل ما لذّ وطاب من المكسرات والحلوى والبسكويت والشاي والقهوة والعصائر…».

“عبير” صديقتي من أيام الجامعة، كثيراً ما زرتها في بيتها الذي وصفته وتتحدّث عنه، في حيّ “الطبب”، كنا نقضي أوقاتاً جميلة بين الدراسة واللعب وشرب “المتة” على السطح أيام الربيع. أوّل مرّة زرتُ الحيّ مع “عبير”، أحسست نفسي في متاهة، الشوارع الطولية والعرضية المتشابهة إلى حدّ التطابق، حتى إنني حسبت وقتها أن زيارتي وحيدةً لهذا الحي مستحيلة، لكن عندما تكرّرت زياراتي أصبحت أميّز الكثير من نقاط العلّام؛ هنا بقالية على الزاوية، وهناك بوابة فخمة وملوّنة، ثمّ باب ونافذة مكسوران لبيت مهجور، مصلّح دراجات وأقفال، حانوت الفاكهة والخضار، وووووو.

كان “الطبب” آخر حيّ عشوائي البناء، إلى الشرق من “مخيّم فلسطين”، وتحديداً شرق حيّ “التضامن” بشقّيه: الشمالي؛ شمال صيدلية “نسرين”، والجنوبي؛ جنوب مدرسة “لواء اسكندرون” وصولاً إلى سينما “النجوم” ومخفر “اليرموك” للشرطة المدنية.

في الجهة الجنوبية الشرقية للعاصمة “دمشق”، تمدّدت أحياء السكن العشوائية كباقي أطراف المدينة المحاصرة بالفقر من أربع جهاتها، ليقفز أغنياؤها فوق عشوائيّاتها منطلقين لتشييد القصور والمشاريع الاستثمارية في ريفها وضواحيها الأبعد؛ ملتهمين ما تبقّى من اخضرار غوطتيها وجبالها.

«الأزقّة هنا في “الطّبب” التي يسمونها شوارع بأسمائها الحسنى، كانت لا تكفي ملعباً للصغار، فيتّجهون شرقاً إلى ما تبقّى من البساتين التي تفصل حيّنا عن حيّي “القزّاز” و”ببيلا” شرقاً، و”يلدا” جنوباً.

الساحة الصغيرة في طرف الحيّ الغربي، التي تفصله عن المساكن المسبقة الصنع، كانت مرتعاً لعربات الخضار والفاكهة صباحاً حتّى بُعيد الظهر، وساحة عراك بين الصغار والفتيان على من يحتلّها أولاً لتكون ملعب كرته بعد الظهر. كثيراً ما كنّا نمرّ بهذه الساحة قاصدين السوق، فيتوقّف لعب الأولاد حتى نعبر.

بعد قيام الثورة بعام، ومع مطلع ربيع العام 2012، دخلت الحيّ “جبهة النصرة” من الجهة الشرقية. علا صوت التكبير مترافقاً بالأعيرة النارية في الأزقة، فالتجأ الجميع كباراً وصغاراً إلى منازلهم، خوفاً من بطش العصابة التكفيرية، ولا سيّما أن سكان حيّنا كانوا خليطاً عشوائيّاً كأبنيته، من مختلف المحافظات والمدن السورية، ومن مختلف الطوائف والمذاهب والأعراق. استنفرت حواجز النظام العسكرية على المداخل الغربية والشمالية للحي، وضربت الدبابات طوقاً كقوسٍ مفتوح حول المنطقة، لتمنع “النصرة” من التوغّل إلى أحياء الخطّ الأحمر من العاصمة غرباً وشمالاً.

زرعت “النصرة” الرعب في نفوس الناس، وفتحت الطريق لمن لم ينضمّ إليها لمغادرة الحيّ، بعد أن اعتقلت من راق لمزاجها اعتقاله… نصف العائلات أقفلت بيوتها وغادرتها على أمل العودة، بعد أن أخذت ما خفّ حمله وغلا ثمنه، ومن بقي في الحيّ كان تحت حماية “الملتحين” إلى حين.

بعد أقلّ من شهر، تخللته الاشتباكات ليلَ نهارَ بين عناصر “النصرة” وجيش النظام على مختلف المحاور المحيطة بالمنطقة، أعلن جيش النظام حرب “التحرير” لـ”مخيم فلسطين” ومحيطه، وأعطى يومين مهلةً لخروج المدنيين من المنطقة قبل بدء الهجوم، الذي ابتدأ بقصف مدفعيّ وجوّيّ عشوائيّ، قبل أن تقتحم الدبّابات والجرّافات المداخل الغربية، ولأن المقاومة كانت شرسة وصعبة في حرب الشوارع، وكبّدت النظام خسائر فادحة، توقّف الهجوم، وأعلن النظام عن هدنة لأيام معدودة، لكنّه خرقها بعد يومين، بهجوم جوّيّ كاسح ترك نصف مساكن المنطقة ركاماً، تبع ذلك هجوم الجرافات تهدم ما تبقى صامداً من البيوت أمام القصف».

“عبير” التي غادرت الحيّ قبل الثورة بعامين تقريباً، كانت تتحدّث عن الحيّ كما لو أنها فيه الآن، في حين تساقطت دموعها حين روت لي زيارتها للحيّ بعد أن أُعلن منطقة محرّرة من “النصرة”:

«رغم استقراري في حيّ “ركن الدين” مع زوجي وطفلتيّ “سارة” منذ سنوات، إلا أنني شعرت بالفرح يداعب حتى خصلات شعري، عند إعلان الحيّ منطقة آمنة، أواخر العام 2012، لأنني سأزور بيتي ومرابع صباي. اتصلت بأمّي وأبي وأخي في “السلميّة”- حيث عادوا إلى بيت جدّي هناك بعد خروجهم من “الطبب”- أخبرتهم بأنني سأزور الحيّ وأبعث لهم بصور البيت والحارة.

ركبنا- زوجي وأنا و”سارة” ابنتي التي ابتدأت عامها الثاني منذ أيام- سرفيس التضامن، ونزلنا في محطّته الأخيرة في المساكن “مسبق الصنع”. عقدت لساني الدهشة، وزاغ بصري. كنت أتابع الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تنشر صور الأحياء بخرابها، ورأيت الكثير من الصور لحيّنا وقد تهدّمت بعض أبنيته، لكن ما شاهدته أمامي لم تصدّقه عيناي، كانت الحارات شرق المساكن “مسبق الصنع” قد سوّيت بالأرض تماماً، حتى الطرقات لم تكن تظهر وسط الركام الممهّد فوق الأرض.

حين صحوتُ من إغماءتي على صوت زوجي وهو يرش الماء على وجهي، والصغيرة على يده، والكثير من المارة يحيطون بنا، صرختُ وانهمرت دموعي مجدّداً.

شخصٌ بين المتحلّقين حولنا كان معرفة أبي، قال لي بعد أن كفكفت دموعي: (يا ابنتي، بعد دخول عناصر الجيش إلى المنطقة شبه المهدّمة؛ دخلت الجرّافات مع الدبّابات، وعملت لأيام عدّة على طمس معالم الحيّ، وصولاً إلى بساتين “يلدا”، حتّى الجامع الشرقي الكبير لم ينجُ.. أصبحت المنطقة الخالية من السكان أثراً بعد عين).

ما زلت أحتفظ بالصور القديمة لبيتنا وللحيّ كلّه في مراحل بنائه وتطوره، لكن كلّما عدت إلى الصور أحسّ بأن روحي تغيب راحلة إلى ذلك الزمان… ألم يقل “جبران خليل جبران”: إن كل مكانٍ نزوره نترك فيه جزءاً من روحنا، لذلك نحنّ إليه دوماً؟!».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى